Reading Time: 6 minutes

مقال من «ذا كونفيرسيشن»


لو سقطت شجرة في غابة دون أن يكون هناك أحد ليسمعها، فهل سيكون هناك صوت؟ ربما لا.. هكذا يقول البعض.

وماذا لو كان هناك أحد يسمعها؟ إذا كنت تظن أن الجواب واضحاً هو أنها ستصدر صوتاً، فربما عليك إعادة النظر في رأيك.

لقد وجدنا مفارقة جديدة في ميكانيكا الكم -وهي واحدة من النظريتين العلميتين الأساسيتين بجانب نظرية النسبية لأينشتاين- التي تلقي بظلال الشك على بعض الأفكار التي يُمليها الحس العام حول العالم المادي.

 ميكانيك الكم في مواجهة الحس العام

قم بإلقاء نظرة على العبارات الثلاثة التالية:

  1. عندما يرصد أحدهم حصول حدث ما، فمعنى ذلك بأن هذا الحدث قد حصل فعلاً.
  2. من الممكن اتخاذ خيارات حرّة، أو على الأقل، خيارات عشوائية بالمعنى الإحصائي للكلمة.
  3. إن خياراً يتم اتخاذه في مكان ما، لا يمكنه التأثير في نفس اللحظة تماماً على حدث بعيد. (يدعو الفيزيائيون ذلك «بالمحلية»).

إن كافة هذه العبارات هي أفكار بديهية يتم تصديقها على نطاق واسع، حتى من قبل الفيزيائيين. لكن بحثنا المنشور في دورية «نيتشر فيسكز» يبين بأنه لا يمكن للادعاءات الثلاث السابقة أن تكون صحيحةً معاً، وإلا فإن ميكانيك الكم ذاتها ستنهار في نقطة ما.

تعد النتيجة السابقة هي الأقوى ضمن سلسلة طويلة من الاكتشافات في ميكانيك الكم التي قلبت مفاهيمنا عن طبيعة الواقع رأساً على عقب. وكي نفهم الأهمية الفائقة لهذه النتيجة، لنقم بهذه الرحلة التاريخية.

المعركة حول طبيعة الواقع

تصف ميكانيكا الكم سلوك الأجسام الصغيرة، كالذرات أو جسيمات الضوء (الفوتونات) بشكلٍ رائع لكن ذلك السلوك هو.. غريب للغاية.

في العديد من الحالات لا تعطي النظرية الكمومية أجوبة محددة على بعض الأسئلة من قبيل «أين هو الجسيم الآن». وبدلاً من ذلك فهي تعطي احتمال إيجاد الجسيم في مكان محدد عندما نرصده.

بالنسبة لـ «نيلز بور» أحد مؤسسي النظرية منذ قرن، فإن السبب في ذلك لا يكمن في نقص المعلومات لدينا، بل بسبب أن خواصاً فيزيائية مثل «الموضع» ليست موجودة حتى يتم قياسها.

والأكثر من ذلك، وبسبب أن بعض خواص الجسيم لا يمكن قياسها معاً -كالموضع والسرعة- فذلك يعني بأن هذه الخواص لا يمكن أن تكون حقيقية معاً (في نفس اللحظة).

لقد وجد آينشتين نفسه أن هذه الفكرة لا تطاق. ففي ورقة كتبها بالاشتراك مع «بوريس بودولسكي» و«ناثان روزن»؛ حاجج بأنه لا بد للواقع أن يحتوي أشياء أكثر من التي تصفها ميكانيكا الكم.

كانت تلك الورقة تصف زوجاً من جسيمين بعيدين عن بعضهما وموجودان في حالة تدعى حالة «متشابكة»، وعند قياس نفس الخاصية (لنقل الموضع أو السرعة) لكلا الجسيمين المتشابكين؛ ستكون النتيجة عشوائية، لكن سيكون هناك ارتباط بين نتائج القياس للجسيمين.

على سبيل المثال، يمكن لأي راصد يقيس موضع الجسيم الأول أن يتنبأ بدقة تامة بنتيجة قياس موضع الجسيم البعيد دون أن يلمسه. وبالطبع كان يمكن للراصد أن يختار السرعة بدلاً من الموضع. وقد جادل الثلاثة بأنه يمكن إيجاد تفسير طبيعي لما سبق، وهو أن تكون خواص الجسيمين موجودة قبل القياس على عكس تأويل بور.

إلا أنّه عام 1964 بيّن الفيزيائي «جون بيل» -من أيرلندا الشمالية- بأن محاججة آينشتين تنهار إذا قمنا بسلسلة معقدة من القياسات المختلفة على الجسيمين.

لقد بيّن «بيل» أنه إذا اختار الراصدان بشكلٍ مستقل وعشوائي قياس إحدى الخاصيتين لجسيميهما كالموضع أو السرعة، عندها لا يمكن شرح النتائج الوسطية بأي نظرية تعتبر بأن الموضع والسرعة هي خواص محلية موجودة مسبقاً.

