Reading Time: 3 minutes

خلال دراسة أُجريت على الخفافيش مصاصة الدماء؛ المأسورة في معهد سميثسونيان للبحوث الاستوائية في بنما، تم تبنّي خفاش صغير مصاص دماء من قبل أنثى من غير الأقارب بعد وفاة والدته، وعلى الرغم من أن هذه الملاحظة لم تكن أول تقرير عن تبنّي الخفافيش مصاصة الدماء، إلا أنه لأول مرة تتم مراقبة تبني أنثى خفاش مصاص الدماء لأكثر من 100 يوم عبر كاميرا المراقبة، وتكشف هذه اللقطات تفاصيل حميمة حول العلاقات الاجتماعية المتغيرة بين الأم وصغيرها والأم بالتبني طوال فترة وجودهم في الأسر.

مرحلة التعارف

لمعرفة المزيد حول كيفية تكوين الخفافيش مصاصة الدماء للروابط الاجتماعية؛ التقط الباحثون في مختبر خفافيش مصاصة الدماء من ثلاثة مواقع عبر بنما. كانت جميع هذه المواقع بعيدة جداً عن بعضها؛ بحيث لا تكون الخفافيش التقت من قبل. نُقلت الخفافيش بعد ذلك إلى منزلها الجديد؛ وهو قفص مغطى بنسيج شبكي أسود، مزود بثلاث كاميرات مراقبة تعمل بالأشعة تحت الحمراء؛ سجل كل منها حوالي ست ساعات من اللقطات كل يوم لمدة أربعة أشهر.

بناءً على اللقطات، بدأت الخفافيش التي كانت غريبة في البداية في تكوين روابط اجتماعية جديدة؛ والتي يمكن تحديدها بشكل أفضل من خلال تفاعلات الرعاية ومشاركة الطعام؛ إذ أن رعاية أفراد آخرين أمر شائع إلى حد ما، في حين أن مشاركة الطعام أقل شيوعاً؛ خاصة بين الغرباء؛ إذ يجب أن تأكل الخفافيش مصاصة الدماء كثيراً لتعيش؛ أي كل ليلة، وإذا لم يتمكن الخفاش من العثور على وجبة دم، فقد يتناول دماً مُتقيأً من شريك اجتماعيّ مقرب.

كان الهدف من ذلك معرفة ما إذا كان بإمكان الباحثين التأثير على اختيار الشريك بين الخفافيش ومشاركة الطعام، كما أرادوا أن يروا عن كثب كيف تتشكل علاقات الاستمالة ومشاركة الطعام؛ لذلك تمت متابعة جميع التفاعلات على تسجيلات الفيديو.

الوفاة المفاجئة وتعويض شعور الفقدان

أنثى خفاش مصاص الدماء تتبنى فرخ صديقتها

أنثى خفاش مصاص الدماء تتبنى فرخ صديقتها. الصورة: معهد سميثسونيان للبحوث الاستوائية

ماتت الأم؛ التي أُطلق عليها اسم «ليليث»، بشكلٍ غير متوقع، وتبنّت صديقتها «بي دي»، فرخها البالغ من العمر 19 يوماً، وواصل الفريق البحث ملاحظاتهم لمعرفة التغير السلوكي الذي سيحدث؛ إذ لاحظ الفريق قبل وفاة ليليث بفترة وجيزة، أن الفرخ يتسلق أحياناً على «بي دي»، ويُعتقد أن هذا ربما بدأ سلسلةً من آليات الغدد الصم العصبية؛ التي تسببت في بدء تحفيز الرضاعة لدى «بي دي»؛ والأخيرة لم تكن حاملاً ولم يكن لديها فرخ خاص بها، لكن وُجد أنها كانت تُرضع الفرخ يوم وفاة ليليث، وبعد وفاتها أيضاً، كذلك بدأت «بي دي» تتأقلم وتشارك الطعام مع الفرخ أكثر من أي أنثى أخرى في المستعمرة.

عندما راجع الباحثون مقاطع الفيديو بعد الانتهاء من التجربة، لم يتضح فقط أن «بي دي» وليليث كانتا شريكتين أساسيتين في العناية ظاهرياً، ولكن كانت «بي دي» أيضاً أكبر مانح غذائي لليليث، ومع ذلك، لم يبدُ أن ليليث كانت تشارك الطعام مع «بي دي». علاوةً على ذلك، أكّدت البيانات أن «بي دي» ساعدت الفرخ بمعدلات أعلى بكثير من أي أنثى أخرى.

تعاطف وحس مرتفع بالمسؤولية

اكتشاف مثير آخر هو أن «بي دي» وخفاشاً آخر؛ يُدعى «بي إس سي إس»، وكلاهما كانا في الأسر من قبل؛ هما الخفاشان اللذان قاما بتنشئة الفرخ أكثر من غيرهما، وهذا ما ولّد التساؤل عما إذا كانت تجربة العيش في الأسر تحفز الأفراد بطريقة ما على الاستثمار في الأفراد الأخرى بمعدلات أعلى، أو تبني الصغار اليتامى؛ الذين هم في حاجةٍ ماسّةٍ إلى الرعاية.

تفضل الخفافيش مصاصة الدماء بالاستثمار في نسلها، مقارنةً بأنواع الخفافيش الأخرى، وما زال  من غير المعروف ما إذا كان التبني قد يحدث في البرية، أو كم مرة، ولكن كانت هذه فرصةً رائعة لفهم نوع العلاقات التي قد تؤدي إلى التبنّي بشكل أفضل.

قد تعطي دراسة التبني هذه نظرة ثاقبةً حول العوامل المباشرة في الدماغ، أو البيئة التي تؤثر على قرارات رعاية الوالدين؛ إذ أن لا أحد يستطيع أن ينكر القوة المطلقة لجاذبية الطفل، ويمكن لمعظمنا فهم الرغبة القوية في تبنّي ورعاية جرو لطيف أو قطة صغيرة، أو تحمل المسؤولية الكاملة في تبنّي طفل، وبغض النظر عن سبب وجود هذه السمات، فمن الرائع النظر في آليات الغدد الصم العصبية التي تكمن وراءها، والمحفزات التي تحفزها، وكيف تختلف بين الأنواع أو الأفراد، وكيف يمكن أن تكون هذه السمات حتى تكيّفات مسبقة لأشكال أخرى من التعاون.

التبنّي في مملكة الحيوان

خفاش

Shutterstock.com/Marty R Hall

وفقاً لـ«جيني هولاند»؛ مؤلفة كتاب «صداقات غير محتملة» عام 2011، فإن مثل حوادث التبني هذه شائعة نسبياً بين الحيوانات الأليفة، لكن نادراً ما تُرى في البرية. وأشارت هولاند إلى أن بعض تلك الحالات تشمل كلباً رعى سنجاباً صغيراً كواحدٍ من صغاره، وقروداً أسيرةً تعاملت مع قطط مثل القرود حديثة الولادة، وكلب كان يراقب بومةً صغيرةً.

كما لاحظ باحث ألماني في السبعينيات تبنّي الخفافيش مصاصة الدماء عدة مرات في مستعمرته الأسيرة؛ لذلك لم يكن هذا الاكتشاف جديداً كلياً، لكن لم تُعرف من قبل تفاصيل هكذا سلوكٍ أو ما يحفزه، ولم تتم مراقبته عن كثب كذلك. لذا، سيكون من المثير للاهتمام متابعة العلاقات بين الأم والفرخ المتبنّى؛ فالأمر يستحق إلقاء نظرةً فاحصة على العلاقات بين هذه الخفافيش.