Image

تبدو ورقة هوكينج الأخيرة أقرب إلى اجترار لنظرية الأكوان المتعددة، ولكن لا بأس بهذا

Bread assortment ستيفن هوكينج ما زالت الأكوان المتعددة نظرية جيدة
لولب كوميونيكاسيو عبر فليكر – الحقوق الأدبية محفوظة

بعد وفاة ستيفن هوكينج في مارس المنصرم، كان لا بد من وقفة للتفكير بتأثير الفيزيائي الشهير على العالم العلمي، والطرق التي أثرت بها أبحاثه في طريقة تفكيرنا بالكون، وتبين لنا أنه لم يكن قد قال كل ما عنده. فقد نشرت ورقته العلمية الأخيرة مؤخراً في مجلة Journal of High Energy Physics، وعلى الرغم من أنها لا تعتبر عملاً بالغ الأثر كما تقول الكثير من وسائل الإعلام، فإنها مثيرة للاهتمام، وتضيف طابعاً خاصاً بهوكينج على واحدة من أكثر أفكار الفيزياء النظرية إثارة للجدل: الكون المتعدد.

تقول هذه الفكرة إن عدة أكوان متوازية نشأت من التمدد السريع للغاية للكون مباشرة بعد الانفجار الكبير، على شكل دفعات متتالية بسرعة أكبر من سرعة الضوء. ويعتقد الكثير من العلماء أنه خلال هذه الدفعات، تضخمت أصغر نبضات من الطاقة على المستوى الكمومي متحولة إلى جيوب كبيرة من الزمكان، أي أكوان كاملة مستقلة، يحتمل وجودها في كل مكان من الناحية النظرية، ضمن كون واحد في حالة دائمة من التمدد يسمى الكون المتعدد ويحويها جميعاً.

إن الاعتقاد بصحة هذه النظرية يعني بشكل أساسي افتراض تشكل أكوان جديدة منفردة، مراراً وتكراراً إلى ما لا نهاية، مع استمرار تمدد الكون المتعدد. وهو أمر لن يتقبله البعض بسهولة، بما فيهم هوكينج والمؤلف المشارك معه، توماس هيرتوج من جامعة لوفن في بلجيكا.

ولهذا، قام هوكينج وهيرتوج بوضع هيكلية لنموذج أكثر بساطة للكون المتعدد، بحيث يتضمن قيداً على عدد الأكوان الجديدة التي يمكن أن تتشكل، ويؤكد على سريان القوانين الفيزيائية لكوننا عليها أيضاً. وعلى عكس النظريات السابقة التي تحدثت عن أكوان فارغة ومليئة، وحساسة ومملة، وتموت في لحظات أو تعيش لفترات طويلة، فإن هذه النظرية تبدو أقرب إلى المعنى المباشر الذي يمكن أن نستنتجه من عبارة “أكوان متوازية”.

تعتبر الورقة الجديدة بمثابة تحديث على فرضية “اللا حدود”، وهي فرضية عمل عليها هوكينج مع الفيزيائي الأميركي جيمس هارتل في الثمانينيات. وبالاعتماد على أدوات رياضية جديدة لم تكن موجودة في ذلك الوقت، توصل هوكينج وهيرتوج إلى استنتاج يقول بأن كوننا يتوافق مع هذه الفكرة، وأن الكون المتعدد أصغر مما يمكن توقع الحصول عليه من التمدد اللانهائي.

يقول هيرتوج: “يتوافق نموذجنا بشكل جيد مع نظرية التمدد، والتي تقول إن كوننا مر بفترة تمدد سريعة للغاية في بداياته. غير أنه يتعارض بشكل واضح مع الاستقراء الشائع لهذا التمدد والذي أدى لظهور الكون المتعدد”.

إنها فكرة جميلة، غير أنها ليست استثنائية للغاية كما قد يظن شخص من خارج أوساط علم الفيزياء. فهي مجرد فكرة نظرية، ولا توجد طريقة فعلية لاختبارها أو رصد أي أثر لها من الناحية الفلكية، كما أنها ليست عملية على الإطلاق. إن فرضية “اللا حدود” الأصلية مجرد تأمل نظري، ما يعني أن هذه الاستنتاجات تحمل نفس الطابع أيضاً.

يقول آفي لوب، فيزيائي نظري في جامعة هارفارد، ومن أشهر المشككين بنظرية التمدد: “إن الاستنتاج الرئيسي لهذه الورقة مجرد تخمين غير مثبت رياضياً. إنها ورقة مثيرة للاهتمام، ولكنها ليست ثورية”.

إضافة إلى هذا، فإنها ليست بالهيكلية المفاجئة. يقول هيرتوج: “تعتبر هذه الورقة بمثابة ذروة اتجاه بحثي كنا نعمل عليه منذ بضعة سنوات، وهو قائم بشكل كبير على التعامل مع المشاكل في مسألة الكون المتعدد”. أي أنها ليست عبارة عن شرارة إلهام مفاجئ ظهرت في رؤوس المؤلفين، بل مثالاً على العمل الطويل البطيء في الفيزياء النظرية.

على غرار لوب، يعتقد أندريه ليند، وهو فيزيائي نظري في جامعة ستانفورد ومن رواد نظرية التمدد، أنه من الهام أن نضع هذه الاستنتاجات في إطارها الصحيح كتخمينات، لا كنتائج نهائية. ولكنه يقول أيضاً أنها “قد تكون هامة للغاية، وقد تؤدي إلى إطلاق عمل منتج في هذا الاتجاه، شأنها شأن الكثير من استنتاجات هوكينج الملهمة. يعتبر هذا المجال البحثي شديد التعقيد، ولهذا من المهم للغاية أن نعرف ما هي أفكار هوكينج حوله”.

يعتقد لوب أيضاً أنه من الجيد أن هذه الورقة (تثبط) قليلاً من الاقتراح الإشكالي لنظرية الكون المتعدد، والذي يقول أن كل شيء قابل للحدوث سيحدث لعدد لانهائي من المرات. ويقول: “لا يمكن إثبات خطأ هذه النظرية، لأن كل شيء ممكن الحدوث. من أهم محاسن الفيزياء التقليدية إمكانية إثبات خطأ النظريات بالتجربة. إن العلم هو في أساسه محاولة للتعلم، وإذا تخلينا عن إمكانية إثبات خطأ أفكارنا، فلن نتعلم أي شيء بالتجربة”.

ولكن بالطبع، فإن نظرية هوكينج وهيرتوج أيضاً لا يمكن إثبات خطئها.

في الواقع، فإن الحماسة التي قوبلت بها هذه الورقة قد تعود فعلياً لكونها ورقة هوكينج الأخيرة. لقد كانت متاحة أمام أوساط الفيزيائيين للقراءة والنقاش منذ فترة طويلة، ولم تُقدم إلى المجلة وتُقبل إلا في 20 أبريل. وعلى الرغم من أن الحماسة كانت منتشرة فقط بين عامة الناس الراغبين برؤية عمل هوكينج الأخير، فإنه ما يزال مهماً، بشرط ألا يُعطى أكبر من حجمه الفعلي.

من المؤسف أن هوكينج لم يعد موجوداً بيننا ليقدم شيئاً أكثر أهمية. يقول هيرتوج: “لا شك في أنني استمتعت للغاية بالعمل مع هوكينج. وأشعر بالحزن أنه ليس هنا ليحتفل بنشر هذه الورقة ويشارك في مغامراتنا الكونية المقبلة”. من المؤكد أن الكثيرين يشاركونه هذا الشعور.

error: Content is protected !!