Reading Time: 5 minutes

تبادل «إيلون ماسك» صاحب شركة تسلا و«جيف بيزوس» صاحب شركة أمازون اعتلاء تصنيف أغنى شخصٍ في العالم طوال العام الماضي، وذلك بعد أن ارتفعت ثروة الأول إلى 160 مليار دولار عام 2020 محققاً الصدارة لفترةٍ وجيزة قبل أن يتجاوزه جيف بيزوس مجدداً.

في الواقع، لم يكن ماسك الشخص الوحيد الذي زادت ثروته خلال عامٍ من جائحة كورونا والركود الاقتصادي، والموت. فوفقاً لمجلّة فوربس؛ زادت ثروات الأغنياء في العالم إجمالاً بما يزيد عن 1.9 تريليون دولار عام 2020.

لا شكّ أن هذه الأرقام فلكية وصادمة، ويصعب على المرء المرور بها دون أن يثير ذلك تساؤلات لديه. بصفتنا علماء أنثروبولوجيا ندرس الطاقة وثقافة المستهلك؛ أردنا التحقق من البصمة الكربونية الناتجة عن هذه الثروات.

البصمة الكربونية لأثرياء العالم

لقد وجدنا أن أثرياء العالم لديهم بصمة كربونية يمكن أن تكون أعلى بآلاف المرات من البصمة الكربونية للأشخاص العاديين. يمتلك الأثرياء طائرات خاصة ويخوت والعديد من القصور الفخمة، وتساهم جميعها في انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري في الغلاف الجوي. على سبيل المثال، ووفقاً لحساباتنا، يُصدر يختٌ فاخر يعمل فيه طاقمٌ دائم ويحتوي على مهبط طائرة مروحية وغواصات وبرك سباحة حوالي 7020 طناً من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، مما يضعه في قائمة أسوأ الممتلكات التي يمكن اقتناؤها من ناحية تأثيره على البيئة. تشكل المواصلات والعقارات نصيب الأسد من البصمة الكربونية لمعظم الأشخاص، لذلك ركزنا على حساب هذه الفئات لكل ملياردير.

بدأنا باختيار عينةٍ من أثرياء العالم من قائمة فوربس لعام 2020 التي ضمّت 2095 مليارديراً. في الحقيقة؛ يستحيل الحصول على عينةٍ عشوائية ممثلّة للأغنياء لتقدير بصمتهم الكربونية، لأنّ معظم الأغنياء يخجلون من الظهور في الإعلام ويبتعدون عن الظهور، لذلك كان علينا التركيز على الأغنياء الذين كانت نشاطاتهم معروفةً للعموم، مما أدى لاستبعاد معظم الأغنياء في آسيا والشرق الأوسط.

قمنا بالبحث في 82 قاعدة بيانات للسجلات العامة بهدف توثيق ممتلكات المليارديرات من المنازل والسيارات والطائرات واليخوت. بعد إجراء بحثٍ شامل، بدأنا مع 20 مليارديراً معروفاً تمكنا من التأكد من ممتلكاتهم مع التركيز على بعض التنوع من ناحية الجنس والجغرافيا. وقد قدمنا ​​ورقتنا البحثية لمراجعة الأقران ولكننا نخطط لمواصلة الإضافة إلى قائمتنا.

ثم استخدمنا مجموعة واسعة من المصادر، مثل إدارة معلومات الطاقة الأميركية وموقع «بصمة الكربون»، بهدف تقدير انبعاثات ثاني أكسيد الكربون السنوية من كل منزل وطائرة وسيارة ويخت. في بعض الحالات، كان علينا تقدير حجم المنازل من صور الأقمار الصناعية أو الصور العادية، والاستعانة بالطائرات واليخوت الخاصة من خلال البحث في الصحافة الشعبية، والاستفادة من دراسات أخرى. تستند نتائجنا إلى تحليل الاستخدام النموذجي لكل أصل بالنظر إلى حجمه وكل شيء آخر يمكننا أن نتعلمه.