إن ذلك يبدو مذهلاً، وقد بينت التجارب الآن بشكلٍ حاسم صحة استنتاجات بيل. بالنسبة للعديد من الفيزيائيين فهذا دليل على أن بور كان محقاً: الخواص الفيزيائية لا توجد حتى يتم قياسها.

إلا أن ذلك يضعنا أمام تساؤل مفصلي: ما هو الأمر الخاص للغاية في عملية «القياس»؟

رصد الراصد

في عام 1961 قام عالم الفيزياء النظرية المجري-الأميركي «يوجين فيجنر» بتصميم تجربة ذهنية تبين الجوانب الغريبة للغاية لفكرة القياس.

لقد تخيل موقفاً يذهب فيه صديقه إلى مختبر معزول بإحكام، ويجري قياساً على جسيم كمومي، لنقل لموضعه.

لاحظ فيجنر بأنه لو طبقنا معادلات ميكانيكا الكم لوصف الموقف من وجهة نظره خارج المختبر؛ فستكون النتيجة مختلفة للغاية. فبدلاً من أن يجعل قياس الصديق موضع الجسيم حقيقياً؛ نجد أنه من وجهة نظر فيجنر سيصبح الصديق متشابكاً مع الجسيم ومبتلياً بنفس عدم اليقين الذي يحيط به.

إن ذلك مشابه لقطة شرودنجر الشهيرة، وهي تجربة ذهنية يصبح فيها مصير قطة في صندوق متشابهاً مع حدث كمومي عشوائي.

لقد رأى فيجنر أن هذا استنتاج سخيف. وبدلاً من ذلك اقترح أنّه بمجرد أن يصبح وعي الراصد منخرطاً في العملية، فإن التشابك سينهار ليجعل نتيجة قياس الصديق محددة.

لكن.. ماذا لو كان فيجنر مخطئاً؟

تجربتنا

في بحثنا قمنا ببناء نسخة موسعة من تجربة صديق فيجنر تم اقتراحها لأول مرة من قبل «كاسلاف بروكنر» من جامعة فيينا. في هذا السيناريو يوجد فيزيائيان -لندعوهما أليس وبوب- كل منهما لديه صديقه الخاص (تشارلي، وديبي) في مختبرين بعيدين عن بعضهما.

يضاف إلى ذلك أمر آخر: إن تشارلي وديبي يقيسان الآن زوجاً من الجسيمات المتشابكة كما في تجربة بيل.

وكما في محاججة فيجنر، فإن معادلات ميكانيكا الكم تخبرنا بأن تشارلي وديبي يصبحان متشابكين مع الجسيمين الذين يقيسانهما. لكن وبما أن الجسيمين كانا متشابكين أصلاً مع بعضهما، لذا يجب أن يتشابك تشارلي وديبي -من الناحية النظرية.

لكن ما عواقب ذلك تجريبياً؟

تسير تجربتنا على النحو الآتي: يدخل الصديقان مختبراتهما ويقيسان جسيميهما. لاحقاً، يرمي كل من أليس وبوب قطعة نقود. فإذا كانت النتيجة صورة، يفتحان الباب ويسألان الصديق عما رآه. أما إذا كانت النتيجة كتابة فيقومان بقياس مختلف.

يعطي القياس المختلف الذي ستقوم به أليس نتيجة إيجابيةً دائماً إذا كان تشارلي متشابكاً مع جسيمه المرصود بالطريقة التي حسبها فيجنر. والكلام نفسه ينطبق على بوب وديبي.

ومع ذلك، وفي أي تحقق لهذا القياس؛ فإن أيّ سجل لنتيجة قياسات الصديق داخل المختبر سيكون محجوباً عن العالم الخارجي. ولن يتذكر تشارلي أو ديبي رؤيتهما لأيّ شيء داخل المختبر، وكأنهما استيقظا تواً من حالة تخدير عام.

لكن هل حصل ذلك فعلاً حتى لو لم يتذكرانه؟

إذا كانت الأفكار الثلاثة البديهية التي ذكرناها في بداية المقال صحيحة، عندها سيكون كل صديق قد رأى نتيجة وحيدة وحقيقية للقياس الذي أجراه داخل المختبر بشكلٍ مستقل، عن قرار أليس أو بوب بفتح الباب لاحقاً من عدمه. أضف إلى ذلك أن ما سيراه كل من أليس وتشارلي لا يجب أن يعتمد على نتيجة رمي قطعة النقود البعيدة التي قام بها بوب، والعكس بالعكس.

لقد بيّنا أنّه إذا كانت هذه هي الحالة فعلاً؛ يجيب أن تكون هناك حدود للارتباطات التي يمكن لأليس وبوب توقع ظهورها بين نتائجهما، كما بيّنا أيضاً أن ميكانيكا الكم تتنبأ برؤية أليس وبوب لارتباطاتٍ تتجاوز تلك الحدود.

