Reading Time: 10 minutes

حماية الحياة على الكواكب البعيدة تبدأ حيث يبدأ علماء الآثار باستكشاف الماضي القديم هنا على الأرض.

تصطف آثار مدينة بومبي الإيطالية بهدوء على جوانب أطرافها الشمالية، وتنتشر الأعشاب الطويلة ونباتات عبَّاد الشمس بين أرضيات بيوتها المُبلَّطة، وقد تلاشت اللوحات الجدارية التي كانت مُزيَّنة بمشاهد الأساطير الرومانية، ولم يبقَ عليها سوى بعض الخطوط الحمراء المرسومة على حجارة الطوب الرمادية والبُنِّية.

تآكلت آثارها بفعل عوامل الطقس عبر الزمن، ولكن قيمة آثارها، وعمليات التنقيب فيها كانت -إلى حدٍ ما- سبباً في الجَوْر الذي وقع عليها؛ فغالباً ما كان صائدو الكنوز الدفينة -في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر- يحفرون ويُنقِّبون في أرضها بحثاً عن التماثيل والذهب وغيرها من الكنوز، دون اكتراثٍ بالدمار الذي ألحقوه بها.

دمر سكان أحياء المدينة الجنوبية الأكثر ثراءً الطوابق العلوية للمنازل -التي نجت من الغمر برماد بركان فيزوف عام 79 م- بالمعاول ومعدات الحفر؛ بحثاً عن الكنوز أيضاً، مُخلِّفين أكواماً هائلةً من الأنقاض فوق الأجزاء التي لا تزال مدفونةً هناك؛ وقد أدَّى ذلك إلى تشكل تلال غير مُستقرةٍ من التربة الطينية، والطوب، وبقايا الفخار، وغيرها من القطع الأثرية المُهمَلة.

صيادو الكنوز

بالتوجّه أبعد شمال المدينة، سنجد منطقة ألقى فيها صيادو الكنوز السابقين مُخلَّفات الحفر على مر القرون، وانهار عام 2010 جزءٌ من الملعب الروماني المُسمَّى بيت المصارعين بسبب إهمال الحكومة؛ ما دفع مسؤولي منتزه بومبي الأثري إلى القيام بعمليات حفرٍ وترميم، وقد بدا المكان بوصفه موقع بناءٍ قيد التشييد مع انتشار الرافعات وعربات نقل الأنقاض وعمال البناء.

بدأت تلال الركام بالانتشار بسرعةٍ، مُهدِّدة بصعوبة الوصول إلى المناطق الأثرية؛ إذ انتشرت شائعات عن فساد القائمين على عمليات الترميم، وقد بدأت جهودٌ أخرى بمبادرةٍ من الاتحاد الأوروبي والحكومة الإيطالية، ضمن مبادرةٍ أكبر على مستوى العالم لدعم مدينة بومبي، وإصلاح الأضرار الناجمة عن عمليات الإصلاح السابقة، وبتمويلٍ بلغ 100 مليون يورو؛ أي أكثر من 110 مليون دولار أميركي، وستتضمن تلك الجهود أيضاً التنقيب عن أجزاءٍ جديدة من المدينة ما زالت مدفونة.

تُمثل خسارة إرث بومبي التاريخي خسارة لأحد أشهر آثار الإمبراطورية الرومانية المتبقية في وقتنا الحالي، وعلى الرغم من تعرُّض جزء من آثار المدينة للتَّهالك بفعل عوامل الطقس عبر الزمن؛ فإن جزءاً كبيراً من الواجهة الساحلية لا تزال تزخر بالآثار التي بقيت على حالها منذ ثورة بركان فيزوف، وغطَّاها الرماد البركاني الساخن بحوالي 6 أمتار فحافَظ عليها.

لا يزال الموقع؛ الذي تبلغ مساحته 163 فداناً، يستقبل 3 ملايين زائرٍ سنوياً حتى اليوم، ويأتي هؤلاء الناس لإلقاء نظرةٍ على آثار المدينة القديمة، وعلى البقايا المُتحجِّرة التي تعود لألفي شخصٍ وقعوا ضحايا الكارثة التي حدثت قديماً؛ أي قرابة خُمس سكان بومبي، بالإضافة إلى عددٍ من سكان بلدتي هيركولانيوم وستاباي القريبتين منها.

