Reading Time: 6 minutes

بجانب ضيق التنفس أو فقدان حاسّة التذوّق، عادةً ما تتشابه أعراض الإصابة بفيروس كورونا مع أعراض الإنفلونزا، وقد يعاني بعض الناس من أعراضٍ بسيطة في الكثير من الحالات، بينما قد لا تظهر على آخرين أية أعراضٍ مطلقاً.

لكن آثار كورونا طويلة الأمد تبدو مختلفةً تماماً عن الأعراض التي تظهر خلال أول أسبوعين من الإصابة؛ وذلك بما يتماشى مع نمط الإصابات الفيروسية المشابهة الأخرى؛ على سبيل المثال، أدت إصابة الأشخاص بسارس؛ حتى لو كانت لفترةٍ قصيرة في بعض الأحيان، إلى تقلص القدرة على ممارسة الرياضة أو ضعف وظيفة الرئة لسنواتٍ بعد التشخيص الأول في بعض الأحيان، كما ظهرت مشاكل مشابهة لدى المتعافين من متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرس).

يروي «كريج سبنسر»؛ مدير الصحة العالمية في طبّ الطوارئ بجامعة كولومبيا، عن الآثار طويلة الأمد التي أصيب بها شخصياً إبان إصابته بفيروس إيبولا عام 2014؛ حيث تركته يعاني من مشاكل في الذاكرة والتركيز حتى الآن؛ قائلاً عبر حسابه في تويتر: «تواصلت مع الأشخاص الذين أصيبوا بالفيروس -في غرف الطوارئ أو عبر الإنترنت-، ووصفوا لي أعراضاً طويلة الأمد مشابهة لما عانيت منه في الأشهر التي أعقبت مرضي؛ هذه الأعراض كانت: الإرهاق، تشوش الدماغ، الشعور بالتحسن في بعض الأيام وتدهورها في أيامٍ أخرى».

الاختلاف بين الأمراض التنفسية

هناك فرق جوهري بين الأمراض السابقة ومرض كوفيد-19؛ وهو انتشار الإصابات في العالم. في الواقع؛ أصاب سارس وميرس آلاف الأشخاص في جميع أنحاء العالم فقط، أما في الولايات وحدها، سُجّل حوالي 6 ملايين إصابة بفيروس كورونا خلال الأشهر الستة الماضية فقط، ورغم الجدل الدائر حول الاختبارات ومدى فعاليتها من عدمها؛ فشلت الوكالات الحكومية في تحديد العدد الفعلي للأميركيين الذين أصيبوا بعدوى فيروس كورونا.

في بحثٍ أجراه مركز السيطرة على الأمراض في أواخر يوليو/ تموز الماضي؛ وجد الخبراء أن أكثر من 30% من مرضى كوفيد-19 لم يعودوا إلى حالتهم الصحية الطبيعية بعد أسبوعين أو 3 من ثبوت إصابتهم بالمرض، وشمل البحث مرضى تراوحت أعمارهم بين 18 وَ 34 عاماً؛ والذين عادةً ما تكون الأعراض لديهم معتدلةً أكثر من بقية الفئات الأكبر سناً.

أظهر البحث أن مريضاً واحداً على الأقل من بين 4 مرضى لم يتعافَ نهائياً من الأعراض بعد عدّة أسابيع من الاختبار، كما أن بعض الأطفال تبيّن أنهم لا يزالون يشعرون بأن العدوى تؤثر على صحتهم بعد أشهر من الإصابة، وتراوحت الأعراض طويلة الأمد من الاكتئاب إلى التهاب عضلة القلب.

يقول سبنسر: «نظراً لعدم توفر اختباراتٍ سريعة وموثوقة؛ فقد يكون من الصعب على الذين يعانون من آثار كورونا طويلة الأمد الوصول إلى الرعاية الصحية الضرورية إذا لم يحصلوا على اختبارٍ إيجابي رسمي. سيعاني مئات الآلاف من المرضى من آثار كورونا طويلة الأمد في نهاية المطاف».

