Reading Time: 3 minutes

الوميض الأبيض والأزرق للنجوم، التوهج الأحمر الداكن لسُحب الهيدروجين؛ ألوان عديدة نراها بالعين المجردة في الكون، وهناك الكثير لا يمكننا رؤيته، مثل وميض أشعة جاما والأشعة السينية. وإجمالاً يمتلئ الكون بالألوان القديمة والجديدة، سواء المرئية وغير المرئية، لكن هناك لونٌ واحد، نشأ قبل كل الألوان الأخرى، وهو اللون الأول للكون.

بحر الظلام الدامس

يعتقد العلماء أن «الانفجار الكبير» الذي حدث منذ 13 أكثر من مليار عام، كان البداية الأولى لميلاد هذا الكون الكبير، الذي لم يكن سوى بحر من الظلام الدامس، وظل على صورته المظلمة لمئات الملايين من الأعوام بعد هذا الانفجار أيضاً، وهو ما يطلق عليه العلماء بالعمر المظلم للكون، ويعتقد العلماء أن الفضاء كان وقتها فارغاً تماماً، بلا مجرات ولا شموس ولا كواكب، ووحدها ذرات الهيدروجين الناتجة عن الانفجار الكبير، كانت تتطاير في هذا الظلام الدامس على شكل ضباب كثيف.

«الانفجار الكبير» جعل الكون عبارة عن جسيمات؛ بروتونات ونيوترونات وإلكترونات، وبدأت البروتونات والنيوترونات في الاندماج مع ذرات الهيدروجين المتأينة، ولحقهما فيما بعد الهليوم، ثم جذبت هذه الذرات المؤينة للهيدروجين والهيليوم الإلكترونات لتحولها إلى ذرات محايدة، مما سمح للضوء بالظهور لأول مرة، ولم يعد الكون معتماً، وعلى الرغم من ظهور الضوء، إلا أن الكون لا زال حتى هذه المرحلة بلا أي ألوان.

الكون يتوهج باللون البرتقالي

مصدر: بيكساباي

كان الكون يتوهج في جميع الأرجاء بحرارة 3 آلاف كلفن تقريباً، على جميع الأرجاء، مما سمح لضوئه أن يتوزع في أطوال موجية عرفت باسم «الجسم الأسود»، والجسم الأسود يستمد ألوانه من درجة حرارته، على عكس باقي الأجسام التي تستمد ألوانها من نوع المواد التي تشكلها، ولذلك توهج الكون بلون برتقالي ناصع يشبه بحسب عيوننا البشرية ضوء النار.

 لكن الضوء البرتقالي الناصع بدأ في التلاشي خلال مئات الملايين من السنوات، ولذلك مع استمرار الكون في التوسع والبرودة، وكان لظهور النجوم في الأفق علامة فارقة، وبداية العهد الجديد للضوء في الكون، بنورها البرّاق الأزرق والأبيض. 

الوصول إلى «اللاتيه» الكوني 

في محاولة لاكتشاف ألوان الكون العديدة، قاس العالمان «كارل جلازبروك» و«إيفان بالدري» بجامعة «جونز هوبكنز» الأميركية؛ الضوء المنبعث من 200 ألف مجرة مختلفة، وبعض تلك المجرات على بعد ملياري سنة ضوئية من الأرض، وعبر برنامج حاسوبي، في التجربة الأولى حصل العالمان على لون وردياً يميل إلى الأبيض، لكنهما بإعادة النظر إلى البيانات ظهرت بعض الأخطاء في الحسابات، حيث كان البرنامج الأول المستخدم على الكمبيوتر يعتمد في كل ألوانه على ظل أبيض غير نقي، وبمجرد أن يتم معايرة ذلك إلى ما تراه العين البشرية بالفعل، تصبح ألوان الكون أكثر كآبة، بالعكس مما أراده العالمان من رؤية واضحة للون الكون النقي، لذلك أعادوا التجربة في ظروف الإضاءة الأكثر طبيعية، وكانت النتيجة النهائية اللون «البيج»، وهو قريب إلى حد كبير من لون القهوة الممزوجة باللبن، ولذلك أطلق عليه العالمان «اللاتيه الكوني».

«اللون الكوني يزداد احمراراً مع مرور الوقت»؛ هذا ما خلصت إليه دراسة لفريق دولي من علماء الفلك، قالوا إن لون الكون في الأصل كان أزرق، على الرغم من لونه «البيج» الحالي، والسبب يرجع للنجوم الزرقاء الشابة بالمجرات البعيدة.

 لماذا نبحث عن لون الكون؟

مصدر: بيكساباي

استندت نتائج الدراسة السابقة إلى بيانات فريدة جمعت في أكثر من  100 ساعة من الملاحظة للمجرات باستخدام التلسكوب الكبير جداً، وشرحت عالمة الفلك «مارين فرانكس» من مرصد ليدن الهولندي وعضو فريق الدراسة الأمر قائلة: «إن اللون الأزرق للكون المبكر ناتج عن الضوء الأزرق السائد من النجوم الشابة في المجرات البعيدة، واللون الداكن الأكثر احمراراً للكون حالياً، فهو ناتج عن العدد الأكثر نسبياً من النجوم الأكبر سناً ذات اللون الأحمر، فقد كان الكون أكثر ضبابية فيما مضى، والآن، وبعد ما يقرب من 14 ألف مليون سنة، أصبح يميل إلى اللون البيج».

قد يكون تغيير اللون الكوني بمرور الوقت مثيراً للاهتمام في حد ذاته، لكنه أيضاً أداة أساسية لتحديد مدى سرعة تجميع النجوم، كما إنه يساعد في تحديد مدى تغير متوسط عمر النجوم، وبما أن الكون كان أكثر زرقة في الماضي مما هو عليه الآن، فقد استنتج العلماء أن الكون لا ينتج عدداً كبيراً من النجوم الزرقاء مثلما كان يفعل سابقاً، ويعود السبب في ذلك إلا تلاشي تلك النجوم بسرعة أكبر من النجوم الحمراء منخفضة الكتلة، ليصبح لون المجموعة المتوسط ​​أكثر احمراراً بمرور الوقت، كذلك يصير لون الكون ككل.