آثار المدينة المدفونة

لا يدرك هؤلاء الزوَّار؛ وهم يتناولون البيتزا ويلبسون القبعات الرومانية، أنهم يشهدون تاريخاً من عمليات الاستكشاف الأثرية. إن ما نراه في بومبي يختصر على الحقيقة تطوُّر علم الآثار كله؛ فقد حفر المُنقِّبون المدينة لأول مرة قبل حوالَى 300 سنة بحثاً عن التحف الثمينة، بأمرٍ من ملك صقلية تشارلز السابع الذي كان مهووساً بها.

بومبي, مدينة بومبي الايطالية

بومبي، مع برج فيزوف فوقها. مصدر الصورة: ويكيبيديا

كشفت الحفريات الأثرية الرئيسية التي بدأت عام 1748 عن مُدرَّج المدينة الضخم، وفي وقتٍ لاحق منذ ذلك التاريخ اكتُشِفَ نقش يحدد اسم المكان باسم بومبي، وبحلول ستينيات القرن التاسع عشر، اكتشف الباحثون العديد من القلاع، ومُؤخَّراً فتحت الحكومة – التي تشكلت حديثاً – شوارعها أمام العامة.

يستخدم جيل الباحثين الجُدد اليوم أدواتٍ حديثة للتنقيب، دون تدمير آثارها، ويقول بيير ماتيو بارون -مدرس علم الآثار في الجامعة الأميركية في روما-: «يمكن أن تُساعدنا التقنيات الحديثة التي لا تُسبِّب الأضرار في اختيار أماكن الحفر المناسِبة، والبحث عمَّا يمكن أن نجده هناك»، ويضيف أنه يُفضِّل استخدام أجهزة الاستشعار الرادارية المحمولة التي تستطيع اختراق الرماد البركاني قبل أن تشرع الفرق بالحفر وإزاحة الرماد.

اقرأ أيضاً: من 2000 سنة: اكتشاف متجر روماني للوجبات السريعة في إيطاليا

هذه التقنيات الحديثة، والطائرات المُسيّرة التي تُصوِّر مشاهد عالية الدقة للمنطقة، بالإضافة إلى النمذجة الثلاثية للأبعاد وتحليل البيانات المتقدم. إن هذه الأدوات جميعها تُوفِّر للباحثين صورة أكثر ثراءً ووضوحاً لتفاصيل الحياة التي وُجِدت وانتهت هناك يوماً ما. تشبه هذه التقنيات المستخدمة تلك التي ستُستخدم في الفضاء عندما تقوم وكالات الفضاء بالبحث في الكواكب الأخرى عن أماكن يُحتمل وجود الحياة فيها؛ مثل: كوكب المريخ، أو حتى قمر أوروبا الذي يدور حول كوكب المشتري، دون الإضرار بما هو موجود عليها بالفعل.

قمتُ بنزهة عبر فيا دي نولا خلال موسم التنقيب في أحد أيام 2018 الصيفية الحارة والجافة، وتساءلت عمَّا إذا كنا سنجد يوماً ما بقايا حضارةٍ متهالكةٍ على أحد أقمار كوكب المشتري المتجمدة كهذه الموجودة هنا أم لا، وعند الغروب، وبعد أن خفَّت حركة السياح، وألقى الباحثون معدّاتهم، تعمقت الظلال من حولي؛ إذ حجبت الجدران العالية المُتهالكة التي تحيط بالشارع التجاري القديم ضوء الشمس البرتقالي الآخذ في الخفوت، ولم يكن هذا المنظر عادياً منذ ألفي سنة مضت؛ لقد كانت معظم أبنية بومبي ترتفع ثلاثة أو أربعة طوابق، وتتراصف على جانبي الطريق الضيق، وتبدو ظلالها كأنها تُرحب بك، لكن لم يتبقَ من الطوابق العالية إلى يومنا هذا إلا القليل.

كنتُ أتجول باتجاه حي المعبد بوسط المدينة عندما بدأ الظلام يسود المكان، وسمعتُ أزيزاً خافتاً آتٍ من الأعلى، فنظرتُ باتجاه الصوت، ووجدتُ طائرة مُسيَّرة صغيرة تُحلّق فوق رأسي بحركةٍ متناسقةٍ بدقة، فأدركتُ على الفور أنها لم تكن لأحد السياح، بل كانت إحدى الأدوات التي يستخدمها علماء الآثار لالتقاط مشاهد للمدينة.