استمرار أعراض كورونا النموذجية لفترةٍ طويلة بعد الإصابة

نزلات البرد, إنفلونزا, زكام, علاج, عقاقير, صحة, سيدة, مرض

أولى العلامات على الإصابة بعدوى كوفيد-19 طويلة الأمد هي الشعور بأن العدوى لم تغادر جسمك بعد أيامٍ أو حتّى أشهر من تعافيك نظرياً؛ فقد وجدت إحدى الدراسات المنشورة في دورية دورية الجمعية الطبية الأميركية؛ والتي درست حالة 179 مريضاً إيطالياً تتراوح أعمارهم بين 19 و 84 عاماً، أن 12% من المرضى فقط شعروا بالشفاء التام من المرض، بينما استمر أكثر من 50% منهم بالشعور بالإرهاق، كما وصف 44% منهم كيف تدهورت نوعية حياتهم، ووصفوا الأعراض الشائعة الأخرى التي ما زالوا يعانون منها؛ مثل السعال والحمى، ألم الصدر، الصداع، وضيق التنفس العرضي.

وتقدّر دراسةٌ أخرى نُشرت في المجلة الطبية البريطانية، أن حوالي واحداً من بين كلّ 10 مرضى بكوفيد-19 سيشعرون بالتوّعك لأكثر من 3 أسابيع، كما ستعاني مجموعة فرعية منهم لفترةٍ أطول قد تستمر لأشهر، ومع ذلك؛ ما يزال تحديد من سيصاب بهذه التأثيرات وسببها غير معروفين مطلقاً، لكن الدراسة تقترح أن سبب بقاء تأثير الفيروس المحتمل لفترةٍ طويلة ربما يعود إلى استجابة الجسم الضعيفة لتوليد الأجسام المضادة، إلا أنه لا يوجد نمط نموذجي معروف لكيفية كيفية تفاعل الجسم مع الفيروس.

أبرز آثار كورونا طويلة الأمد

1. تلف عضلة القلب

يُعد تلف القلب أحد أخطر التداعيات المحتملة للإصابة طويلة الأمد بكوفيد-19؛ فقد أظهرت دراسةٌ صدرت في يوليو/ تموز؛ تناولت 100 مريضٍ بكوفيد-19، أن معظم من يُفترض أنه قد تعافى منذ شهرين ما زال يعاني من مشاكل في القلب تتراوح من تغييرات بنيوية، إلى انخفاض المؤشرات الحيوية التي تشير إلى إصابةٍ قلبية.

تقول «فالنتينا بونتمان»؛ أخصائية أمراض القلب في مستشفى فرانكفورت الجامعي ومؤلفة الدراسة لموقع ستات نيوز: «يظهر لدى 78% من المرضى المتعافين أدلة على تأثر القلب بعد التعافي؛ مما قد يشي بأنّ غالبية المرضى؛ حتى لو لم تظهر عليهم أعراض لأمراض القلب مثل ألم الذبحات الصدرية، يعانون من مشكلةٍ ما في القلب». تشير بونتمان إلى أن العديد ممن خضعوا للاختبار كانوا صغار السن نسبياً، وتعافوا من المرض في المنزل، وليس لديهم أدنى فكرة عن وجود أي مشكلة لديهم في القلب.

كما ظهرت بعض حالات التهاب عضلة القلب لدى الرياضيين المحترفين، مع ارتفاع عدد حالات الإصابة بكوفيد-19. في الواقع؛ يحدث هذا النوع من الالتهاب بسبب العدوى الفيروسية، ولكن لا يزال من الصعب معرفة كيف يمكن أن تؤدي الإصابة بفيروس كورونا إلى الإصابة بالتهاب عضلة القلب.

لقد أظهرت بعض عمليات تشريح جثث المتوفين وجود التهابٍ في أوعية القلب الدموية بدلاً من إصابة خلايا القلب؛ حيث يظهر أنها من الأعراض المرجحة الأخرى للإصابة بفيروس كورونا، وفي هذا الصدد؛ يخشى أطباء القلب من أنه حتى لو تسبب كوفيد-19 بالتهاب خفيف في عضلة القلب فقط، فإن هذه الإصابة قد تؤدي إلى زيادة خطورة الإصابة بنوبةٍ قلبية، أو فشل القلب في المستقبل.

