Reading Time: 3 minutes

يُنتج العالم 250 مليار طن من ما يصل إلى 150 ألف مادة كيميائية مختلفة من صنع الإنسان سنوياً، وتجد هذه المواد الكيميائية طريقها إلى جسم الإنسان مع آثارٍ تُنذر بالخطر؛ تتراوح خطورتها بين أمراضٍ خفيفة إلى ما قد يصل إلى الموت؛ إذ وجدت إحدى الدراسات 420 مادة مسرطنة معروفة أو مشتبه بها في عينات من البشر الذين تعرضوا للملوثات البيئية، بينما وجدت دراسة أخرى لدم الحبل السري؛ المأخوذ من الأطفال حديثي الولادة، وجود 200 مادة كيميائية صناعية بشكلٍ وسطي في الدم؛ هذا يعني أننا نتعرض لعدد كبير من المواد الكيميائية التي يصنعها الإنسان قبل أن نولد.

للتلوث الكيميائي العديد من الآثار السلبية؛ بما في ذلك زيادة خطر الإصابة بالسرطان، واضطرابات الجهاز الهرموني والعصبي والتناسلي، وزيادة خطر الإجهاض والعيوب الخلقية، وفي محاولةٍ لفهم ذلك والحد منه بشكلٍ أكبر، حاول باحثون تحديد ما تفعله هذه الملوثات بالجسم في مختلف أعضائه.

إطارٌ جديدٌ لفهم تأثير ما نتعرّض له

طرح باحثون مراجعةً جديدة لأدلة موجودة مسبقاً؛ تقترح ثمانية أضرارٍ كبيرة لما نتعرّض له بيئياً، وترسم المسارات البيولوجية التي تساهم من خلالها الملوّثات في الأمراض التالية: الإجهاد التأكسدي والالتهاب، والتعديلات والطفرات الجينية، والتعديلات اللاجينية، وخلل الميتاكوندريا، واضطراب الغدد الصماء، وتغير الاتصال بين الخلايا، وتغير تركيب الميكروبيوم، وضعف وظائف الجهاز العصبي.

نُشرت الدراسة التي أجراها باحثون في كلية ميلمان للصحة العامة بجامعة كولومبيا الأميركية وجامعة لودفيج ماكسيميليان الألمانية وجامعة هاسيلت البلجيكية، في ورقةٍ بحثية ضمن دورية «سيل» العلمية.

يقول الباحث الرئيسي؛ «أندريا باكاريلي»: «نتعلم كل يوم المزيد حول كيفية تأثير التعرّض للملوّثات في الهواء والماء والتربة والغذاء على صحة الإنسان، ومع ذلك، فإن المسارات البيولوجية المحددة التي تلحق هذه المواد الكيميائية من خلالها أضراراً بأجسامنا ليست مفهومةً تماماً، لكننا نقدم في هذه الورقة إطاراً لفهم لماذا يتسبب خليط معقد من التعرّض للملوّثات البيئية في حدوث مرضٍ خطير؛ حتى عند التعرّض لتركيزاتٍ متواضعة نسبياً.”

نتعرض باستمرار لمزيج من الملوثات؛ مما يؤدي إلى تغيرات في أجسامنا في مجالات وأعضاء متعددة، من مرحلة الحمل حتى الشيخوخة؛ فهي تتحكم في التعبير الجيني، وتدريب وتشكيل أنظمتنا المناعية، وتحفز الاستجابات الفيزيولوجية، والحساسية تجاه العوامل المختلفة، وتحدّد احتمالات الصحة والمرض.

أضرار الانبعاثات الكيميائية

تلخص الورقة البحثية أدلةً لثمانية أضرار كبيرة للملوّثات البيئية، وهي:

  • الإجهاد التأكسدي والالتهاب؛ فعند استنفاد الدفاعات المضادة للأكسدة، يحدث الالتهاب، وتموت الخلايا وتتلف الأعضاء.
  •  التغيرات والطفرات الجينية؛ إذ يمكن أن يؤدي تراكم أخطاء الحمض النووي إلى الإصابة بالسرطان وأمراض مزمنة أخرى.
  • التغيرات اللاجينية؛ فالتغيرات اللاجينية تغيّر تركيب البروتينات المسؤولة عن النمو في فترة الطفولة وتنظيم الوظائف المحددة للجسم.
  •  الخلل الوظيفي في الميتاكوندريا؛ والميتاكوندريا هي عضيّة خلوية مزدوجة الغشاء، تتواجد لدى معظم الكائنات حقيقية النوى، وقد يتداخل انهيار ذلك المحرك الخلوي مع التطور البشري، ويساهم في الإصابة بأمراض مزمنة.
  • اضطراب الغدد الصماء؛ إذ تعمل المواد الكيميائية الموجودة في الهواء والغذاء والمنتجات الاستهلاكية على تعطل تنظيم الهرمونات، وتسهم في إحداث المرض.
  • اضطراب في الاتصال بين الخلايا؛ إذ تتأثر مستقبلات الإشارات والوسائل الأخرى التي تتواصل بها الخلايا مع بعضها البعض؛ بما في ذلك مشابك النقل العصبي.
  • تغييرات في تركيب الميكروبيوم؛ إذ يمكن أن يؤدي عدم توازن البكتيريا والكائنات الدقيقة الأخرى في أجسامنا إلى جعلنا أكثر عرضةً للحساسية والالتهابات.
  • ضعف في وظائف الجهاز العصبي؛ حيث تصل الجسيمات المجهرية الموجودة في تلوث الهواء إلى الدماغ من خلال العصب الشمي، ويمكن أن تتداخل مع وظائف الإدراك.

مشوار الألف ميل يبدأ بثمانِ خطوات

ليست كل حالات التعرض البيئي ضارة؛ إذ يؤكّد الباحثون دوماً على أن التعرض للطبيعة له آثار مفيدة على الصحة العقلية، مالم يتخلل هذا التعرض تلوثاً بيئياً من أي شكلٍ كان، وهذه الأضرار الثمانية ليست شاملةً بأي حال من الأحوال، ولا تعكس التعقيد الكامل للخصائص الكيميائية والفيزيائية للتعرضات البيئية، ولا تفحص بدقّة الفروق بين التعرّض على المدى القصير والطويل؛ فهناك حاجة إلى مزيد من البحث لفهم الآليات المعقدة التي يؤثر بها التعرض للملوّثات على بيولوجيا الإنسان، وكيف تتفاعل وتساهم في المرض، أو تمنح فوائد صحيةً على مدار الحياة بما يتجاوز علم الوراثة.

سيتيح التقدم في التقنيات الطبية الحيوية وعلوم البيانات للباحثين، تحديد التفاعل المعقد للملوّثات البيئية؛ وصولاً إلى مستوى الخلية الواحدة، كما ستساعد هذه المعرفة على تطوير طرق للوقاية من المرض وعلاجه مع ازدياد التحديات البيئية الخطيرة؛ مثل تلوث الهواء وتغير المناخ، والأهم من ذلك كله؛ يجب دعم ذلك بسياسات محلية ووطنية وحكومية قوية لضمان بيئات صحية أفضل.