Image

أحياناً، لا تلتزم المتاحف العلمية بالعلم تماماً

Bread assortment متحف التاريخ الطبيعي
مصدر الصورة: إم كامبوس/ شاترستوك

تعتبر متاحف التاريخ الطبيعي أماكن سحرية حقاً. فهي تثير فينا الدهشة والعجب إزاء العالم الطبيعي، وتساعدنا على فهم مكاننا ضمن مملكة الحيوان. وخلف الكواليس، تلعب الكثير من هذه المتاحف دوراً علمياً هاماً في تغيير العالم بمجموعاتها من المقتنيات النادرة. غير أنها أماكن للعامة، وقام بتصميمها أشخاص عاديون مثلنا. قد ننظر إليها على أنها أماكن تقوم على المنطق والحقائق، ولكنها لا تشرح كل الحقائق، وذلك لعدم توفر المساحة الكافية. ولنفس السبب، ليس من الممكن عرض كل الحيوانات الموجودة. وهناك أسباب لاختيار ما يتم عرضه وما يتم وضعه في المستودعات.

يعتبر التحيز الذي يظهر في طريقة كلام الناس عن الحيوانات، خصوصاً في المتاحف، أحد المواضيع الرئيسية في كتابي الجديد: “مملكة الحيوانات: تاريخ طبيعي يتجسد في 100 من الكائنات” (Animal Kingdom: A Natural History in 100 Objects). تعتبر المتاحف نتاجاً لتاريخها الخاص، وتاريخ المجتمعات التي ظهرت فيها. إنها ليست حيادية تماماً من الناحية السياسية، وليست علمية كلياً. ولهذا، لا تمثل الواقع بشكل دقيق.

أين الحيوانات الصغيرة؟
تنحاز المتاحف بشكل واضح للغاية نحو الوحوش الكبيرة. وليس من الصعب أن نحزر السبب، فليس هناك من لا يشعر بالذهول أمام حوت أزرق بطول 25 متر. تتميز الحيوانات الضخمة، مثل الديناصورات والفيلة والنمور وحيوانات الفظ، بمنظر رائع وحضور مميز، ما يجعل من السهل على المتاحف أن تثير إعجاب الجمهور بحيوانات كهذه.

ولهذا، تملأ المتاحف ردهاتها بهذه الأنواع. غير أنها لا تمثل سوى جزء صغير من التنوع الأحيائي على الكوكب. وعلى سبيل المثال، تتفوق أنواع اللافقاريات في عددها على أنواع الفقاريات بأكثر من 20 ضعفاً في العالم الحقيقي، ولكن في المتاحف، قد لا تحتل أكثر من 10% من المعروضات.

معرض الكائنات الصغيرة في متحف جرانت للحيوانات في جامعة سيتي لندن، في محاولة لمنح مساحة للعرض للحيوانات الصغيرة.

أين الإناث؟
إذا تأملنا نسبة كل من الجنسين في صالات المتاحف، لوجدنا أن النسبة الطاغية هي للذكور. وقد قامت ريبيكا ماشين، وهي أمينة مركز الاستكشاف في متحف ليدز للتاريخ الطبيعي، بنشر دراسة حالة في 2008 لصالة عرض نموذجية للتاريخ الطبيعي، ووجدت أن نسبة الإناث كانت 29% في الثدييات، و34% في الطيور. ويمكن أن نعزو هذا، إلى درجة ما، إلى ميل الصيادين وهواة الجمع إلى الحيوانات ذات القرون الكبيرة والمتشعبة، أو الأنياب الطويلة، أو الريش المبهرج، لإمساكها واستعراض قدرتهم على التغلب عليها، وعادة ما تكون الذكور هي التي تحمل هذه الصفات. ولكن هل يمكن أن نبرر الانحياز في العرض؟ إنه خطأ في تمثيل الطبيعة. وجدت ماشين أيضاً أنه في حالة عرض الذكر والأنثى من نفس النوع معاً، فقد كانت الذكور عادة تُعرض في وضعية مهيمنة على الأنثى، أو ببساطة توضع على رف أعلى من الأنثى. وهو خطأ في تمثيل الحقائق البيولوجية.

يعتبر الأيل العملاق من العصر الجليدي من المعروضات الهامة في متاحف التاريخ الطبيعي، حيث يصل عرض قرونه المتشعبة إلى أربعة أمتار تقريباً.

 

إضافة إلى هذا، فقد درست ماشين أساليب الشرح عن هذه الحيوانات، بما فيها اللوحات التوضيحية التي أضيفت حديثاً، ووجدت بأن الأنثى توصف عادة بأنها أم، على حين أن الذكر يوصف عادة بأنه صياد، أو على الأقل كان يلعب دوراً آخر لا علاقة له بتربية الصغار. ولا بد هنا أن نتساءل عن الرسالة التي قد يتلقاها زوار المتاحف حول دور الأنثى.