يقول طبيب القلب «سام محيي الدين» لموقع «ساينس ماجازين»: «لن يكون مستغرَباً أن يسأل أطباء القلب في المستقبل مرضاهم: هل أُصبت بكوفيد-19 في السابق أم لا؟».

2. الآثار التنفسية طويلة الأمد

لن يكون مستغرَباً أن تكون بعض الآثار طويلة الأمد للإصابة بكوفيد-19 تنفسيةً، لأنه مرض تنفسيّ بحد ذاته. أظهرت إحدى الدراسات في أغسطس/ آب العام الماضي أن الأعراض التي استمرت بعد التعافي من المرض قد تشمل: السعال المزمن، مرض الرئة الليفي، توسّع القصبات، وأمراض الأوعية الدموية الرئوية.

قد تزيد الحالات الشديدة من مرض كوفيد-19 من خطر الإصابة بمتلازمة الضائقة التنفسية الحادة «أدرس» والإنتان؛ واللتان تُلحقان أضراراً دائمةً بالرئتين والأعضاء الأخرى، حتى لو تعافى منها المريض. تحدث متلازمة الضائقة التنفسية الحادة عندما تمتلئ الأكياس الهوائية بالسوائل المتسربة من الأوعية الدموية الدقيقة في الرئتين؛ مما يؤدي إلى فشل الرئتين، ويتطلب علاجها استخدام جهاز التنفس الاصطناعي، كما يمكن أن تترك تندباتٍ دائمةً في الرئتين، أما الإنتان؛ فهو المصطلح الشائع المستخدم عندما تؤدي العدوى لاستجابةٍ مناعية مهددة للحياة في الجسم، ويمكن أن يُسبب تلفاً خطيراً ودائماً في الأنسجة التي يصيبها.

يقول «باناجيس جالياساتوس»؛ خبير أمراض الرئة في مركز جونز هوبكنز بايفيو الطبي في بيانٍ صحفي: «مع ذلك؛ فإن العديد من إصابات الرئة يمكن أن تتعافى. هناك مستوىً أول من إصابة الرئتين، تليها التندبات، ولكن الأنسجة تلتئم بمرور الوقت، إلا أن الأمر قد يستغرق من 3 أشهر وحتى سنة أو أكثر حتى تعود وظيفة الرئة إلى مستويات ما قبل الإصابة بكوفيد-19».

3. الآثار طويلة الأمد على الكلى

وجد الباحثون في مركز «ماونت سيناي» الصحي في نيويورك، أنه من بين حوالي 4000 مريض مصاب بفيروس كورونا، عانى ما يقارب نصفهم من إصابةٍ حادة بالكلى، واحتاج 19% من هؤلاء إلى إجراء غسيل الكلية، ولم يكن أكثر من ثلث المرضى قد استعاد بعد وظيفة الكلى الطبيعية عند مغادرة المشفى.

آثار كورونا طويلة الأمد, آثار كورونا, أعراض كورونا

وكما هي الحال مع العديد من تأثيرات كوفيد-19، لا تزال آلية الإصابة بها غير معروفة. يقول «سي جون سبيراتي»؛ أخصائي أمراض الكلى بجامعة جونز هوبكنز في بيانٍ صحفي على موقع الجامعة: «من غير المعروف عدد المرضى الذين يتعافون كلياً بعد خضوعهم لغسيل الكلى جرّاء إصابتهم بفيروس كورونا، ولكن بدون شك، تُعد الحاجة إلى غسيل الكلى تطوراً مقلقاً لدى مرضى كوفيد-19؛ فقد ينتهي الأمر إلى الإصابة بمضاعفات أمراض الكُلى بين المتعافين».

كما قال «جيريش نادكارني»؛ المدير المشارك لمركز معلومات فيروس كورونا في منشأة ماونت سيناي في بيانٍ صحفي: «قد نواجه وباء مرض الكلى التالي للإصابة بكوفيد-19؛ أي قد نواجه أعداداً أكبر بكثير من المرضى الذين يحتاجون لغسل الكلى، وحتى لعمليات زرع كلىً جديدة».