يبدأ الفيديو الذي تقوم الطائرة بالتقاطه على مستوًى منخفضٍ فوق فيا ستابيانا؛ وهو طريق رئيسي يؤدي إلى بوابةٍ خارج شمالي غرب بومبي، ثم تمر الطائرة بين المنازل؛ التي تقف متراصة على جانبي الطريق المرصوف بالحصى، وتتخلله العديد من الحانات، والمحلات التجارية، والمغاسل، والمخابز، وترتفع صخور ضخمة وسط الطريق، كان الناس يعبرون هذا الطريق عند امتلاء الشوارع بالأمطار، ثم يتوسَّع المشهد بعد بضع كتل كاشفاً عن شبكة معقدّة من الطرق.

مدينة بومبي الحضارية

أصبحت مدينة بومبي الأثرية القابعة تحت سفوح جبل فيزوف الخضراء الزاهية محط اهتمام الناس، وتبيَّن فجأة أن تصميم هذه المدينة الصغيرة كان معقداً ومتقدماً مثل أي مدينةٍ في هذا العالم المتطور. كان إريك بوهلر – عالم الآثار من جامعة ماساتشوستس في أمهرست -وزميله ستيفن إليس- من جامعة سينسيناتي- يعرضان لي المشاهد التي التقطتها الطائرة المسيرة، وقال بوهلر مُعلّقاً: «أحدثت هذه الطائرات ثورة في علم الآثار».

يشرح الرجلان كيف يقومان بتسيير هذه الطائرة الصغيرة -التي تنتجها شركة دي جي آي الصينية- التي تحمل كاميراتٍ عالية الدقة فوق المواقع الأثرية لالتقاط صورٍ ثلاثية الأبعاد، ويقول: «يمكننا إنتاج صورةٍ بحجم 4 جيجابايت وبدقةٍ تبلغ 1.3 سم/بكسل في رحلةٍ واحدة مُبرمَجة المسار تقوم بها الطائرة»، ويضيف واصفاً الصور الملتقطة: «يمكننا تكبير الصورة بدرجة تكفي لدراسة أصغر الشقوق في الأبنية».

يمكن لبوهلر وإليس استخدام الصور لتحديد أماكن الحَفر المناسبة بدقةٍ أعلى، فتوضع شريحة الصورة عالية الدقة أسفل الطبقات الأخرى التي تحوي التوصيف الأرشيفي الرقمي للمنطقة لتصحيح المواقع فيها، حتى تتوافق مع التوقيت الحقيقي تماماً. يقوم بوهلر – وهو يهمُّ بإخراج هاتفه – بفتح الصورة في برنامج آرك جي آي إس؛ وهو برنامج يشبه فوتوشوب إلى حدٍ ما لكنه متخصص بالبيانات الجغرافية،  ليتيح له إمكانية إنشاء شرائح جديدة فوق الصورة؛ إذ يمكن ملؤها بالبيانات الجديدة المُكتشفة أثناء التنقيب مثلاً، ويمكنه أيضاً رسم مربع على الشريحة الجديدة، وتسميته للدلالة على مطعمٍ للوجبات السريعة يُدعى تيربانا، وعندما يعثران عليه يمكنهما إضافة تفاصيل دقيقة أكثر على شرائح أخرى؛ مثل توصيف المادة التي صُنعت منها حجارة طوب المَبنى.

تقنيات البحث عن آثار مدينة بومبي المدفونة

يستخدم بوهلر وإليس تقنية المساحة التصويرية الفوتوجرامتري لإنشاء بيئةٍ ثلاثية الأبعاد للمواقع الأثرية، بواسطة برنامج تجاري يتيح إمكانية نمذجة الصور ثنائية الأبعاد المُلتقَطة، وقد قام فريقهما على مدار السنوات الماضية بتجميع آلاف الصور القديمة والحديثة لمساحاتٍ واسعة في فيا ستابيانا، وعمل نموذج افتراضي ثلاثي الأبعاد للموقع، يمكن التجول فيه، واستعراض أدق تفاصيله.

لا يمكن الاستفادة من الطائرات المُسيّرة الصغيرة إلا بالتصوير من الأعلى فقط؛ فأكثر من ربع مساحة المدينة القديمة لا يزال مدفوناً؛ لذلك يستخدم بوهلر وإليس وبارون – مدرس علم الآثار في الجامعة الأميركية في روما- تكنولوجيا السبر الرادارية القادرة على العبور في طبقات الأرض العليا؛ لسدِّ هذه الثغرة في عملية الاستكشاف.

