Image

أمطر أصدقائك بوابل من المعلومات حول الشهب.

Bread assortment شهب البرشاويات ومجرة درب التبانة في منظر مهيب فوق التلسكوب العملاق للمرصد الأوروبي الجنوبي.
مصدر الصورة: المرصد الأوروبي الجنوبي/ س. جيسارد

تشهد هذه الفترة سنوياً وابل شهب البرشاويَّات، وإذا كنت من هواة الفلك وصادف أن تكون الليلة صافية في الوقت المناسب، فلا شك في أنك رأيت هذا الاستعراض السماوي الجميل، وقد قررنا هنا في بوبيولار ساينس أن نجيب عن جميع الأسئلة التي قد تخطر في بالك حول هذه الظاهرة الفلكية؛ فلنبدأ.

ما الفرق بين وابل الشهب والوابل العادي؟

الوابل العادي شيء ينهمر من الأعلى دون تحديد؛ مثل الماء الذي تستخدمه لتنظيف جسمك في حمام منزلك، أما وابل الشهب فهو الظاهرة التي تحدث عندما تخترق أعداد كبيرة جداً من الكتل الصغيرة من بقايا المذنبات والكويكبات الغلاف الجوي للأرض؛ حيث إن تلك القطع الصغيرة والسريعة من الغبار والجليد والصخور ليست كُفئاً لفقاعة الهواء المحيطة بالأرض (أي الغلاف الجوي)، ومع اندفاعها نحو الأرض -التي لن تصل إليها أبداً- تحترق كل هذه الأشياء في لهيب رائع يرتسم في السماء على شكل خطوط متوهجة.

باختصار: وابل الشهب يكون عادةً أكثرَ إثارة للعجب والدهشة من هذا الكون -أكثر من أي وابل آخر- إذا تمكنت من البقاء مستيقظاً أكثر من العادة لرؤيته. (ملاحظة: يعد وابل المطر حالة خاصة بعض الشيء؛ فعلى الرغم من احتمال حدوثه في أي وقت، إلا أنه يشتهر بميله للظهور في نفس الوقت مع وابل الشهب من أجل إفساد متعتك، وإذا كان متوقعاً بالفعل في نفس ليلة وابل الشهب، فليس أمامك إلا أن تواجه الواقع، وتحاول الاستمتاع بوابل مياه عادي في الحمام).

لماذا تسمى هذه الشهب بالبرشاويات “Perseids“؟

إذا نظرت إلى السماء خلال هطول وابل البرشاويات، فسوف ترى تلك النقاط المضيئة المتحركة تبدو كأنها تنبع من كوكبة برشاوس “Perseus”، بالطبع لا تنبعث الشهب من الكوكبة نفسها، ولكن الكوكبة تبدو متراصفة مع نفس الموضع الذي تنبع منه هذه الشهب (والذي يسمى نقطة الأصل، إذا أردت أن تتحذلق على أصدقائك). ولطالما راقب الناس البرشاويات لآلاف السنين، وتصل السجلات المكتوبة حول هذا الحدث إلى عام 36 من الحقبة العامة.

إذن من أين تأتي هذه الشهب فعلياً؟

إن شهب البرشاويات هي عبارة عن البقايا الغبارية للمذنب 109 بي سويفت-تاتل؛ حيث يترك سويفت-تاتل خلفه قطعاً صغيرة من جسده وهو يختال عابراً النظام الشمسي، كأنما هو حيوان أليف يطرح وَبَره في كل مكان، خصوصاً عندما يقترب من الشمس وترتفع حرارة سطحه الجليدي الصلب ويتصعد متحولاً إلى غاز، ويمكنك أن تعرف الأماكن التي كان فيها ضمن المناطق الداخلية للنظام الشمسي، حيث يترك خلفه سحابة واضحة -ولكنها مؤلفة من الجليد والغبار بدلاً من القشرة والوبر- ويطرحها في وهج جميل يظهر خلف المذنب، ويسمى بالذؤابة، وهي التي تظهر مع اقتراب المذنب من الشمس، ثم بعد مرور نواة المذنب -التي تعتبر بمثابة قلبه الصلب- يبقى منه الغبار والجليد.

