Reading Time: 4 minutes

قد تكون سمعت من قبل أن أمعاء وبشرة البشر هي مواطن لمجموعة من الميكروبات (الفطريّات، البكتيريا والفيروسات) الضرورية للحفاظ على الصحّة، لكن هل تعلم أن عيونك تحتوي أيضاً على مجموعة فريدة من الميكروبات؟ عادةً ما يطلق على الميكروبات مجتمعةً اسم «الميكروبيوم»، وعندما تكون الميكروبات في حالة غير متوازنة (أي يوجد من نوع منها عدد أكبر بكثير مقارنةً بالأنواع الأخرى) فيمكن أن يتسبب ذلك بالأمراض العينيّة.

مع قدوم دراسة جديدة؛ تبيّن أن البكتيريا تعيش على سطح العين وتحفّز المناعة الوقائيّة؛ يبدأ العلماء حالياً باكتشاف العوامل الميكروبيّة التي يمكن استغلالها لتطوير علاجات مبتكرة للعديد من الاضطرابات العينيّة؛ مثل مرض جفاف العين ومتلازمة شوجرن وتندّب القرنية، وقد يصبح من الممكن يوماً ما تعديل البكتيريا وراثياً بهدف علاج الأمراض العينية عند البشر.

أنا اختصاصيّ في علم المناعة، أدرس الآلية التي تقي العيون نفسها من العدوى. أصبحت مهتماً بهذا المجال لأن البشر لا يمتلكون سوى عينين، كما أن فهم الطريقة التي تؤثّر فيها البكتيريا بالمناعة يمكن أن تُغني عمّا يصل إلى مليون زيارة إلى الطبيب بسبب أمراض العيون، ويمكن أن توفّر 174 مليون دولاراً سنوياً في الولايات المتّحدة وحدها.

ميكروبيوم العيون

عند الحديث عن الميكروبيوم؛ فإن معظم العلماء يفكّرون عادةً بالأمعاء لسبب وجيه؛ إذ يعتقد الباحثون أن القولون يمكن أن يأوي أكثر من 10 تريليون من البكتيريا. مع ذلك، يركّز العلماء الآن بشكلٍ متزايد على تأثير الميكروبيوم في مواضع أخرى من الجسم؛ مثل البشرة، والمناطق التي لا تحتوي على الكثير من البكتيريا؛ مثل الرئتين، مهبل الأنثى والعيون.

على مر العقد الأخير، دار الكثير من الجدل حول دور الميكروبيوم في صحّة البصر. اعتقد العلماء أن العيون السليمة لا تحتوي على ميكروبيوم منظّم، وبيّنت الدراسات أن البكتيريا الموجودة في الهواء وعلى اليدين، أو على حواف الجفون، قد تكون موجودة أيضاً على سطح العين، مع ذلك، اعتقد العديد من العلماء أن هذه البكتيريا تُقتل أو تُجرف بعيداً بسبب تدفّق الدَّمع المستمر.

استنتج العلماء مؤخراً أن العيون تحتوي بالفعل على ميكروبيوم «أساسي» يبدو أنه تركيبه يتوقّف على العمر والمنطقة الجغرافية والعِرق، واستعمال العدسات اللاصقة من عدمه، والحالة الصحية للعيون. تشمل الأنواع الأساسية 4 أجناس من البكتيريا فقط: المكوّرات العنقودية، الخُناقات (وهي عصيّات هوائيّة غير مُبوّغة إيجابية الغرام)، البروبيونيّات والعقديّات. بالإضافة إلى هذه البكتيريا، تُعتبر سلالات فيروس «الطوق النّحيل» (وهي فيروسات منقولة عبر الدم) المرتبطة ببعض أمراض باطن العين من أعضاء الميكروبيوم الأساسي؛ إذ أنها توجد على سطح العيون عند 65% من الأشخاص الذين يتمتّعون بصحة جيدة.

وجود ميكروبيوم أساسي يشير إلى أن الأطباء يجب عليهم التفكير بعمق أكثر بالمخاطر والفوائد المتعلّقة بالميكروبيوم عند وصف المضادّات الحيويّة؛ إذ أن هذه الأخيرة يمكن أن تقتل البكتيريا التي لها فوائد للعين.

في دراسة حديثة؛ دامت لأكثر من عقد من الزمن، وشملت أكثر من 340 ألف مريض في الولايات المتحدة، وجد الباحثون أن المضادات الحيوية استُخدمت لعلاج 60% من الحالات الحادّة لمرض التهاب الملتحمة (العين الوردية)، لكن العدوات الفيروسية هي الأسباب الأساسية لهذا المرض، وهي ليست قابلة للعلاج باستخدام المضادات الحيوية، وما يثير الصدمة أكثر أنه حتّى الحالات المرضيّة التي تنتج عن البكتيريا، تختفي عادةً خلال 7 – 10 أيام دون أي تدخل طبّي. من المعروف أن الاستخدام المفرط أو غير المناسب للمضادات الحيوية يمكن أن يتسبب في اضطرابات في الميكروبيوم؛ مما قد يتسبب بدوره في العدوات، أو أمراض المناعة الذاتيّة وحتّى السرطان.

