Image

يتوقف الأمر كله على من توجه له هذا السؤال

Bread assortment أين تبدأ حدود الفضاء حقيقةً؟ هل هي بالقرب من المكان الذي تعود فيه كبسولة الفضاء دراجون إلى الغلاف الجوي في الناحية اليسرى من وسط هذه الصورة؟ هل هو أقرب إلى محطة الفضاء الدولية، حيث تم التقاط هذه الصورة؟ أم أنه في مكان آخر تماماً؟
مصدر الصورة: ناسا

أين تقع حافة الفضاء؟ هذا السؤال الذي يبدو لنا بسيطاً، لديه إجابة تتكون من عدد من الطبقات أكثر مما لدى الغلاف الجوي للأرض. ربما تتوقع أن حدود الفضاء تبدأ حيث ينتهي الغلاف الجوي، وقد يكون ذلك صحيحاً. ولكن الذي اتضح هو أنه لا يمكن لأحد أن يعرف أين تقع هذه النقطة. والغالبية العظمى من العلماء يولون اهتماماً أكبر بكوكبنا الأرضي، معتبرين أن حافة الفضاء تقع تماماً ضمن حدود غلافنا الجوي.

إن التعريف الأكثر قبولاً لمصطلح “حافة الفضاء” هي الحافة الفاصلة التي ترتفع عن سطح الأرض مسافة 100 كيلومتر. يُعرف هذا الارتفاع باسم “خط كارمان”، والذي تمت تسميته تيمّناً بالفيزيائي والمهندس الهنغاري ثيودور فون كارمان، الذي خلُص إلى أن الملاحة الجوية لا تبقى صالحة للعمل على هذا الارتفاع.

هذا يعني كما يوضح بول نيومان، كبير علماء علوم الأرض في مركز جودارد للملاحة الفضائية التابع لناسا قائلاً: “يُعرّف خط كارمان بأنه الارتفاع الذي لا يمكنك فيه التحليق بسرعة كافية لتوليد قوة رافعة للطائرة”. بالإضافة إلى الملاحة الجوية، هناك اختلاف آخر يميز بين ما هو فوق وما هو دون خط كارمان. يوضح نيومان قائلاً: “تحت مستوى 100 كيلومتر، تختلط الغازات نتيجة الحركات المضطربة. وبالتالي، تبلغ نسبة النيتروجين نحو 78%، ونسبة الأوكسجين نحو 21%”.

ويتابع: “أما فوق حاجز  100 كيلومتر، تبدأ الغازات بالانفصال عن بعضها بشكل انتشاري بسبب الجاذبية. نشير إلى هذا الارتفاع الفاصل على أنه فاصل التجانس نظراً لأن كل شيء تحته يختلط بشكل متجانس”.

هذا الارتفاع الذي يبلغ 100 كيلومتر هو ما يعتبره الاتحاد العالمي للرياضات الجوية (FAI) بداية الفضاء رسمياً، وهذا الاتحاد هو الهيئة الإدارية الدولية للرياضات الجوية، والتي تشمل كل شيء ابتداءً من التحليق بالمناطيد وانتهاءً بالرحلات الفضائية المأهولة.

يشير الدكتور تيري أوزوالت، رئيس قسم العلوم الفيزيائية في جامعة إمبري-ريدل للطيران، إلى ذلك قائلاً: “يبدو أن الصناعة الفضائية التجارية تستخدم هذا التعريف كهدف لرحلاتها السياحية أيضاً”. فعلى سبيل المثلا، أجرت شركة بلو أوريجين لصاحبها جيف بيزوس مؤخراً إطلاقاً اختبارياً لكبسولتها “نيو شيبارد” نحو ارتفاع بلغ نحو 106 كيلو متر (65.5 ميل)، كما تعد شركة فيرجن غالاكتيك لصاحبها السير ريتشارد برانسون بالتحليق بضيوفها على متن طائرتها الفضائية المدارية “سبيس شيب تو” فوق حاجز 62 ميل (ما يزيد على 100 كيلومتر).

بالرغم من أن خط كارمان هو الأقرب ربما ليكون التصنيف الدولي الرسمي لبداية الفضاء، إلا أنه ليس معياراً صالحاً للجميع بأي حال من الأحوال. يقول أوزوالت: “من المثير للاهتمام أن الولايات المتحدة وقّعت على اتفاقية الاتحاد FAI التي تحدد حاجز 100 كيلومتر كتعريف للارتفاع الذي تبدأ عنده حدود الفضاء، ولكنها ما زالت تمنح رتبة ’’رائد فضاء‘‘ لأي شخص يحلق فوق حاجز 80 كيلومتر، أو ما يعادل 50 ميلاً، وهو الارتفاع الذي تبدأ عنده طبقة الثرموسفير (الغلاف الحراري) وتبدأ عنده درجة الحرارة بالارتفاع كلما ازداد الارتفاع”.

تنطبق حالة “رائد الفضاء” هذه على كل من موظفي ناسا والأفراد العسكريين الذين تمكنوا من بلوغ هذا الارتفاع.