وقد سُمِّي سويفت-تاتل هكذا تيمناً بالفلكيَّين لويس سويفت وهوراس تاتل اللذَين اكتشفاه في 1862؛ حيث لاحظ الفلكيان المذنب بشكل مستقل، وهكذا تشاركا الاسم فيما بينهما. لكن المذنب كان يزور منطقتنا الكونية منذ زمن، وهو عبارة عن كتلة جليدية يأخذها مدارها إلى ما بعد نبتون، ثم تعود أدراجها نحو الشمس حتى يقترب مدارها من مدارنا، وتستغرق هذه الرحلة حول الشمس حوالي 133 سنة، وقد شوهد آخر مرة في ديسمبر 1992، وسيقترب ثانية في صيف 2126.

ويعتبر سويفت-تاتل من المذنبات الكبيرة، حيث يبلغ عرضه حوالي 25 كيلومتر، وحتى نقرِّب الصورة أكثر، فهذا يساوي تقريباً ضعف حجم الكويكب الذي قضى على الديناصورات، مما يُشعر الناس بشيء من الخوف حول احتمال أن يصطدم بالأرض، ولكن الباحثين بعد اقترابه في 1992 قاموا بحساب مداره لعدة آلاف من السنوات اللاحقة، واستنتجوا أننا لسنا معرضين لأي خطر اصطدام من هذا المذنب تحديداً؛ فلنتنفس الصعداء!

هل توجد كواكب أخرى تمر عبر أثره؟

يدور سويفت-تاتل حول الشمس بشكل شديد الميلان مقارنة بالكواكب الأخرى، كما يظهر في هذا الشكل التوضيحي. وهو ما زال متجهاً حالياً نحو المنطقة الخارجية من النظام الشمسي، على مسافة بعيدة تحت المستوي الإهليلجي، وهو المستوي الهندسي الذي تدور فيه جميع الكواكب حول الشمس؛ يقول جيم سكوتي (وهو فلكي في جامعة أريزونا): “إن مداره يميل على المستوي الإهليلجي بحوالي 113 درجة، ويقترب من مدار الأرض عند عبوره إلى أسفل المستوي”، وقد راقب سكوتي المذنب عند اقترابه في 1992، ويقول: “يعبر المذنب المستوي الإهليلجي أيضاً ما بين أورانوس وزحل نحو الأعلى عندما يتجه إلى الداخل”.

صحيح أننا الكوكب الوحيد الذي يمر عبر أثر الحطام الذي يتركه المذنب خلفه، ولكن قد تؤثر كواكب أخرى أكبر حجماً على هذا الأثر، خصوصاً المشتري الذي يشوش مسار المذنب (المزيد من التفاصيل في الأسفل).

وتتعرض بعض الكواكب الأخرى التي تحتوي على غلاف جوي إلى وابلات الشهب، بما فيها الزهرة والمريخ وعطارد، وقد أصيب المشتري بالكثير من ضربات النيازك والمذنبات الكبيرة، كما أن النيازك تُمطر حلقات زحل بالضربات أيضاً، ومن الصعب رصد وابلات الشهب على أورانوس ونبتون؛ وذلك بسبب المسافة الهائلة بينهما وبين التلسكوبات هنا على الأرض، ولكن الأدلة تشير إلى أن نبتون تعرَّض على الأقل إلى ضربة مذنب واحد، كما تقترح النماذج أن أورانوس ارتطم مع أجسام كوكبية أخرى في الماضي.

إذا كنا نمر عبر أثر الغبار سنوياً، فهذا يعني أننا نستهلك هذا الغبار، أليس هذا صحيحاً؟ إذن فكم بقي هناك من وابلات الشهب؟

بقي الكثير؛ لأن المذنب يعود مرة كل 133 سنة، وهناك تجديد بطيء ولكنه ثابت للمادة التي تشكِّل البرشاويات.