ميكانيكا الكم, كمومية, فيزياء الكم, جسيمات, فيزياء الجسيمات

المعدّات التجريبية لاختبارنا للمفارقة بواسطة جسيمات الضوء. تم التقاطها من قبل كوك-وي بونغ

كانت خطوتنا التالية هي إجراء تجربةٍ لتأكيد تنبؤات ميكانيكا الكم، باستخدام أزواجٍ من الفوتونات المتشابكة. تم لعب دور قياس كل صديق من خلال أحد المسارين اللذين يمكن أن يسلكهما كل فوتون في الإعداد، اعتماداً على خاصية الفوتون المسماة «الاستقطاب». أي أن المسار «يقيس» الاستقطاب.

إن تجربتنا تعد مجرد برهان على المبدأ، لأن «الصديقين» صغيران وبسيطان للغاية. لكنها تفتح المجال لسؤال حول ما إذا كانت النتائج نفسها ستصمد مع وجود مراقبين أكثر تعقيداً أم لا.

قد لا نستطيع إجراء هذه التجربة على بشرٍ حقيقين. إلا أننا نحاجج بأنه قد يكون من الممكن أن نحصل يوماً ما على إيضاح حاسم حول ما إذا كان «الصديق» عبارة عن ذكاء صناعي بمستوى البشر يتم تشغيله على حاسوب كمومي عملاق.

ما الذي يعنيه كل ذلك؟

على الرغم من أنّ إجراء اختبار حاسم قد يستغرق عقوداً من الزمن، إلا أنه إذا استمرت تنبؤات ميكانيكا الكم بالتحقق؛ فسيكون لذلك عواقب هائلة على فهمنا للواقع -عواقب حتى أكبر من العواقب التي أتت بها مبرهنة بيل. فأولاً لا يمكن شرح الارتباطات التي اكتشفناها بمجرد القول فقط بأنّ الخواص الفيزيائية غير موجودة حتى يتم قياسها.

الآن أصبحت الطبيعة المطلقة لنتائج القياس بحد ذاتها مدعاةً للتساؤل.

إنّ نتائجنا تضع الفيزيائيين في مواجهة لا مفر منها مع مشكلة القياس ووجهاً لوجه: إمّا أنّ نتائج تجربتنا لا تصح على المقاييس الكبيرة، وفي هذه الحالة يجب أن يستبدل ميكانيكا الكم بما يدعى «نظرية الانهيار الموضوعي»، أو أنه علينا أن نتخلى عن واحدةٍ على الأقل من الافتراضات البديهية الثلاثة التي ذكرناها في البداية.

هناك نظريات، كنظرية «دو بروي-بوم» تفترض «تأثيراً عن بعد»، حيث يمكن للأحداث فيها أن تؤثر لحظياً على أماكن أخرى في الكون. إلا أن ذلك يتعارض بشكلٍ مباشر مع النظرية النسبية لآينشتين.

يبحث البعض عن نظرية تتخلى عن حرية الاختيار، إلا أن ذلك يفرض عليهم القبول بأحد أمرين، إما سببية رجعية ([المترجم]: الحاضر يؤثر في الماضي)، أو نوعاً من القدرية التآمرية التي تدعى «الحتمية الخارقة».

وقد تتمثل طريقة أخرى لحل المشكلة بجعل نظرية آينشتين أكثر نسبية مما هي عليه. فبالنسبة لآينشتين، قد يختلف الراصدون على مكان وقوع الحدث وعلى زمن حدوثه، إلا أن كليهما يتفقان على ما الذي حصل فعلاً، فالحدث بحد ذاته هو أمر مطلق.

على أية حال، وفقاً لبعض تفسيرات ميكانيكا الكم، كـ «ميكانيك الكم العلائقي» أو «الكيوبزم» أو «تفسير العوالم المتعددة»، فإن الأحداث ذاتها تحصل بالنسبة لبعض الراصدين فقط. فسقوط شجرة بالنسبة لراصد ما قد لا يكون حقيقةً بالنسبة لبقية الراصدين.

لا يعني كل ما سبق طبعاً بأنه يمكن لك اختيار واقعك بنفسك. فما يمكنك فعله حقاً هو اختيار أنواع الأسئلة التي تسألها، ولكن الواقع بحد ذاته هو من يزودك بالإجابات عليها. وحتى في عالم علاقاتي، فعندما يتواصل راصدان، يتشابك واقعاهما. وبتلك الطريقة يمكن بروز واقع مشترك لديهما.

مما يعني أنه لو شاهد كلانا سقوط شجرة ما، وقلت لي بأنه لا يمكنك سماع صوت سقوطها، فقد يكون كل ما تحتاج إليه هو سماعة طبية.