Reading Time: 3 minutes

تخيل أنك عشت كل حياتك في بلدة واحدة، وليس لديك أدنى فكرة عن مدي كِبر تلك البلدة ومدي امتدادها. في عام 2019 أصبح هذا احتمالاً غير قابل للتصور، فمن منظورٍ فلكي، هذا هو وضعنا بالضبط. فليس لدينا فكرة عن مدي كِبر مجرة درب التبانة أو حجمها الفعلي. لحسن الحظ لدى العلماء بعض الأفكار عن كيفية الإجابة على هذه الاسئلة. في دراسة جديدة نُشرت مؤخراً في دورية الفيزياء الفلكية (The Astrophysical Journal)، قدم العلماء تقديراً جديداً ومحسناً لمدى كِبر مجرة درب التبانة، حيث قدروا أن وزن مجرتنا يبلغ 1.5 تريليون ضعف كتلة الشمس، ما يمثل دائرة يمتد نصف قطرها حوالي 129 ألف سنةً ضوئية من مركز المجرة.

لم يكن فشلنا السابق في معرفة كتلة مجرة درب التبانة مفاجئاً. فالمجرة تتكون من مليارات ومليارات ومليارات  النجوم المستعرة، الكواكب، والأجرام الأخرى من جميع الأنواع والأحجام، متناثرة عبر الفراغ المظلم. بينما ما يقرب من 90% من كل ما هو موجود في هذا الفضاء عبارة عن “المادة المظلمة”، التي لا نملك أي مقدرة على رصدها بشكل مباشر (نحن نعرف فقط أنها موجودة؛ لأنه يمكننا ملاحظة قوي الجاذبية الخاصة بها وهي تؤثر على الأشياء التي نستطيع أن نراها). وتفاوتت تقديراتنا السابقة لكتلة مجرتنا بشكل كبير بين 500 مليار إلى 3 تريليون ضعف كتلة الشمس.

إن عدم دقة هذا القياس لا يمثل فقط مجرد لغز علمي منعزل، لكنّه يعرقل العمل الذي يقوم به علماء الفلك الآخرون. يقول س. طوني سون، العالم بمعهد علوم التلسكوب الفضائي في بالتيمور ومؤلف مشارك في الدراسة الصادرة حديثاً: “بما أننا نعيش في مجرة درب التبانة، فلا توجد مجرات أخرى نفهمها بشكل أفضل. وهذا يعني أن الكثير من الأشياء، مثل النماذج الكونية التي نستخدمها، تمت معايرتها؛ لتتناسب مع مجرة درب التبانة”. بشكلٍ أساسي يمكن القول أننا نستخدم مجرتنا كمرجع لفهم كيفية نشأة وتطور كل شيء في الكون، بما في ذلك مجرة درب التبانة نفسها.

ويرى سون أن “الكتلة هي أهم كمية فيزيائية” في النماذج التي نستخدمها للقيام بهذا العمل. فبدون معرفة كتلة المادة المظلمة، لا يمكننا على سبيل المثال معرفة كيف تؤدي دورها في المجرة؟ أو أين يمكن أن نجدها؟ أو نتنبأ بما سيحدثعندما تصطدم مجرة أندروميدا بمجرتنا بعد 8 مليار سنةٍ من الآن. فالكتلة كلُّ شيءٍ.

ونظراً لأننا لا نستطيع وضع مجرة درب التبانة على ميزان عملاق، فكيف نستطيع إذن قياس كتلتها؟
واحدة من الطرق تكمن في قياس تحركات الأجرام الفلكية الأخرى في المجرة، ومعرفة مدي سرعة حركتها أو بطئها انطلاقاً من موضعها الأصلي. والفكرة أنه كلما كانت المجرة أكثر ضخامة، زادت قوى الجاذبية التي تمارسها على الأجرام الفلكية، مما يتسبب في تحركها بشكل أسرع.

في السابق، كان من الصعب قياس ودراسة هذه التحركات في أكثر من بعد واحد. وهنا يأتي دور بعثة مسبار جايا (Gaia) الفضائي غير المسبوقة التي أطلقتها وكالة الفضاء الأوروبية. وهدفها المعلن مسح كامل السماء ليلاً وفهرسة وتصنيف أكبر عدد ممكن من النجوم، وقياس سرعة الحركة ثلاثية الأبعاد لها. يقول سون “كلما كنا أكثر إلماماً بالحركة ثلاثية الأبعاد، كان بمقدورنا الحصول بالفعل على تقدير أكثر موثوقية للكتلة”. وقد استخدم سون وزملاؤه الإصدار الثاني للبيانات من البعثة؛ لتتبع حركات العناقيد الكروية النجمية في مجرة درب التبانة وغيرها من التكتلات النجمية.

وتمكنت المجموعة البحثية من استخدام بيانات مسبار جايا لتوصيف حوالي 34 مجموعة مختلفة من العناقيد الكروية التي تقع على بعد 65 ألف سنة ضوئية. ومع أن مسبار جايا قادر على رصد الفضاء من خلال رؤية واسعة بشكل لا يصدق، فإن العمق الذي بإمكانه الوصول له محدودٌ. لذا فإن سون وفريقه قاموا بدعم مجموعة البيانات الخاصة بهم باستخدام مشاهدات تلسكوب هابل التي استمرت لعقد من الزمان، وقامت برصد 12 مجموعة أخرى تبعد حتى 130 ألف سنة ضوئية من الأرض. بعد ذلك، قام الفريق بإدخال الأرقام إلى نماذج بإمكانها حساب الكتلة، وعلى الفور أصبح لدينا تقديرٌ لكتلة مجرة درب التبانة بـ 1.5 تريليون ضعف كتلة الشمس.

ليس بإمكاننا القول بأن التقدير الجديد مثالي، أو أنه سيساعدنا في الإجابة على الأسئلة الكونية الكبرى بأكملها. في الواقع، ووفقاً لسون فالأرقام الجديدة تبلغ دقتها حوالي 30 إلى 40% فقط، ويقر بأنها على الأرجح، تبعد كثيراً عن القيمة الحقيقية لكتلة المجرة. لكي يخرج  بحثٌ مثل هذا بشكل مثالي، يجب أن نكون قادرين على دراسة الأجرام الفلكية المتحركة على امتداد كامل المجرة وصولاً إلى حافتها، لكنّ مسبار جايا ليس بإمكانه رؤية أبعاد سحيقة مثل هذه. فعلماء الفلك مقيدون بما يتاح لهم معرفته من المشاهدات القريبة من الأرض، ثم يحاولون استقراءها للوصول إلى قيم تقريبية لما هو أبعد، اعتماداً على أفضل الأدوات المتاحة لدينا.

ومع ذلك، يعتبر هذا تحسناً هائلاً مقارنة بالنماذج السابقة. ومن المثير أن نعرف أن هذ التقدير، سيصبح أكثر دقة؛ كلما قمنا بإجراء المزيد من عمليات الرصد، وكلما تحسَّنت أدواتنا. ويقول سون إن الإصدار الثالث من بيانات مسبار جايا يجب أن يكون متاحاً في غضون بضع سنوات فقط، وستكون أمام الفريق مهمة سهلة نسبياً لتطبيق نفس الطريقة التي استخدموها في هذه الدراسة، ومراجعة قيمة الكتلة للوصول إلى أرقام أكثر دقة. ومع كل مراجعة، سنكتسب فهماً واضحاً أكثر لماضي الكون وحاضره ومستقبله.