ما حجم هذه الأشياء التي تدخل الغلاف الجوي، وماذا يحدث عند دخولها؟

قال بيل كوك (وهو باحث في ناسا) لمجلة ساينتيفيك أميريكان في 2010 إن معظم الأجسام التي تبرق عبر السماء تتراوح في الحجم ما بين بضعة مليمترات وبضعة سنتيمترات، وهي تتحرك بسرعة تتجاوز 59 كيلومتراً في الثانية -أو 214000 كيلومتر في الساعة- في أثناء دخولها الغلاف الجوي. وبسرعة كهذه يصبح من المستحيل على الأجسام التي في حجم حبات الرمال أن تخترق حتى الطبقات العليا منخفضة الكثافة للغلاف الجوي؛ ولهذا تلتهب في منظر رائع في أثناء توجهها نحو الأرض، أما النيازك الأكبر حجماً -مثل نيزك تشيليابينسك (بعرض 88 متر) والذي انفجر فوق روسيا في 2013- فتتعرض لعملية أكثر تدميراً؛ حيث يدخل الهواء إلى قلب النيزك في أثناء اندفاعه، ويزداد الضغط إلى درجة الانفجار من الداخل. لكن من حسن الحظ أن معظم ما تراه في البرشاويات هي كرات نارية وديعة تضيء السماء دون أي ضرر.

هل تظهر الشهب بمنظر أكثر تميزاً في بعض السنوات؟

هل تذكر ما قلناه سابقاً عن تأثير المشتري؟ يتبع سويفت-تاتل عموماً نفس المسار حول الشمس، ولكنه يتعرض أحياناً لبعض الجذب (مع غباره أيضاً) من قِبل الكواكب الأكبر مثل المشتري، فيغيِّر ذلك من مساره بعض الشيء، كما تلعب الرياح الشمسية -وهي دفق مستمر من الجسيمات من الشمس- دوراً في تغيير موضع المذنب وغباره؛ حيث تدفع ببطء الأثرَ الذي يتركه النيزك خلفه وتجعله أكثر وضوحاً؛ يقول سكوتي: “إن الغبار الذي تركه المذنب في 1862 في الحضيض الشمسي (أقرب موضع إلى الشمس) سيكون أقربَ إلى المذنب من الحطام الذي تركه في العام 1479 تقريباً (أي منذ ثلاث دورات)، كما أن الغبار انتشر على مساحة واسعة، وبالتالي فقد يكون أقل كثافة مما كان عليه عندما انفصل عن المذنب”.

وإن الآثار التي تركها المذنب عند مروره في 1479 و1862 مزاحة قليلاً عن باقي الذيل، ولكن ما زال من الممكن تمييزها، وعندما تمر الأرض فيها فقد تكون النتيجة وابلاً قوياً (كما حدث في 2016)، أو زيادةً واضحة في مقدار النيازك التي يمكن رؤيتها في كل ساعة. ولم يحدث وابل قوي هذه السنة، ولكن ذروة الهطول كانت قوية؛ لأن القمر كان شبه محجوب في السماء، مما أدى إلى زيادة لمعان هذه الجواهر السماوية بفضل الظلام.

هل يوجد الكثير من مناطق الحطام هذه في الفضاء؟

أجل! ليست البرشاويات الوابل الوحيد الذي يشرفنا بزيارته؛ حيث إن شهب الجوزائيات -والتي ستظهر في ديسمبر- تشتهر بأنها أكثر تألقاً، ولكنها تظهر في طقس شديد البرودة، ويفضِّل فيه معظم الناس الاختباء في دفء منازلهم.

رائع! متى يمكن رؤية البرشاويات؟

ستبقى البرشاويات نشطة منذ 13 يوليو إلى 26 أغسطس لهذا العام، وقد وصلت إلى الذروة في 12 و 13 أغسطس الماضيين، وهي تبدأ في الظهور بعد منتصف الليل.

error: Content is protected !!