أين الأشياء المقرفة؟
إذا تأملنا بمجموعات الحيوانات التي يحبها الناس، خصوصاً الثدييات، سنجد أن الحيوانات المحفوظة في الأواني الزجاجية تعرض بشكل أقل من الحيوانات المحنطة. لماذا؟ أعتقد أن أحد الأسباب هو أن الحفظ بالسوائل، على عكس التحنيط، يظهر بوضوح أن الحيوان ميت. ومن المحتمل أن المتاحف تحاول تجنب عرض الثدييات في الأواني – خلافاً لأساليب التخزين في المستودعات – لأن الزوار سيعتبرون هذا المنظر أسوأ وأكثر قسوة من أساليب العرض الأخرى.

لم أر الكثير من المعروضات التي أثارت ردود فعل سلبية لدى الزوار مثل جثة مشطورة لقط عادي، معروضة في متحف جرانت للحيوانات في جامعة سيتي لندن (أنظر الصورة أدناه)، وهو أمر مثير للاهتمام حقاً. فقد بدا أن الزوار أظهروا من التعاطف مع هذا القط أكثر مما فعلوا إزاء بقايا لكائنات أخرى نادرة ومهددة بالانقراض. إن العلاقة بين البشر والقطط قوية لدرجة أن الكثير يجدون رؤيتها محفوظة في متحف أمراً مزعجاً للغاية.

من المستحيل أن ترى شيئاً كهذا في معظم المتاحف، مخافة إثارة استياء الزوار.

 

هناك أسباب أخرى تدعو للاعتقاد بأن القيمين على المتحف يعدلون معروضاتهم لمراعاة حساسيات الزوار. وعلى سبيل المثال، يوجد عظم في العضو الذكري لدى أغلب الثدييات. وعلى الرغم من انتشار الهياكل العظمية لهذه الحيوانات في المتاحف بشكل واسع، فمن النادر للغاية أن ترى هيكلاً عظمياً ثُبّت عليه هذا العظم. من الأسباب المحتملة هو التحفظ الذي قد يبديه القيمون على المتاحف تجاه عرض هذا العظم، حيث يزيلونه قبل عرض الهيكل العظمي أمام العامة. يوجد احتمال آخر، وهو أنه من السهل فقدان هذا العظم أثناء تجريد الهيكل العظمي من اللحم والأعضاء.

تأثير المناطق
يوجد اختلال حقيقي في مسألة المناطق التي تأتي منها الحيوانات المعروضة في المتاحف. حيث أن تنظيم السفر والنقل قد يكون أصعب بالنسبة لبعض الأماكن من غيرها، إضافة إلى وجود بعض التأثيرات السياسية لزيادة الاطلاع والمعلومات حول منطقة معينة.

تكافئ معرفة التاريخ الطبيعي لبلد ما وجود معلومات وافية عن الموارد المحتملة التي يمكن استثمارها، سواء أكانت حيوانات أو نباتات أو مواداً أولية. وقد أصبحت عملية جمع العينات فعلاً من أفعال الاستيطان والاستعمار، وتعتبر ادعاء ملكية لهذه الموارد. ولهذا، تتأثر مجموعات العرض بشدة بالعلاقات الدبلوماسية بين البلدان. ففي المملكة المتحدة، من السهل أن نرى انحياز الإمبراطورية البريطانية السابقة في معروضات المتاحف الحالية، وهذا يسري على أي بلد ذي تاريخ مشابه. حيث أن مجموعات الكائنات الأسترالية في المتاحف البريطانية أكبر بكثير من مجموعات الكائنات الصينية، على سبيل المثال.

تعتبر المتاحف، عن حق، مراكز للعجائب وإثارة الفضول وحب المعرفة، وأيضاً للعلم والتعلم. ولكن إذا أمعنّا النظر، سنتمكن من اكتشاف وجود انحياز بشري في طريقة تمثيل الطبيعة. وعلى الرغم من أن أغلب هذه العيوب أمور صغيرة لا أثر لها، إلا أن بعضها قد يتسبب بضرر حقيقي.


يوجد في المتاحف البريطانية من حيوانات البلاتيبوس (خلد الماء) أكثر مما تتوقع.

آمل أن يبدأ الناس بالتفكير في القصص البشرية الكامنة خلف المعروضات عند زيارة هذه المتاحف. قد يطرحون سؤالاً حول سبب وجود كل هذه الأشياء هناك: ما الهدف من هذه العينة، أو هذا المعرض بشكل عام؟ إلام يرمي؟ على أي أساس تم تخصيص هذه المساحات لهذه المعروضات بالذات؟

error: Content is protected !!