لم نحاول حساب انبعاثات «الكربون المتجسد» لكل أصل -أي مقدار ثاني أكسيد الكربون الذي يُحرق خلال سلسلة التوريد لصنع المنتج- أو الانبعاثات الناتجة عن عائلاتهم، أو موظفي المنزل أو المرافقين. لم نقُم أيضاً بتضمين انبعاثات الشركات التي يمتلكون جزءاً منها أو كلها، لأن ذلك كان سيضيف درجةً أخرى كبيرة من التعقيد. على سبيل المثال؛ لم نحسب انبعاثات شركة تسلا أو أمازون عند حساب البصمة الكربونية لماسك أو بيزوس. بعبارةٍ أخرى، من المرجّح أن تكون تقديرات البصمة الكربونية لكلّ منهما متحفظّة إلى حدّ ما.

البصمة الكربونية للشخص العادي

لفهم هذا المبدأ؛ دعنا نبدأ بالبصمة الكربونية للشخص العادي.

أطلق كلّ شخصٍ من سكان الولايات المتحدة، بما في ذلك أثرياء العالم، في عام 2018 وحده حوالي 15 طناً من ثاني أكسيد الكربون. بينما تبلغ البصمة عالمياً حوالي 5 طن فقط للشخص الواحد. بالمقابل؛ أطلق كلّ شخصٍ في العينة المدروسة في ورقتنا البحثية ما معدله 8.190 طناً من ثاني أكسيد الكربون عام 2018، لكّن البعض تسبب بإطلاق كميةٍ أكبر من غازات الدفيئة أكثر بكثير من الآخرين.

الملياردير الطائر

كان «رومان أبراموفيتش» صاحب نادي تشيلسي الإنجليزي لكرة القدم، والذي جنى معظم ثروته البالغة 19 مليار دولار من تجارة النفط والغاز؛ أكبر ملوّثٍ على قائمتنا.

يبحر أبراموفيتش في البحر الأبيض المتوسط في يخته الفاخر الذي يُدعى «إكليبس» البالغ طوله 162.5 متراً ليكون ثاني أكبر يختٍ في العالم، وينافس بعض سفن الرحلات البحرية أيضاً. يسافر أبراموفيتش حول العالم بطائرةٍ بوينج 747 مصممةٍ خصيصاً له، وتضم غرفة طعام بـ 30 مقعداً. بينما يستخدم في رحلاته الأقصر طائرته «جَلْف ستريم G650» أو إحدى طائراته المروحية التي يمتلكها، وحتى الغواصة الموجودة على يخته.

كما يمتلك العديد من المنازل في العديد من الدول، من ضمنها قصرٌ في حدائق «كنسينغتون بارك» في لندن، وقصر في كاب دانتيب في فرنسا، وعقاراً مساحته 70 فداناً في سانت بارتس (وهي جزيرة كاريبية ناطقة بالفرنسية) كان مملوكاً في السابق لديفيد روكفلر. في عام 2018، غادر المملكة المتحدة واستقر في «إسرائيل»، حيث أصبح مواطناً مزدوج الجنسية، واشترى منزلاً فيها في عام 2020 مقابل 64.5 مليون دولار.

تشير تقديراتنا إلى أنه مسؤول عن إطلاق 33859 طنّ متري على الأقل من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في عام 2018، أكثر من ثلثيها يأتي من يخته الذي يكون جاهزاً للعمل في أي لحظة على مدار العام.

قصور ضخمة وطائرات خاصة

يُعتبر «بيل جيتس» رابع أغنى شخص في العالم حالياً برصيد 124 مليار دولار ملوثاً «متواضعاً» وفقًا لمعايير الأثرياء؛ وهو نموذجي بالنسبة لأولئك الذين قد لا يمتلكون يختاً عملاقاً، ولكن يعوّض ذلك بطائراتٍ خاصة. جيتس مؤسس مشارك لمايكروسوفت تقاعد عام 2020 ليتفرّغ لإدارة مؤسسة «بيل وميليندا جيتس»، أكبر مؤسسة خيرية في العالم مع وقفٍ قدره 50 مليار دولار.

بنى جيتس في التسعينيات قصر «زانادو» الذي سمّاه على اسم المنزل الخيالي الفخم في فيلم «سيتزن كين» لـ «أورسون ويلز»- بتكلفة 127 مليون دولار في واشنطن. تبلغ مساحة المنزل العملاق 6131 متراً مربعاً، مع 23 مرآباً للسيارات وسينما تتسع لـ 20 شخصاً و 24 حمّاماً. كما يمتلك ما لا يقل عن 5 عقاراتٍ أخرى في جنوب كاليفورنيا وجزر سان خوان في ولاية واشنطن وفي نورث سالم ونيويورك، بالإضافة إلى مزرعة خيول و4 طائرات خاصة، وطائرة مائية ومجموعةٍ من الطائرات المروحية.

