Image

ولكن هذه التضحية ليست نكراناً للذات دائماً

Bread assortment
حقوق الصورة: أليكسي كوبشينسكي - جامعة فيينا التقنية

في الغابات المطيرة في بورنيو، يعيش نوع من النمل البني المحمر يدعى كولوبوبسيس المتفجر والذي يعرف حقاً كيف يكون مثيراً في موته. فعندما يخوض معركة مع نمل من مستعمرة أخرى، يقوم العمال بإنهاء المعركة بصورة مفاجئة من خلال تمزيق أنفسهم وقذف السوائل الضارة باتجاه العدو. ويموت العمال أثناء سحب هذه القوة، لكن تضحيتهم تحمي بقية المستعمرة من غزو الحيوانات المفترسة مثل النمل الحائك.

وهذا ليس سلوكاً حيوانياً نموذجياً. فمعظم المخلوقات تتصرف بطرق تعطي نفسها أفضل فرصة للبقاء وتمرير جيناتها إلى ذريتها. وهو ما لا يفعله النمل كولوبوبسيس المتفجر من خلال تدميرنفسه، إلا أنه ليس الحشرة الوحيدة التي تفعل ذلك. فهو ينتمي إلى مجموعة تسمى النمل المتفجر، وهي توجد في جنوب شرق آسيا. ويظهر أسلوب التضحية بالنفس بين عدد من الحشرات التي تعيش معاً في مستعمرات بما في ذلك النمل والنمل الأبيض والنحل وبعض الحشرات.

يقول أولاف روبيل، عالم الأحياء بجامعة نورث كارولينا في جرينزبورو: “ربما لا تكلف خسارة عامل صغير كثيراً، ولكن في نفس الوقت، فإن فوائد ردع الدخلاء مثل المفترس الفقاري الكبير الذي قد يدمر المستعمرة بأكملها، أو حتى الحشرات الأخرى التي قد تقوم بالإغارة على المستعمرة قد تكون كبيرة”.

يمكن للتضحية بالنفس أن تتوسع، وتحدث في بعض الحالات حتى عندما لا تكون هناك معركة مستعرة. وفيما يلي بعض أكثر الحركات تطرفاً التي تقوم بها الحشرات للدفاع عن رفاقها، من نزع الأحشاء إلى الموت وحيدة في سبيل سلامة العش.

نزع الأحشاء

ربما تكون قد شهدتَ أسلوب إفناء الحشرات لنفسها عندما لسعتك إحدى النحلات، حيث تمزق النحلة جسدها بعد أن تغمس إبرتها داخل لحمك. ولكن في كثير من الأحيان، تستهدف الحشرات التي تنزع أحشاءها الحشرات الأخرى.

هذا هو الحال بالنسبة إلى نمل كولوبوبسيس المتفجر، والذي يحمل أيضاً لقب “الغراء الأصفر” في إشارة إلى لون سلاحه الكيميائي المميز. ويُعتقد أن هذه النمل “ينفجر” من خلال قبض عضلاته حتى تتمزق بطنه وغدده الداخلية ويفرز سائلاً لزجاً، وذلك بحسب أليس لاسيني، عالمة الحشرات في متحف التاريخ الطبيعي في فيينا.

بالنسبة للنمل المفترس الذي يواجهه، فإن التلوث بالمادة اللزجة يكون قاتلاً بشكل قاطع. فإذا تشبث أحد الأعداء داخل المادة اللزجة السامة، فستلتصق أطرافه ويموت في ثوان، أو أن المادة اللزجة ستلصق المفاصل وتشل حركة الحشرة التعيسة. وحتى بعد موته، لا يحرر نمل كولوبوبسيس المتفجر فكيه من جسد العدو. تقول لاسيني: “ثم تصبح النملة لزجة، ويكون هناك نملة ميتة تتدلى من قرون استشعارها أو ساقها. ومن المحتمل أنها لن تبقى حية وقتاً طويلاً في هذه الحالة”.

لا يمنح التدمير الذاتي المستعمرة تميزاً عددياً خلال المناوشة. تقول لاسينى: “لا يتعلق الأمر كثيراً بالمواجهة الفردية”. وتشتبه لاسيني في أن هذا السلوك له علاقة أكبر باستبعاد الملوثات. ويبدو أن النمل المتفجر يعتمد بشكل خاص على البكتيريا والفطريات في مواطن الغابات المطيرة، ويموت إذا ابتعد عن هذا الميكروبيوم. وأي حشرة تهدد بالوصول إلى أعشاشها أو قريباً جداً من مناطق البحث عن غذائها ستحمل إليها الأبواغ والبكتيريا الأجنبية.