مدينة بومبي الإيطالية

مدينة بومبي الإيطالية

تخترق الموجات الرادارية التي يصدها جهاز الرادار سطح الأرض، كما تفعل الموجات فوق الصوتية، ويحتوي الجهاز؛ الذي يُشبه جزَّازة العشب، على هوائياتٍ تقوم بإرسال موجاتٍ كهرومغناطيسية تخترق سطح الأرض، ثم ترتدُّ عن الهياكل الصلبة المدفونة التي تصادفها، ثم تُجمَع مرة أخرى، ومن ثم يقوم برنامج آخر بنمذجتها، وتكشف هذه الارتدادات عن كثافة المواد تحت الأرض، وتُظهر النماذج الناتجة عن هذه الارتدادات – على سبيل المثال – أسطح الأبنية، وقمم الأعمدة المدفونة تحت الرماد البركاني.

كان جهاز الرادار شائع الاستخدام لدى علماء الآثار لعقودٍ مضت؛ فمن خلاله كُشِف سابقاً عن بقايا لنحو 60 عموداً إضافياً مدفوناً في مدينة ستونهنج الأثرية في ويلتشاير، ورُفات الملك ريتشارد الثالث تحت جراج للسيارات في ليستر في المملكة المتحدة.

وقد أثبت الجهاز كفاءته مؤخراً في رسم الخرائط الجيولوجية؛ كتلك التي أُنتجت لمدينة بومبي، وقد وجدت الأبحاث التي أجراها بارون أن بالإمكان استخدام الجهاز في بومبي، رغم أنهم غير متأكدين من أن موجات الرادار قادرة على اختراق طبقات الرماد العميقة التي قد تعيق إشاراتها، وكان بارون سعيداً بهذا؛ فيقول: «لدينا موجات قادرة على سبر الأعماق في الأرض، والنفاذ بسرعة من خلال الرواسب البركانية».

ركَّز الفريق على بقعةٍ من الأرض لم تجرِ بها عمليات تنقيب حول أسوار المدينة الشمالية عندما بدأ إجراء المُسوح في المنطقة عام 2011، وعند تحليل بيانات المسوح الشاذة، اكتشفوا قمتين لجدارين يصطفان على طريق روماني، دُفِنت قمة كل منهما على عمق 7.1 أمتار في الرماد. لقد كانت النتائج واعدةً جداً، لدرجة أن الحماس قد أخذه وأراد أن يكون هدفه التالي مسح مدينة روما كلها بجهاز الرادار؛ لإنتاج خريطةٍ دقيقة للمكان كما كان يبدو قبل آلاف السنين دون أن يزيح حجر قرميد واحد.

الصورة الشائعة عن مدينة بومبي قديماً هي أنها مدينة شاطئية جميلة مزدهرة، يقضي فيها الجنود الرومان والبحَّارة عطلتهم، وبُنيت فيها الفيلات الصيفية الفاخرة المُزودة بشرفاتٍ تطل على البحر، لكن علماء الآثار الذين يحملون هذه الأدوات الجديدة، يقدمون لمحة عن حياة البروليتاريا التي تجاهلها أسلافهم من علماء الآثار.

أثرياء عاشوا في مدينة بومبي

نعرف أسماء بعض الأثرياء الذين عاشوا هنا؛ مثل: شيشرون، وزوجة نيرو الثانية، وبوبايا سابينا، لكننا لا نعلم الكثير عن الخادمات اللواتي أعددن حفلات العشاء لعِلية القوم، ولا نعرف الكثير أيضاً عن العبيد الذين كانوا يتنقلون في أزقة فيا دي نولا للقيام بأعمالهم؛ لذلك قد يكون باحث مثل بارون متحمساً لاكتشافه القليل من الأرصفة المرصوفة بالحجارة، كما كان نظراؤه من القرن الثامن عشر متحمسين لاكتشاف الفيلات المرصوفة بالرخام.

وضعت مسوح جهاز الرادار – كتلك التي أجراها بارون – حداً للتكهنات السابقة حول المدينة، بما فيها تاريخ أحد المعالم الأثرية الشهيرة وأكثرها زيارة؛ وهو مسرح كوردبورتيكس الذي يقع في حي فيا ستابيانا على الطرف الجنوبي من المدينة، وهو فُسحة واسعة جداً، تبلغ مساحتها نحو أربعة أفدنة، تحيط بها العديد من الأعمدة وعشرات الغرف الصغيرة.

