Reading Time: 3 minutes

يعد الليزر من أكثر التقنيات المنتشرة حول العالم في العديد من الصناعات والتطبيقات، حيث أنها منذ بدء العمل بها من منتصف القرن الماضي كانت وما زالت ذات أهمية عالية ومجال استخدام واسع ومتنوع جداً، وامتدت لتشمل المجال الطبي والعسكري والبحث العلمي، وتقنيات الاتصالات والكمبيوتر.

وفي الآونة الأخيرة قامت جامعة ليدز ببحث علمي قد يمثل طفرة في مجال الاتصالات، وذلك بتحقيق معدل إرسال يصل إلى  100 جيجابت/ الثانية باستخدام أجهزة ليزر «كمومية تتابعية»، تصل ترددات عملها إلى تيراهيرتز، مما يجعلها تشكل قفزة في مجال أجهزة الإرسال التي تعمل بالليزر، بالإضافة إلى كونها وسيلة لنقل كميات هائلة من المعلومات لاستخدامها في تطبيقات الاتصال اللاسلكية، والتي يمكن أن تستثمر في مجالات أخرى أيضاً. لكن قبل الدخول في تفاصيل هذا الإنجاز، وفهم التقنيات المستخدمة فيه، يتحتم علينا معرفة مبدأ عمل الليزر وتطبيقاته.

كيف يعمل الليزر؟

لنفهم كيفية عمل الليزر نحن بحاجة أولاً لمعرفة آلية إنتاج شعاع ضوئي من الذرات، التي هي بالأساس الوحدة الأساسية في بنية جميع المواد من حولنا، والمكونة من نواة ذات شحنة موجبة، وإلكترونات حولها سالبة الشحنة تمتلك كمية محددة من الطاقة، وتختلف بحسب مسافة الإلكترون عن النواة.

يمكن تشبيه الذرة متمثلة بالنواة مع الإلكترونات بالنظام الشمسي، الشمس تمثل النواة، والكواكب حولها تمثل الإلكترونات، وكل كوكب يمتلك كمية طاقة مختلفة عن كوكب آخر، ولو افترضنا أن هناك كواكب متساوية البعد عن الشمس؛ لكانت تمتلك نفس كمية من الطاقة.

كمية الطاقة التي يمتلكها الإلكترون ليست دائمة أو ثابتة، أي يمكن للإلكترون أن يكتسب أو يفقد كمية من الطاقة، وفي عمل الليزر نركز بشكلٍ أساسي على تغيير حالة الذرة بشكلٍ عام، أو تغيير حالة الإلكترون بشكلٍ خاص ليفقد كمية من الطاقة، ويقوم بإصدارها على شكل جسيمات متناهية الصغر تدعى «فوتونات». تشكل هذه الجسيمات شعاع ضوء الليزر، وتمتلك طبيعة موجية، وعند اختلاف تردد هذه الجسيمات يختلف لون الضوء الصادر عنها.

أهمية الليزر وتطبيقاته

يستخدم الليزر في العديد من التطبيقات مثل الاتصالات وتمجالات عديدة في الصناعة، حيث يمكن الاستفادة منه في أدوات الاتصال اللاسلكية في المركبات الفضائية على بعد آلاف -ملايين- الكيلومترات. يمكن باستخدام الليزر في هذه الحالات أن يتم إرسال كميات كبيرة من المعلومات بسرعة نقل بيانات فائقة.

كما تتم الاستفادة من خصائص الإشارات الضوئية التي تتميز بها عن الإشارات الكهربائية لنقل المعلومات؛ عن طريق الألياف الضوئية التي تشكل وسيلة أفضل للاتصالات السلكية، من حيث ترددات وسرعات الإرسال بالاضافة إلى توفير الطاقة والتجهيزات.