يمكن استخدام المادة اللزجة البراقة، والتي يمكن رؤيتها أحياناً تتلألأ بين صفائح الهيكل الخارجي للنمل، كإشارة تحذير للأعداء. تقول لاسيني: “يبدو أنه من المعروف جيداً بين الحشرات الأخرى في الغابات المطيرة أنه يجب عليهم الابتعاد”. وهناك عدد قليل من الحشرات على استعداد للمغامرة بالوصول إلى الأشجار حيث تعيش مستعمرات نمل كولوبوبسيس المتفجر خلال النهار، عندما يكون النمل المتفجر مستيقظاً.

وعلى الرغم من أن الباحثين اكتشفوا النمل ومادته اللزجة الصفراء منذ عقود، إلا أن لاسيني وزملاءها لم يفحصوا هذا النوع عن قرب بشكل كاف لإعطائه اسماً علمياً إلا في الآونة الأخيرة. وقد أفادوا بهذا الاسم لمجلة زووكيز في  19 أبريل 2018. وفي الواقع، فقد تم وصف نمل كولوبوبسيس المتفجر لأول مرة عام 1935.
ويعود ذلك جزئياً – برأي لا سيني- إلى أنه من المستحيل تقريباً التمييز بين الأنواع المختلفة من النمل المتفجر، حيث يمكن لأفراد نفس المستعمرة أن يظهروا مختلفين تماماً. وكان يُعتقد لزمن طويل أن أفراد مستعمرات النمل المتفجر هم نوع مستقل عن العمال الآخرين الأكبر حجماً. هذه القدرة على خلق طبقات اجتماعية مختلفة هي أحد الأسباب التي تجعل التضحية بالنفس تنجح عند الحشرات التي تعيش معاً في المستعمرات. يقول روبيل: “إن الحشرات مرنة تماماً في خطط جسمها”. وهذا يعني أن باستطاعة المستعمرة أن تستثمر في عدد قليل من الأفراد الذين يدمرون أنفسهم بطرق متخصصة للغاية.

وليس النمل وحده من يفعل ذلك. فالعمال الذين ينتمون إلى نوع من النمل الأبيض يدعى نيوكابريتيرميس تاراكوا، ويوجد في جوايانا الفرنسية، تنمو لهم “حقائب ظهر متفجرة” مع تقدمهم في السن، ويصبحون أفراداً أقل قيمة في مجتمعهم. وعندما يمزق هؤلاء أجسادهم، تتلامس بلورات زرقاء من الحقيبة فوق ظهورهم مع إفرازات من الغدد اللعابية. ووفقاً لروبيل، فمن خلال المزج بين المادتين الكيميائيتين لصنع شراب سام من نوع خاص، فإن الفعل النهائي للنمل الأبيض “هو بالفعل خطوة متقدمة من ناحية التطور”.

رفض المساعدة

اكتشف العلماء مؤخراً نوعاً مختلفًا تماماً من الإيثار في ساحة المعركة، وذلك عند نمل ماتابيلي في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. ويعرف هذا النمل بصيد النمل الأبيض، والذي يخوض معارك شرسة. وليس غريباً أن يفقد العمال أطرافهم أثناء الغارة، ولكن هذه الإصابات ليست دائماً مميتة، وذلك وفقاً لإريك فرانك، المتخصص في علم الأحياء التطوري من جامعة لوزان في سويسرا. ويتم نقل النمل الجريح إلى بيته بواسطة رفاقه، ويتم تطبيب إصاباته حتى يتماثل للشفاء. وقبل مرور فترة طويلة، يستطيع أن يركض بسرعة كبيرة مثل النمل الصحيح للإغارة من جديد، حتى مع فقدان بعض أرجله.

ومع ذلك، فقد أدرك فرانك أن هناك شيئاً ما وراء هذه القصة بعد يوم واحد من قيادة سيارته بالصدفة فوق رتل من النمل الغازي في منتزه كوموي الوطني في ساحل العاج. عندما أوقف السيارة وخرج لرؤية ما يفعله النمل، لاحظ فرانك شيئاً غريباً. يقول فرانك: “عند نقطة البداية كان رفاق النمل يتحرون عن كل النمل المصاب، لكنهم لم يكونوا يساعدون إلا أولئك الذين ما زال لديهم فرصة للبقاء”. وفي وقت لاحق، قدم فرانك نملاً بخمسة أرجل مبتورة إلى رفاقهم، ورأى أن هؤلاء العمال المصابين بجروح خطيرة نادراً ما كان يتم انتقاؤهم.