كان الباحثون يعتقدون لسنواتٍ – استناداً للوحةٍ جدارية فيه تحمل رسوم أسلحة – أنها مقر للمصارعين، لكن التحليل الذي عرضه إليس وبوهلر بناءً على بيانات جهاز الرادار، قدَّم فكرةً أكثر إقناعاً؛ وهي أنه يوجد تحت سطح الأرض، في وسط الفُسحة، وبعمق نحو 0.46 متر، هيكلٌ دائري يوحي بأنها كانت بالأساس شرفة مُراقَبة مركزية كبيرة.

يشبه هذا التصميم بعض الأسواق المَحلية التي اكتُشِفت سابقاً في روما، وربما يشير هذا إلى أن تلك الفسحة القديمة كانت تمتلئ بباعة السمك والصلصات والنبيذ، أو ربما لم يكن مكاناً للترفيه عن الأثرياء، بل مكاناً لإطعام الناس.

كلما جمع الباحثون بياناتٍ أكثر، وحولوها لبياناتٍ رقمية يمكن تحليلها؛ زادت قدرتهم على رؤية تفاصيل الحياة اليومية التي كانت سائدةً حينها؛ فعلى سبيل المثال، تمكّن إليس من عدِّ 160 متجراً من متاجر تيربانا للوجبات السريعة وتصنيفها من خلال الخرائط التي أعدَّها مع بوهلر، ويُعدّ هذا مؤشراً على أن الشوارع كانت مكاناً نابضاً بالحياة في المدينة، والآن، وبفضل التحاليل الكيميائية، باتوا يعرفون ما كان يأكله الناس في هذه المطاعم، وقد أظهرت الحفريات في موقعين أن أحد المطاعم كان يقدم الطعام مع البهارات الفاخرة المستوردة، والكثير من أنواع السمك، وآخر يقدم الطعام الروماني الشهي؛ مثل: النقانق، والجبن. يقول إليس، وقد بدا متأثراً بعض الشيء: «الاتجاه السائد لعلم الآثار هو البحث عن كل ما هو غير عادي واستثنائي ومثير. إن ما نقوم به الآن البحث في التفاصيل العادية لحياة الناس التي كانت هنا».

منصة افتراضية للتجول في بومبي

تُعيد ليزا هيوز؛ أستاذة علم الكلاسيكيات (الثقافة الرومانية واليونانية بجامعة كالغاري)، تشكيل مَشاهد من حياة الناس اليومية التي كانت سائدة آنذاك، وتستكشف العلاقة بين النساء والأجانب والعبيد فيها، وقد استخدمت هي وفريقها منصة تصميم الألعاب الشهيرة يونيتي، بالإضافة إلى الصور الرقمية لبناء بيئةٍ افتراضية تحاكي واقع المسرحيات التي كانت تقام في فناء موقع (بيت كيوبيد الذهبي) وهو منزل لا يزال محافظاً على شكله وتفاصيله.

سيكون بإمكان مستخدمي المنصة المشي في الموقع، ومشاهدة أجواء المكان أثناء مشاهدة المسرحيات في عهد الإمبراطور الروماني نيرون. تشبه البيئة الافتراضية إلى حدٍ ما بيئة لعبة أساسنز كريد – بنسختها 8 بت – القديمة ذات التفاصيل الدقيقة جداً، كما يمكن للمتجول في المحاكاة الدخول إلى الحديقة حيث كان الرومان يستمتعون بوجبات الطعام في الهواء الطلق من مداخل تؤدي إليها من 4 جوانب، وبعد أن يجلس الضيوف على الأرائك في المحيط لتناول الطعام، يبدأ الممثلون تقديم مسرحيتهم أمام اللوحات الجدارية الدرامية التي تُظهر إله الخمر والمسرح باخوس.

يمكن للمتجولين في هذه البيئة الافتراضية -باستخدام فأرة الكمبيوتر – التجول في الحديقة المُحاطة بالأعمدة، والمرور بين الشجيرات المشذبة وهم في طريقهم النافورة المركزية. تشرح هيوز، وهي تستعرض المشهد، أن مشاهدة الناس في البيئة الافتراضية يساعدها على التكهن بكيفية نشوء الفنون الرومانية في الواقع، وتقول مستشهدة بما تمكنت من جمعه من الكتابات القديمة عن الأجواء في تلك الحقبة: «دعنا نتخيل مشهد فكرة تناول طعام الغداء في المسرح في القرن التاسع عشر، سيكون الجميع جالسين باسترخاء»، ويمكنها بواسطة نموذجها تَخيُّل تتابع الأحداث، والطرق والنقاط التي سلكها الناس، وكيفية تأثير الضوء المُتغير على وقت جلوسهم ومكانه.

