Reading Time: 5 minutes

يبدو كوكب المريخ وكأنّه يُدمع بتعاقب الفصول؛ فمع ارتفاع درجة الحرارة أثناء الصيّف؛ تكسو مئات آلاف الأخاديد الدّاكنة جُروف الكوكب وفوّهاته البركانية، وتزول بقدوم العام التالي، وبعد أكثر من عقد من الزمن، قد تكون إحدى التجارب المخبرية كشفت السبب وراء وجود هذه الأخاديد.

تدور مركبة «ريكوناسينس أوربيتر» الفضائية الخاصة بوكالة ناسا حول المريخ، وعندما رصدت كاميراتها عالية الدقة هذه الأخاديد في أواخر العقد الأول من القرن الحالي؛ تساءل الباحثون عمّا إذا كانوا يرون الماء يتدفّق على السطح القاحل للكوكب الأحمر أم لا. في النهاية، ما هو الشيء الذي يذوب في الصيف ويتطاير في الشتاء غير الماء؟ كان هذا اكتشافاً محيّراً؛ إذ أن وجود الرطوبة قد يعني وجود الحياة على المريخ.

لكن إذا كانت هذه الأخاديد؛ والتي يشار إليها بالتعبير «الخطوط المنحدرة المتكررة»، بقعاً رطبة، فستكون السوائل التي تسببت بوجودها لا تتصرف أبداً كالمياه الأرضيّة. على سبيل المثال، بعض الأخاديد تظهر حتّى في الأيام شديدة البرودة التي ينبغي أن يتجمّد فيها الماء تماماً، والعديد من الخطوط تظهر في المنحدرات الأشدّ (يُفترض أن يسيل الماء حتّى على التلال طفيفة الانحدار). حاجج بعض العلماء أن الأخاديد الدّاكنة لم تنتج عن الماء، وأنها فقط انهيارات أرضّية جافّة، لكن لم يوفّر العلماء- على اختلاف محاججاتهم- أي تفسير شافٍ.

تقول «جانيس بيشوب»؛ عالمة كواكب في معهد البحث عن الحياة خارج الأرضية: «لا تعمل النماذج التي تعتمد على الجليد والسوائل لتفسير وجود الأخاديد، لأننا لا نرصد الكثير من الجليد في الأماكن التي توجد فيها هذه الأخاديد»، وتضيف: «النماذج التي تعتمد على المواد الجّافة لا تعمل بسبب وجود حاجة لتفسير ما يجعل المواد الجافة تتحرّك».

تظن بيشوب أنه من المحتمل أن الأخاديد تبدو ناتجةً عن عوامل جافّة بطريقة ما، وعوامل رطبة بطريقة أخرى لأنّها بالحقيقة ناتجة عن الاثنين معاً.

المريخ, ناسا, سطح المريخ

الخطوط المنحدرة المتكررة تظهر موسمياً على المريخ. – مصدر الصورة: ناسا/جاي بي أل/جامعة أريزونا

في محاولة لمحاكاة الظروف المريخيّة؛ استمدّت بيشوب وفريقها الإلهام مما يحدث تحت بعض أكثر المواقع جفافاً على الأرض؛ وهي مواقع ميدانيّة مثل القارة القطبية الجنوبية والمسطّحات الملحيّة في صحراء أتاكاما. في هذه المواقع، لاحظ الفريق كيف يمكن لجزيئات الماء الشاردة والمكوّنات الملحيّة الموجودة في التراب أن تخلق تأثيرات مدمرة للأرض.

الملح محبُّ للماء، وهو يمتصّه من الهواء دائماً عند توفّر الظروف المناسبة (ولهذا تُوضع حبّات الأرز في المِمْلَحات، حتّى تمتص الماء من الملح قبل أن يجعله رطباً). نفس الأمر ينطبق على الملح الموجود تحت سطح الأرض، وعندما تمتص المعادن الملحيّة كميّات كبيرة من الماء، فهي تصبح سائلة؛ مما يتسبب في تشكّل مساحات فارغة حولها. لاحظت بيشوب وزملاؤها الطريقة التي ينحلّ فيها ملح الكلور المشبع على الأرض؛ محوّلاً الماء داخله إلى الجصّ (الجبس، وهو نوع من الملح يحتوي على السُلفات)؛ الذي ينحلّ بدوره مشكّلاً فراغات تحت سطح الأرض؛ تُشكّل بدورها الانهيارات الكهفيّة والصدوع المائيّة.

تقول بيشوب: «الأماكن التي يبدو أنها تحتوي على السلفات وأملاح الكلور معاً تحدث فيها أشياء غريبة»، وتضيف: «يبدو أن وجود هذه الأملاح معاً يحرك الماء في الأرجاء نوعاً ما».

المريخ, ناسا, سطح المريخ

التفاعلات الناتجة عن المياه المالحة أذابت المعادن الجوفية مما أدّى إلى تشكّل حفر في الأرض في صحراء أتاكاما في تشيلي. – مصدر الصورة: فيكتور روبليس برافو، كامبو ألتو

وفقاً لبيشوب؛ كشفت المركبات الطّوافة وجود كميات كبيرة من الملح على المريخ. هل يمكن للمياه الجوفية أن تذيب المعادن، وتتسبب في اضطرابات في سطح المريخ كافية لتشكّل الخطوط المنحدرة المتكررة؟ اتّجهت بيشوب وزملائها إلى المختبر للإجابة عن هذا السؤال.