لكن الأمر لم يكن بسبب عدم المحاولة. فقد حاول النمل الصحيح المساعدة، لكن رفاقه الذين سقطوا رفضوا التعاون. وبدلاً من إراحة أرجله والاستلقاء بلا حراك، كان النمل المصاب يلوّح بعنف إلى أن استسلم عمال الإنقاذ. بعبارة أخرى، يؤدي هذا النمل نوعاً من الفرز الذاتي الذي يسمح للمساعدين بالتركيز على أفراد النمل الآخرين الذين يعانون من إصابات أقل إنهاكاً.

نملة من نوع ماتابيلي يتم حملها لتلقي العلاج.
حقوق الصورة: إريك فرانك

من غير المرجح أن يحاول أفراد النمل فعلاً التضحية بأنفسهم. يقول فرانك الذي وصف هذا السلوك في فبراير 2018 في مجلة محاضر الجمعية الملكية (ب): “هذا ليس قراراً واعياً من قبل النمل”.وعادة عندما يصاب أحد أفراد النمل، فإنه يحاول أن ينهض من جديد، ثم يطلب المساعدة من خلال إطلاق الفيرمونات والسماح لرفاقه بانتشاله. وعندما يلوّح النمل المصاب بجروح خطيرة بجسمه، فربما يحاول الوقوف والفشل مراراً وتكراراً. يقول فرانك: “إذا كان قادراً على الوقوف، فمن المرجح ألا يكون مصاباً بجروح بالغة بحيث أنه لا يزال مفيداً للمستعمرة”.
العمل الوقائي
في بعض الأحيان، تتخلى الحشرة عن حياتها لمساعدة رفاقها حتى عندما لا يكون هناك خطر وشيك. يحدث هذا كل ليلة في مستعمرات النمل البرازيلي من نوع فوريليوس بوسيلوس. عندما تغرب الشمس، يقفل النمل مدخل عشهم، تاركين واحداً إلى ثمانية من العمال في الخارج لإنهاء المهمة.

وقد كتب العلماء في مجلة أميريكان ناتشراليست بعد مشاهدة النمل الذاهب إلى قدره المحتوم الذي يغطي العش بالرمل حتى يتم إخفاؤه تماماً: “لم يكن النمل في الخارج ضحايا عرضيين، بل كانوا جزءاً من استراتيجية مقصودة لإغلاق المدخل”. مع مرور الليل، عصفت الريح بالنمل، أو هاجمته أنواع أخرى من النمل، أو رحل هائماً على وجهه. ومع حلول الصباح، لم يتم العثور على أي من هذ النمل على الإطلاق بالقرب من مدخل العش.

يقول روبيل إن التضحية بالنفس ربما أصبحت جزءاً روتيناً من الحياة في مستعمرات النمل من نوع فوريليوس بوسيلوس لأن هذا النمل معرض بشكل خاص للهجوم. ويبني هذه النمل عشه على التراب مع القليل من غطاء نباتي. والأكثر من ذلك، أنه يعيش في المناطق الاستوائية، والتي تزحف إليها جميع أنواع النمل. وعادة ما يكون ألد أعداء النمل هو النمل من نوع آخر، وهو ما يعني أن النمل من نوع فوريليوس بوسيلوس قد يضطر إلى اتخاذ خطوات شديدة للحفاظ على إخفاء المستعمرة.

وهذه ليست المرة الوحيدة التي يتم فيها مراقبة الحشرات وهي تضحي بنفسها لتجنب تهديدات مستقبلية. وقد وجد العلماء في اليابان أن الحشرة التي تحمل اسم نيبونافيس مونزيني تتصرف مباشرة عندما يتعرض بيتها للتهديد. وتعيش الحشرات معاً في انتفاخات موجودة على السطح الخارجي للأشجار تسمى العفصات. وعندما قام الباحثون بحفر ثقوب في هذه العفصات، بدأت الحشرات على الفور في إفراز سوائل لإصلاح التلف. وقد مرضت الحشرات التي كانت مسؤولة عن سد الثغرات، ومات بعضها.
قد يكون هذا بالفعل شيئاً جيداً بالنسبة للحشرات داخل العفصة. وذكر العلماء في مجلة محاضر الجمعية الملكية (ب ): “لقد تم دفن العديد من الحوريات في العفصة ’فداءً للحشرات‘”. ووفقاً لروبيل، فقد تكون هذه الجثث المدفونة قد جعلت مهمة الإصلاح أكثر نجاحاً.