كما أن هناك تعريفاً آخر تم وضعه في 2009، فقد قام باحثون من جامعة كالجاري بالاعتماد على بيانات واردة من مصوّر الأيونات فائقة الحرارة، بتحديد حافة جديدة للفضاء: حيث يزعمون حاجز 118 كيلومتر (73.3 ميل) هو العلامة الفارقة الأكثر دقة، نظراً لأنه تحت هذه العتبة، تتحرك الأيونات بهدوء أكبر، في حين أنها تتحرك فوقه على نحو جنوني، وهو ما يدل على الاختلاف الذي يميز بين الغلاف الجوي والفضاء.

ولكن تجدر الإشارة إلى أن عتبة 118 كيلومتر بعيدة جداً عن الحدود الخارجية الاصطلاحية للغلاف الجوي للأرض، والتي تتكون من 5 طبقات مختلفة وهي: الترابوسفير، الستراتوسفير، الميزوسفير، الثيرموسفير، وأخيراً الإكزوسفير، حيث تمتد هذه الطبقات مرتفعة إلى نحو 800 كيلومتر (497 ميل) فوق سطح كوكبنا. حتى أن العلماء في الواقع ليس لديهم تعريف واضح للعتبة التي ينتهي عندها حدود الغلاف الجوي، فهو يصبح أرقّ أكثر فأكثر كلما ارتفعنا إلى أن يختفي تماماً.

ثم إن هناك حالة محطة الفضاء الدولية (ISS)، والتي تتواجد حتماً في الفضاء وفقاً لغالبية الحسابات. فهي تدور حول الأرض على ارتفاع يقرب من 400 كيلومتر (248.5 ميل)، أي أنها تقع وضوحاً فوق خط كارمان، وفوق عتبة جامعة كالجاري.

بما أن رواد الفضاء على هذا الارتفاع يواجهون ظاهرة الجاذبية الصغرى، فستميل إلى الاستنتاج الحتمي بأن عتبة الارتفاع 400 كيلومتر تمثل قيمة مضمونة للتواجد فوق حافة الفضاء، أليس كذلك؟ في الواقع، ليس تماماً.

إن محطة الفضاء الدولية، التي تقع ضمن طبقة الثيرموسفير، في حالة سقوط حر  مستمر باتجاه الأرض، وهي لا تزال تحت تأثير جاذبية كوكبنا وغلافه الجوي. سرعة هذه المحطة تتباطأ في الواقع بينما تندفع بانسيابية عبر الهواء الرقيق جداً، وهي تتطلب تعزيزات دافعة منتظمة للحفاظ على ارتفاعها.

لا يزال رواد الفضاء الذين يطوفون داخل محطة الفضاء الدولية يتعرضون لقوة الجاذبية، فانعدام الوزن الذي يشعرون به مشابه لما يشعر به المسافرون على متن طائرة تحلق في مسار منحن (قطع مكافئ)، حيث يقوم الطيارون بتوجيه الطائرة في الجو ضمن مسار قوسي عملاق.

عند ذروة هذا القوس، يشعر الركاب بانعدام الوزن لبضع ثوانٍ. فإذا كنت تهوي بنفس المعدل الذي يهوي به كل شيء من حولك (أي أنه بدون مقاومة الهواء)، فإنك تشعر وكأنك تطفو. إذا أردت الوصول إلى نقطة لا يعود فيها للجاذبية الأرضية تأثير عليك، فسيتعين عليك التحليق مبتعداً عن سطح الأرض نحو 21 مليون كيلومتر، أو 13 مليون ميل. وهي قيمة تفوق بعد القمر عنا 87 مرة.

يقول أوزوالت: “إن كل تعريف لحافة الفضاء يعتمد على ماهية العمليات الجارية في الغلاف الجوي التي تعتبرها هامة بالنسبة للمسألة التي تتعامل معها”.

يتابع أوزالت: “على سبيل المثال، إن كان الموقع الذي لا يمكن للطائرة التحليق عنده أمراً مهماً، فسيغدو ذلك هو تعريفك للعتبة التي تبدأ عندها حدود الفضاء. وإذا كان الخطر الإشعاعي الناجم عن التوهجات الشمسية والأشعة الكونية هو العامل المهم، عندئذ يصبح هذا المعيار هو عتبة الارتفاع التي تهمك.

وإذا كان بلوغ المدار أمراً مهماً، فقد يكون تعريفك للعتبة عندئذ هو القيمة 160 كيلومتر، حيث يكون الاحتكاك مع الغلاف الجوي منخفضاً بما يكفي للحفاظ على ما يسمى ’’المدار الأرضي المنخفض‘‘”.

هذا يعني أن حافة الفضاء أقرب لأن تكون هدفاً متحركاً من كونها حاجزاً محدداً، وهي مفهوم يتغير كلما حققنا أهدافاً وإنجازات جديدة في مجال الرحلات الفضائية.

ويبقى السؤال الوحيد حقيقة هو: ما هي العتبة الجديدة لحافة الفضاء التي سنصل إليها في المرحلة القادمة؟

error: Content is protected !!