اكتشاف ميكروب عينيّ

خلال العقد الأخير، ازداد عدد الدراسات العلمية التي أُجريت على ميكروبيوم وأمراض العيون بشكل هائل، ونتج عن هذه الدراسات كميّات كبيرة من المعلومات، لكن معظم هذه المعلومات ارتباطيّة إحصائيّة؛ أي أن أنواعاً محددةً من البكتيريا رُبطت ببعض الأمراض؛ مثل متلازمة شوجرن أو التهاب القرنية البكتيريّ. مع ذلك، ليس معروفاً بعد ما إذا كانت هذه البكتيريا تتسبب في الأمراض بشكلٍ مباشر أم لا.

خلال الفترة التي عملت فيها في معهد العيون الوطني، استخدمتُ الفئران لاكتشاف ما إذا كانت البكتيريا التي توجد على سطح العين قادرةً على تحفيز استجابة مناعية تهدف لحماية العين من العوامل المُمرضة التي تتسبب في العمى؛ مثل بكتيريا الزّائفة الزِّنجاريّة.

بكتيريا

بكتيريا سي ماست (بالأخضر) التي تعيش على سطح عيون الفئران. الصورة: توني ساينت ليجير

في 2016؛ افترضتُ أنا وخبيرة علم المناعة «ريتشل كاسبي» من معهد العيون الوطني، أن البكتيريا الوقائية تعيش بالقرب من العيون أو على أسطحها، وبالفعل، وجدنا نوعاً مستوطناً من البكتيريا يدعى «كوريني باكتيريوم ماستيدايدس» (سي، ماست اختصاراً) يحفّز الخلايا المناعية على تركيب وإفراز عوامل مضادة للبكتيريا تقتل الميكروبات الضارة في الدمع.

من خلال سلسلة من التجارب؛ تمكّن الباحثون في مختبر كاسبي من إثبات علاقة سببية بين بكتيريا «سي ماست» والاستجابة المناعية الوقائية لأول مرّة. في كل الحالات التي وجدت فيها هذه البكتيريا على سطح العين، كانت الفئران أكثر مقاومةً في وجه نوعين من البكتيريا يتسببان في العمى: فطريات المهبل، والزّائفة الزّنجاريّة.

الآن، وفي مختبري الخاص، نحن نحاول استغلال العلاقة بين بكتيريا سي ماست والمناعة البصرية، بهدف تطوير علاجات حديثة للوقاية من العدوات، وربما استهداف أمراض أكثر انتشاراً؛ مثل جفاف العين.

تعديل الميكروبات لتحسين صحة العين

العمى, الرؤية, الإبصار, تقنية كريسبر, التعديل الجيني, بيولوجي, عين

الخطوة الأولى باتجاه تطوير العلاجات سابقة الذكر هي فهم الطريقة التي تستعمر فيها البكتيريا العين، ولتحقيق ذلك، يتعاون الباحثون في مختبري الخاص مع مختبر «كامپبيل» في جامعة بيتسبيرج؛ والذي يحتوي على إحدى أشمل مجموعات بكتيريا العيون البشرية في الولايات المتّحدة. باستخدام الطرق التجريبية المميزة خاصتنا؛ والتي تشمل الفئران وآليات التحليل الوراثي المتطورة؛ يمكننا استخدام هذه المكتبة الميكروبية لاكتشاف العوامل المحددة التي تتطلبها الميكروبات لاستعمار سطح العين.

بعد ذلك، سنبدأ مع أطباء العيون وأخصائيي فحص البصر من مركز العيون التابع للمركز الطبي في جامعة بيتسبيرج في تحليل المؤشرات المناعية داخل عيون الأشخاص الأصحّاء والمرضى، ونأمل أنه عند هذه المرحلة، سنكون قادرين على استخدام هذه التقنيات كأدوات تشخيصيّة تستهدف الميكروبات التي تتسبب في الأمراض؛ بدلاً من علاج العدوات مباشرةً بطيف واسع من المضادات الحيوية التي تقتل الميكروبات المفيدة أيضاً.

أخيراً، إحدى أهدافنا الأكثر أهميةً هي التعديل الوراثي للبكتيريا التي تستعمر العين بطريقة تجعلها تتصرف كمركبات توصيل طويلة الأمد على سطح العين. في الأمعاء، ثبت أن البكتيريا المعدّلة وراثيّاً تخفف حدّة أمراض مثل التهاب القولون.

نأمل أن هذه العلاجات «البروبيوتيكيّة» الجديدة ستساعد في تحفيز عوامل ضبط المناعة؛ والتي ستحدّ من الأعراض المرتبطة بحالات مثل مرض جفاف العين؛ الذي يصيب حوالي 4 ملايين شخص في الولايات المتّحدة سنوياً.

في مجال البحث قيد التطوير هذا، هناك الكثير من الأمور التي يجب اكتشافها قبل أن يستطيع الأطباء التلاعب بميكروبيوم العين بهدف مكافحة الأمراض، لكن يوماً ما؛ بدلاً من استخدام القطرات العينية، ستتمكن من استخدام محلول يحتوي على بعض أنواع البكتيريا التي ستستعمر عينيك وتُفرز المواد المُليّنة والعوامل الأخرى التي يفتقدها جسمك. ابق متابعاً لأخبار هذا المجال.

الوسوم: العين