أولاً: تحقق الباحثون مما إذا كان من الممكن أن تترطّب التربة المريخية شديدة البرودة، ولفعل ذلك، أخذوا كمية من التراب من جزر هاواي لها تركيب مشابه لتربة المريخ، وأضافوا الملح والقليل من الماء لها، ثم برّدوها لما دون 90 درجة مئوية تحت الصفر. بعد ذلك، سخّنوا العيّنة واستخدموا آلة تدعى «المطياف» لتقييم حالة جزيئات الماء. وجد الفريق أن حبيبات الجليد المتفرّقة أصبحت أكثر طراوةً عند درجة حرارة 50 مئوية تحت الصفر؛ وهي درجة حرارة تصل إليها الأجواء في يوم صيفي في المريخ. وفقاً لبيشوب؛ درست فرق بحثية أخرى الطريقة التي يمكن أن تذوب فيها قطع الجليد المريخية التي تحتوي على الملح من قبل، لكن التجربة الجديدة كانت الأولى التي تبيّن أن التربة البركانية الجافة التي تحتوي على حبيبات الجليد يمكن أن تصبح أكثر طراوةً ضمن الظروف القاسية على المريخ.

بمعرفة أن الماء يمكن أن يتحرّك بهذه الطريقة؛ نظر الفريق بما يمكن أن يحصل نتيجة لذلك. في تجربة مستقلّة، مزج الباحثون التربة البركانية بالأملاح، ورشّوا القليل من الماء أسفل الوعاء الذي يحتوي على المزيج. كانت النتيجة أن الماء قد صعد إلى الأعلى، وأذاب الأملاح في الوعاء؛ مما تسبب في تشكّل قشرة جافّة هشّة مليئة بالنتوءات تغطّي طبقة طريّة من التربة الرطبة.

تعتقد بيشوب أن هذا المزيج من التربة المبللة قليلاً والقشور الجافّة والهشّة، هو الذي تسبب في تشكّل الأخاديد في منحدرات المريخ (كما أنه يعطينا معلومات تفيدنا في حسم الجدال بين العوامل الجافة والرطبة الذي يدور على الأرض). أولاً، حركة الماء يمكن أن تتسبب في تشكّل قشور هشّة ومكشوفة، ثم قد تحدث عواصف ترابية تزيل القشور؛ مما يتسبب في الانهيارات الأرضية؛ وذلك وفقاً لما أفاد به الباحثون في ورقتهم العلمية المنشورة في دورية «ساينس أدفانسيز» في 3 فبراير/ شباط الجاري.

وفقاً لـ «لوجيندرا أوجها»؛ وهو عالم كواكبٍ ساهم في اكتشاف الخطوط المنحدرة المتكررة كطالب، وهو الآن يعمل كأستاذ مساعد في جامعة روتجرز، تتطابق النظرية أيضاً مع ملاحظات محيّرة أخرى. قبل بضع سنوات، لاحظ أوجها وبعض زملائه «انخفاضات» غامضة؛ انهيارات أرضية صغيرة بالقرب من بعض الخطوط المنحدرة المتكررة. يقول أوجها: «لم تكن لدينا أي فكرة على الإطلاق عن ماهيتها».

الآن يتساءل أوجها حول ما إذا كانت نفس عملية إذابة الماء للملح يمكن أن تربط الظاهرتين، ويقول: «ما أعجبني حقاً في الورقة الجديدة هو أنها تفيد بأنه «بمرور الوقت» يجب أن تُرصد هذه الانهيارات الأرضية ونحن نرصدها بالفعل».

تُظهر تجارب بيشوب أن العملية معقولة فيزيائياً، لكن هل تؤدي في الواقع إلى انهيار جدران فوّهات البراكين على المريخ؟ ستكون الخطوة التالية هي استخدام المسابر التي تحتوي على مجسّات أكثر حساسيّة للتحقق مما إذا كانت المناطق التي تحتوي على كميات كبيرة من الملح عرضةً لتتشكّل فيها الخطوط المنحدرة المتكررة. يقول أوجها: «يبدو أن هذه هي الحلقة المفقودة».

يبيّن تشكّل الخطوط المنحدرة التي تنتج عن الرطوبة الجوفي الطفيفة أن المريخ أكثر حيويةً مما كنا نعتقد، لكنّه على الأرجح لا يشير بالضرورة إلى وجود الحياة فيه. جزيئات الماء؛ التي من المحتمل أن تكون موجودة، ستكون قليلة ومتباعدة بشكلٍ لا يسمح لرواد الفضاء باستخدامها، كما أن التربة شديدة الملوحة ستسمّم أي شكل من الحياة معروف بالنسبة لنا.

مع ذلك، يمكن أن يمثّل وجود جزيئات المياه الجوفية المتفرقّة أخباراً سارّة لصيّادي الأحافير الدّقيقة. تفيد بيشوب بأن المريخ كان على الأرجح مكاناً رطباً وخصباً منذ حوالي 4 مليارات سنة، وتضيف: «وبعد ذلك، هناك تساؤلات كبيرة» حول ما حدث له. تقول بيشوب أيضاً: «إذا وجدنا اليوم أدلّة على وجود قطع صغيرة من الجليد أو الماء السائل مدفونة في تربة المريخ؛ فهذا يعني أن هذه الفترة من إمكانية إيواء المريخ للحياة يمكن أن تكون مستمرّة».

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.