وقد قدرنا بصمة الكربون السنوية الخاصة به بنحو 7493 طنّ متري من ثاني أكسيد الكربون معظمها ناتج عن رحلات الطيران الكثيرة.

المدير التنفيذي التقني المهتم بالبيئة

يتمتع «إيلون ماسك» المولود في جنوب إفريقيا، والمدير التنفيذي لشركتي تسلا وسبيس إكس؛ ببصمةً كربونية منخفضةً رغم كونه ثاني أغنى شخصٍ في العالم بثروةٍ تُقدّر بحوالي 177 مليار دولار، ويبدو أنه عازمٌ بالفعل ليصبح مثالاً يُحتذى به لأصحاب المليارات الآخرين. إذ أنه لا يمتلك يختاً فاخراً، ويقول أنه لا يأخذ إجازات.

وفقاً لحساباتنا؛ كانت بصمته الكربونية متواضعة نسبياً عام 2018، نظراً لعدم امتلاكه سوى 8 منازل وطائرةٍ خاصة واحدة. ستكون بصمته الكربونية هذا العام أقل أيضاً لأنه باع في عام 2020 جميع منازله، ووعد بالتخلّص من جميع ممتلكاته الدنيوية لاحقاً.

وبالرغم من أن بصمته الكربونية لا تزال أعلى بمئات المرات من البصمة الكربونية للشخص العادي، إلا أنه يُعتبر مثالاً يُحتذى، ويُظهر أنه بإمكان أثرياء العالم اتخاذ إجراءاتٍ لتقليل بصمتهم الكربونية إذا أرادوا ذلك بالفعل.

لقد قدّرنا بصمته الكربونية عام 2018 بنحو 2084 طن فقط.

بماذا يفيدنا معرفة تأثير أثرياء العالم على البيئة؟

الهدف من بحثنا الحالي هو تشجيع الناس للتفكير في العبء البيئي للثروة. بالرغم من أن العديد من الأبحاث أظهرت أن البلدان الغنية وأثرياء العالم ينتجون أكثر بكثير من نصيبهم العادل من انبعاثات غازات الدفيئة؛ إلا أن هذه الدراسات تبدو مجرّدة وأكاديمية فقط، وهو الأمر الذي يجعل من الصعب تغيير هذا السلوك في الواقع.

نعتقد أن كشف عادات أثرياء العالم التي تستهلك الكثير من الطاقة؛ يمكن أن يكون له أثرٌ مهم، ويظهرهم كنماذج للاستهلاك المفرط بحيث لا ينبغي على الناس تقليدهم.

على سبيل المثال؛ قادت كلّ من الصحف والمدن والسكان المحليون في كاليفورنيا حملة تشهير مؤثرة للغاية حملت اسم «عار الجفاف»، وهدفت للكشف عن بذخ المشاهير في مروجهم الخضراء؛ في الوقت الذي كان فيه الناس يعانون من أسوأ موجات الجفاف في كاليفورنيا عامي 2014 و2015. كما ابتكر السويديون مصطلحاً جديداً حمل اسم «عار الطيران» لرفع الوعي حول تأثير السفر الجوي على المناخ.

يشير خبراء المناخ أنه لكي يكون لدى الدول أي أملٍ في الحفاظ على الاحترار العالمي عند مستوى زيادةٍ 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل العصر الصناعي؛ يجب عليها خفض انبعاثاتها إلى النصف بحلول عام 2030، والتخلّص منها نهائياً بحلول عام 2050.

ربما تبدو مطالبة الأميركيين العاديين بتبني أنماط استهلاك تخفّض بصمتهم الكربونية لتحقيق ذلك الهدف؛ هو أمر مثير للسخرية وغير مجدٍ عندما يكتشفون أن متوسط البصمة الكربونية السنوية لأثرياء العالم في قائمتنا قد تعادل بصمتهم الكربونية لـ 550 عاماً.