لن يكون معظم الحشرات، بما في ذلك النوع الذي تتغذى عليه الدعسوقيات (نوع من الخنافس)، قادراً على استخدام هذه الخدعة. فهي – وفقاً لروبيل- حشرات منعزلة لا تشترك في قاعدة منزلية. وتعمل التضحية بالنفس على أفضل وجه عند الحشرات التي تعيش معاً في أعشاش أو عفصات معزولة عن العالم الخارجي. وفي المجتمعات الأقل عزلة، سيكون من السهل للغاية على المستغلين الذين لا علاقة لهم بالحشرة التي تضحي بنفسها أن يتحركوا ويقطفوا ثمرة تضحيتها. يقول روبيل: “أي نظام للإيثار هو عرضة للاستغلال”.

النفي

يمكن أن يكون للطفيليات والأمراض فرصة كبيرة للانتشار مع أعشاش الحشرات الكبيرة والمغلقة. لكن العلماء يشتبهون في أن النمل والنحل قد يكون لديهم طريقة لوقف الجراثيم من الانتشار الواسع. فعندما تصبح هذه الحشرات مريضة، تغادر المستعمرة وتبقى في المنفى في انتظار موتها.

في إحدى التجارب، قام روبيل وزملاؤه بإعطاء نحل العسل جرعة من ثاني أكسيد الكربون والهيدروكسي يوريا، وهو دواء يستخدم لعلاج فقر الدم المنجلي وبعض أنواع السرطان. يقول روبيل: “أردنا أن نجعل النحل يشعر بالمرض الشديد”. وقد هجر النحل الذي نجا من هذا العلاج الخلية، على الرغم من أن رفاقه لم يحاولوا طرده. ولاحظ علماء آخرون أن النمل الصخري يتوقف عن إقامة علاقات اجتماعية مع أفراد الخلية ويتجه نحو العزلة عندما يصاب بمرض ثاني أكسيد الكربون أو بعدوى جراثيم فطرية أو بأمراض غير معروفة.

ولا يعرف العلماء حقاً ما الذي يدفع هذه الحشرات إلى البدء في التصرف بطرق تؤدي حتماً إلى فنائها. إن كون الدماغ يتغلب على غرائز حفظ النفس عند الحشرة، وكيفية حدوث ذلك عندما تدخل في الحجر الصحي أو تمزق نفسها إلى أشلاء صغيرة هو لغز. ويتساءل روبيل: “هل هناك شيء خاص في هذا الأمر، أم أنه مجرد استمرار للسلوكيات الدفاعية الطبيعية؟”

ومع ذلك، فمن المحتمل أن يكون ذلك رهاناً آمناً في أن الحشرات التي تضحى بنفسها لا تنهي حياتها من أجل المصلحة العامة وهي مدركة لذلك. يقول روبيل: “لا أعتقد أننا يمكن أن نسمي النملة التي تضحي بنفسها نملة ’صالحة ‘”.

وتشبه مستعمرات الحشرات في بعض النواحي كائناً حياً واحداً بدلاً من الآلاف من الأفراد المنفصلين. يقول روبيل: “إن الخلايا المناعية في أجسادنا هي إلى حد ما ذاتية التضحية أيضاً”. وإذا خسرنا بعض الخلايا، فإن بقية الجسم لا تهتم بذلك. إن العمال الذين يموتون لضمان بقاء المستعمرة يمكن استبدالهم بسهولة أيضاً، لكن تضحيتهم ليست نكراناً للذات بشكل كامل.

ويرتبط أفراد مستعمرات الحشرات ارتباطاً وثيقاً جداً، وغالباً ما يتوقف العمال عن التكاثر. وإذا تمكنت الحشرة من الحفاظ على الملكة وبقية المستعمرة من الفناء بسبب الأعداء أو المرض عن طريق إنهاء حياتها، فهناك فرصة أفضل ليتم نقل بعض جيناتها عن طريق الأقارب.

يقول روبيل: “ليس الفرد هو المهم، وإلا لما كنا شاهدنا هذه السلوكيات القربانية”.

error: Content is protected !!