الأهم من ذلك كله، هو أن هيوز قد أعادت إلى المشهد من جديد نقطة تحولٍ تاريخية في التاريخ الروماني؛ إذ سمح تغيُّر التقاليد والمعايير الاجتماعية بدخول المسرح إلى منازل وحياة النساء في ذلك الوقت. يمنحنا نموذجها الافتراضي لمحة عن قرب من داخل ذلك العالم، والتَّعرُّف على تفاصيل الحياة خلف المسرح.

يمكن أن تساعدنا تقنيات المسح الحديثة -التي نستخدمها لرسم صورةٍ عن الحضارات القديمة على الأرض- في رسم عوالم جديدة في الفضاء الخارجي خلال العقود القادمة. تقول ليزا برات ؛ رئيسة مكتب حماية الكواكب التابع لوكالة ناسا، والذي يضع المعايير الأساسية لصناعة المركبات والمسابير الفضائية: «لا يحق لأي شخص العبث بالمكان الذي نحاول فهمه واستكشافه»، وهي تشجع المهندسين على ابتكار أدوات تنقيبٍ غير مُدمِّرة؛ مثل: الرادار، والطائرات المُسيّرة، كي لا نترك أي أثرٍ غير مرغوبٍ فيه في أثناء بحثنا عن الحياة على الكواكب البعيدة، وتضيف قائلة: «هذه المعدات مُجهزة لدراسة الأرض، ولكننا نريد أن نعدّها ونجهزها لإرسالها إلى الفضاء في مهماتٍ نحو بيئات كوكبية أخرى»، أما عن المعدات التي يمكن استخدامها في الفضاء، فهي قيد التشغيل بالفعل، وعلى سبيل المثال، سيُحمَل جهاز الرادار المُسمَّى ريفماكس نحو المريخ في المهمة التي سترسلها ناسا إليه عام 2020، ولن تكون مهمته البحث عن الحضارات المفقودة هناك، بل عن آثار نظام بيئي كان موجوداً سابقاً.

تقول ريبيكا غنت؛ عالمة الجيولوجيا في جامعة تورنتو، والتي عملت في هذا المجال: «نريد البحث عن بيئاتٍ يُحتمل أن تكون صالحةً للسكن؛ إذ ربما وُجِدت هناك الحياة فيما مضى». سوف يستكشف المسبار منطقة يتكهن العلماء بأنها كانت دلتا نهرية مليئة بالمجاري المائية سريعة التدفق؛ الناتجة عن ذوبان الجليد السريع، وسيتم رصد طبقات الرواسب المتجمعة التي تشير إلى المخلفات التي تركتها وراءها مياه الفيضانات، أو المجاري المائية الموسمية الضخمة.

يشبه هذا المسبار جهاز الرادار الذي استخدمه فريق الجامعة الأميركية بقيادة بارون لاقتفاء أثر الطريق المدفون خارج أسوار بومبي، ويحتاج هذا الجهاز على المريخ تجربة مدى واسعٍ من الترددات لمسح التضاريس هناك، ونأمل أن يصل عُمق اختراق هذه الترددات 9 أمتار تحت السطح. تشير غنت إلى إمكانية برمجة خدعة حاسوبية تسمح بتعديل الإشارات التي يستخدمها مسبار ريفماكس، وبالتالي جمع أدلة عن ماضي المريخ. إن تخيل شكل الحياة في الماضي البعيد أفضل شيءٍ سيتعلمه الباحثون من خلال عملهم في بومبي، ومن ثم يمكنهم تطبيقه على أبحاث الفضاء.

إن الحواجز الزمنية تنهار عندما نتكهن بشكل الشوارع والحياة في مكانٍ ما منذ ألفي عام، ويمنحنا هذا رؤية وفهماً أفضل للماضي البعيد والمستقبل أيضاً، ونأمل أن يَتمكَّن أحفادنا يوماً ما من التجول في المدن المريخية النابضة بالحياة الهادئة التي أخذنا وقتاً طويلاً في دراستها قبل انتقالنا إليها.

لم يعد الاستكشاف لعبة زرع الأعلام وسرقة الكنوز المُستكشفة، إن الأمر يتعلق بالمحافظة على الإرث الذي نجده للبشر، أو لأصدقاء من عوالم أخرى لآلاف السنين القادمة.


نشرت القصة في العدد 15 من مجلة بوبيولار ساينس