العمل على أجهزة الليزر الكمومية التتابعية

تقنيات الليزر الكمومية التتابعية ليست مستحدثة، لكن تكمن أهمية البحث الذي جرى في جامعة ليدز -والذي يشكل الموضوع الرئيسي للمقال- في السرعات ومعدلات الإرسال العالية التي توصلوا إليها. وحتى تعمل أجهزة الليزر الكمومية التتابعية بهذه الترددات؛ فهي بحاجة لتعديل الإشارات الكهربائية باستخدام عناصر إلكترونية تعمل كقواطع تغلق وتفتح بسرعات فائقة؛ تصل إلى 100 مليار مرة في الثانية.

وقد فشل مهندسون وعلماء في التوصل إلى هذه المعدلات سابقاً، لكن فريق جامعة ليدز تمكن من إيجاد طرق وتقنيات تعديل الإشارات بسرعات فائقة، عن طريق الاستفادة من ميزات عمل الأمواج الضوئية والصوتية معاً.

وفي هذا صرّح «جون كننغهام» بروفيسور في قسم الإلكترونيات النانوية في جامعة ليدز؛ أن الأجهزة المستخدمة في تعديل ومعالجة الإشارات الكهربائية في الليزر الكمومي التتابعي هي إلكترونيات، ولديها حدود فيزيائية لمعدلات المعالجة، وأن الفريق يعمل على ميكانيكية جديدة لتعديل ومعالجة الإشارات بالاعتماد على الأمواج الصوتية.

مبدأ عمل الليزر الكمومي التتابعي

يعمل الليزر بمبدأ تمرير الإلكترونات خلال تجهيزات ضوئية داخل جهاز الليزر، ليتم التلاعب بطاقة هذه الإلكترونات ويتم التحكم بها عن طريق تمرير الإلكترونات عبر مناطق كمومية ذات ميزات خاصة تسمى «آبار كمومية»، حيث تقوم في النهاية بإصدار شعاع ضوئي يشكل أشعة الليزر المرسلة. أما المستجد في هذا البحث يكمن في التالي:

الشعاع الضوئي الصادر عن الإلكترونات والمكون من فوتونات، يتم التحكم به باستخدام موجات صوتية بدلاً من استخدام أجهزة وعناصر إلكترونية بشكلٍ مباشر. يتم ذلك عن طريق تأثير الاهتزاز الناتج عن هذه الأمواج الصوتية على الآبار الكمومية.

تم الحصول على الأمواج الصوتية عن طريق تأثير نبضات شعاع ليزر آخر على غشاء ألومنيوم، والذي أدى إلى إصدار أمواج صوتية ميكانيكية تم الاستفادة منها في الليزر الكمومي التتابعي.

تعليقات على هذا الإنجاز

أشار «توني كِنت» بروفيسور في الفيزياء في جامعة نوتنجهام، أن ما حدث هو «عملية معقدة للتلاعب بحالة الإلكترون بمساعدة الأمواج الصوتية».

أما البروفيسور كننغهام فيضيف أن ما تم التوصل إليه ليس مكتملاً بعد، لأنهم لم يتمكنوا من إيقاف أو استئناف تدفق الأشعة الليزرية بشكلٍ مثالي، لكنهم تمكنوا من التحكم بها بدرجة معينة، ومع مزيد من العمل للتطوير والصقل، سيكون لدينا آلية جديدة للتحكم بالفوتونات والإلكترونات، وقد يكون من الممكن التوصل إلى طريقة لدمج الأدوات المستخدمة، ومن ثم الاستغناء عن مصدر الصوت الخارجي الضروري لعمل الليزر في هذه التقنية.

وختاماً، يمكن اعتبار هذا الإنجاز ثورة جديدة في عالم الفيزياء والتكنولوجيا، ولن يقتصر استخدام هذه التقنية على نقل البيانات بسرعات كبيرة كما في هذه الدراسة فحسب، وإنما يتطلع العلماء إلى استخدامها في مجالات أخرى؛ مثل المجالات الطبية أو الصناعية، وسيكون المستقبل القريب شاهداً على هذه التقنيات المبتكرة.