Image

أرض سحرية يسكنها الأخطبوط الكئيب

Bread assortment يطلق عليه حرفياً: الأخطبوط الكئيب
حقوق الصورة: بيتر جودفري سميث

لن يدور في خلَدك أن ما يسمى “الأخطبوط الكئيب” سيكون أبرز كائن اجتماعي في جنسه. فالأخطبوطات لا تجيد العيش مع بعضها جنباً إلى جنب، وتفضل أن تقضي معظم حياتها في عزلة. وهي تقاتل أحياناَ من أجل الحصول على الغذاء، ويتعرض الذكور لخطر غضب الإناث في سبيل فترة تزاوج قصيرة، أما فيما عدا ذلك فهي تعيش وحدها. حتى الأمهات المخلصات التي تقضي حياتها كاملة منذ بلوغها وهي تحضن بيوضها، تعزل نفسها لتذبل وتموت بدلاً من التفاعل مع أخطبوطاتها الصغيرة الفاقسة حديثاً.

على أي حال، فإن ما نعرفه عن هذه المخلوقات هو أن دراستها صعبة، ولذلك فإن العلماء بدؤوا للتو باكتشاف أسرارها. تقول ستيفاني تشانسيلور، طالبة الدكتوراه في العلوم البيولوجية في جامعة إلينوي بشيكاجو: “يصعب الاحتفاظ بالأخطبوط داخل المختبر، ليس فقط لأن له متطلبات دقيقة جداً تتعلق بدرجة الحرارة ودرجة القلوية التي كانت يعيش بها في مواطنه، لكن لأنه بارع في الهروب”.

وحتى العلماء الذين تدربوا على الغوص والمراقبة الميدانية للأخطبوطات –وهو ما كانت تقوم به تشانسيلور عندما كانت طالبة في جامعة ألاسكا باسيفيك- يتعلمون عنهم ببطء شديد. تقول تشانسيلور: “التجهيزات باهظة الثمن، على الرغم من أن أسعارها أصبحت أفضل في السنوات الأخيرة. وهناك وقت طويل عليك أن تقضيه تحت الماء، كما أن الأخطبوط يجيد التخفي، وتحتاج إلى مهارات خاصة جداً لتعثر عليه، فتكون أمام خيارين، إما البحث عنه في الأماكن الموحلة التي يعيش فيها، وهي أكوام القمامة التي خلفها وراءه، أو أن تكون محظوظاَ جداَ فتجبره على الظهور بعد أن أثرت خوفه وأنت تسبح بالقرب منه”.

ولذلك عندما اكتشف العلماء لأول مرة مجموعة من الأخطبوط الكئيب Octopus tetricus تعيش في خليج جيرفيس بأستراليا عام 2009، لم يفترضوا أن هذا الموطن الذي أطلقوا عليه اسم “أوكتوبوليس” Octopolis كان نتيجة لسلوك غريب يحدث مرة واحدة. تقول تشانسيلور: “حتى وقت قريب، كانت كل الأدلة عن السلوك الاجتماعي عند الأخطبوط إما منقولة بالرواية، أو حدثت داخل المختبر. ولكننا بدأنا نفكر بأنها ربما تكون أكثر اجتماعية مما كان يعتقد من قبل، ويبدو أن المزيد من الدراسة يكشف عن ذلك فعلاً”.

وقد تبين أن هذه الظاهرة كانت شائعة في خليج جيرفيس. وفي دراسة نشرت في سبتمبر 2017 في دورية “السلوك والفيسيولوجيا في البحر والمياه العذبة”، أعلنت تشانسيلور وزملاؤها عن اكتشاف ثاني مكان للتواصل بين أفراد الأخطبوط (وربما يكون أكثر إثارة للإعجاب)، وهو “أوكتلانتس” Octlantis. إنه مكان سحري، مليء بالأوكار المبنية من بقايا المحار والإسقلوب، يمتلئ بطعوم الصيد وعبوات الجعة الملقاة. وفي كنف ثلاثة مواقع متجاورة، تعيش أفراد الأخطبوط في وئام. وعلى الرغم من أنها تتقاتل باستمرار، لكنها بالنسبة للغالبية العظمى منها تتشارك المكان. تقول تشانسيلور: “من المعلومات المتوفرة لدينا، يبدو أن هناك الكثير من حالات الطرد من الأوكار. إنه عمل عدواني حقاً”.

وقد يصف البعض التقاتل بين أفراد مجموعة الأخطبوط بأنه سلوك عدواني وغير اجتماعي، ولكن العلماء يقولون إنه حتى هذه التفاعلات غير الودية تعتبر سلوكاَ اجتماعياَ خاصة في حالة الأخطبوطات المعروفة بميلها للعزلة. وفي مكان ما، كان هناك 10 إلى 15 أخطبوطاً تومئ إلى بعضها، وتتزاوج، وتدافع عن الشريك ومكان العيش أثناء تقاسمها الجوار فيما بينها. وتشرح تشانسيلور الأمر فتقول إن هؤلاء أفراد أجبروا على الاجتماع معاً ومشاركة الموارد والتنازع عليها، ولكن يبدو أنهم لا يطردون بعضهم دائماً.

ولا يملك الباحثون في الوقت الحالي الكثير من المعلومات عن هذه المجموعة. وقد رصدوا مجتمع الأخطبوط في أول يومين من العمل الميداني، وتصرفوا بسرعة لإسقاط آلات التصوير وجمع أي لقطات مهما كانت. وما تزال تشانسيلور تستعرض مقاطع الفيديو من أجل المزيد من المعلومات حول سلوكها. وهي تأمل أن تكشف لهم دراسات أخرى المزيد من الحقائق. وقد يكون هناك أنواع أخرى تنشئ مستعمرة نفعية من النوع نفسه، بحسب الظروف.

تقول تشانسيلور: “أنا على يقين من أنه يفوتنا الكثير عندما نقوم بالبحث عن حيوانات الأخطبوط للأسف، لكنها مخلوقات تجيد الاختباء”.

error: Content is protected !!