4. الآثار طويلة الأمد على الصحة العصبية والعقلية

قد تكون ضبابية أو غياب الوعي أحد الأعراض العصبية الطفيفة التي تستمر لفترة طويلة بعد فترة طويلة من التعافي المفترض، يقول «إيغور كورالنيك»؛ رئيس قسم الأمراض المعدية العصبية وعلم الأعصاب العالمي في شبكة «نورث وسترن ميديسين» في بيان صحفي: «تُظهر الأدلة أن ما لا يقل عن ثلث الأشخاص المصابين بكوفيد-19 يعانون من مضاعفات عصبية».

ووفقاً لشبكة بي بي سي الإخبارية؛ أثبتت أكثر من 300 دراسة، وجود أعراضٍ عصبية غريبة لدى مرضى كوفيد-19؛ بما في ذلك أعراض خفيفة؛ مثل الصداع، فقدان الرائحة والإحساس بالوخز، أو حتى حالات شديدة من فقدان القدرة على الكلام (اضطراب الكلام)، والسكتات الدماغية ونوبات الصرع.

وأشار كورالنيك إلى أن أسباب هذه المشاكل العصبية قد تُعزى إلى نقص الأكسجين في الدماغ جرّاء المشاكل الحاصلة في الجهاز التنفسي أثناء العدوى، أو إلى هجومٍ الفيروس مباشرةً على خلايا المخ أو الأعصاب، أو قد تكون نتيجة الاستجابة المناعية المفرطة.

ووفقاً لموقع «ميدسكيب» الطبي؛ قد يخترق تأثير الاستجابة المناعية المفرطة؛ والتي تُعرف بعاصفة السيتوكين، في الحالات الشديدة، الحاجز الدموي الدماغي؛ مما قد يؤدي إلى الدخول في غيبوبة، وحدوث نوبات الصرع وحتى الموت، كما قال «ماجد فتوحي»؛ المدير الطبي لمركز «نيوروجرو برين» للموقع السابق: «إذا كان فيروس كورونا قادراً على البقاء كامناً في الخلايا العصبية لعدة سنوات بعد الإصابة، فهناك احتمال كبير أن يُصاب المرضى بعواقب عصبية طويلة الأمد».

يقول «روبرت ستيفنز»؛ الأستاذ المساعد في طب التخدير والعناية المركزة في جونز هوبكنز لبي بي سي: «ربما يكون الأمر الأكثر غموضاً في هذه الأعراض العصبية، هو أننا قد لا نتمكن أبداً من ربطها بالفيروس على الإطلاق بدون إجراء الاختبار المناسب. ينطبق هذا خصوصاً على المرضى الذين لم يعانوا من أعراض تشبه أعراض نزلة البرد أثناء إصابتهم بفيروس كورونا؛ فقد تكون ضبابية الوعي وتشوش الذهن هي الأعراض الوحيدة التي شعر بها المريض؛ مما قد حال دون الحاجة لخضوعهم للاختبار».

5. تأثير القلق والاكتئاب

بالإضافة إلى المشكلات العصبية؛ يمكن أن يؤدي القلق والاكتئاب المرتبطان بالعدوى الشديدة إلى عواقب وخيمة لدى المرضى؛ فقد وجدت «ناتالي لامبرت»؛ الباحثة الصحية في كلية الطب بجامعة إنديانا، بعد استبيان أجرته عبر منصة فيسبوك لأكثر من 1500 شخصٍ مصاب بآثار كورونا طويلة الأمد، أن المئات من المشاركين يعانون من القلق وضعف التركيز والاكتئاب.

حتى لو لم تكن هناك أعراض جسدية، يمكن أن يكون للعواقب النفسية آثارٌ مدمرة على المتعافين، أو على أي شخصٍ يعاني من الضغط النفسي حالياً بسبب الجائحة؛ فبالنسبة لهذه الأعراض خصوصاً، نحن جميعاً في خطر سواء كانت أجسامنا سليمةً أم لا.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.