Image

إليك طريقة أخرى يمكن بها لمواعيد النوم الحديثة أن تتسبب بهلاكنا.

Bread assortment البعض منا ينشط بعد حلول الظلام.
حقوق الصورة: ديبوزيت فوتوس

قد يكون للأشخاص الليليين سجل حافل من السهر حتى وقت متأخر جداً في مشاهدة الأفلام أو الإبحار عبر الإنترنت، ولكن الأمر لا يتعلق بالمتعة والألعاب فقط. إذ تظهر دراسة تلو الأخرى بأنه كلما تأخر وقت النوم والاستيقاظ، كلما زاد احتمال الإصابة ببعض المضاعفات الصحية الخطيرة.

وتؤكد دراسة جديدة قام بها باحثون من جامعة نورث وسترن وجامعة سُرّي في المملكة المتحدة النتائج التي تشير إلى أن الأشخاص الليليين أكثر عرضة للإصابة بمجموعة من الأمراض والاضطرابات المختلفة، كالسكري والأمراض العقلية والمشاكل العصبية والأمراض المعدية المعوية وأمراض القلب، على سبيل المثال لا الحصر. كما خلصت الدراسة – وللمرة الأولى – إلى أن أولئك الأشخاص الليليين كان لديهم خطر متزايد بنسبة 10 في المئة للوفاة (في الفترة الزمنية المستخدمة في الدراسة) بالمقارنة مع أولئك الذين ينامون في وقت مبكر ويستيقظون في وقت مبكر.

وتقول الكاتبة الرئيسية كريستين كنوتسون – وهي أستاذة مساعدة في طب الأعصاب في كلية فاينبيرج للطب في جامعة نورث وسترن: “أعتقد أنه من المهم حقاً إيصال هذه الرسالة إلى الناس الليليين. فقد تكون هناك بعض العواقب القاهرة المرتبطة بهذه العادات، وقد يحتاجون لأن يكونوا أكثر حذراً في الحفاظ على أسلوب حياة أكثر صحة”.

وقد نُشرت الدراسة في العدد الأخير من دورية Chronobiology International، وحللّت 433268 شخصاً ممن شاركوا في دراسة البنك الحيوي UK Biobank، وهو عبارة عن دراسة جماعية ضخمة تمتد من عام 2006 إلى 2010 وتهدف إلى التحقق من دور الاستعداد الوراثي والمساهمات البيئية في انتشار المرض. وقد سُئل هؤلاء المشاركون أسئلة تتعلق بنمطهم الزمني، أو الوقت المفضل للنوم ومدته خلال اليوم. وتم تمييز المشاركين على أنهم “شخص صباحي بالتأكيد” أو “شخص صباحي أكثر من مسائي” أو “شخص مسائي أكثر من صباحي” أو “شخص مسائي بالتأكيد”.

ووجد الباحثون أن حوالي 10 آلاف شخص ماتوا في السنوات الست والنصف التي أعقبت نهاية دراسة البنك الحيوي، وأن أولئك الذين كانوا “أشخاصاً مسائيين بالتأكيد” كان لديهم زيادة في خطر الموت بنسبة 10 بالمئة بالمقارنة مع “الأشخاص الصباحيين بالتأكيد”. ويقول الباحثون بأن هذا العدد تم التوصل إليه بعد الأخذ بالاعتبار كل من العمر والجنس والعرق والمشاكل الصحية السابقة.

يبدو ذلك مخيفاً بالتأكيد، ولكن هناك بعض القيود التي تستحق التفكير. أولاً، تقول كنوتسون: “لم نتمكن من تحديد أو اكتشاف سبب وفاة الأشخاص الليليين بشكل أبكر”، وبالتالي فإن السبب المباشر للوفاة غير معروف، مما يخلق بعض الغموض فيما يتعلق بمدى تأثير أنماط حياة الأشخاص الليليين على هذه الوفيات.

وتقول كنوتسون: “نعتقد بأن ذلك يعود جزئياً على الأقل إلى ساعاتنا البيولوجية. ونعتقد بأن المشكلة تكمن في أن الأشخاص الليليين مضطرين للعيش في عالم “صباحي”، حيث يتعين عليك الاستيقاظ مبكراً للعمل وبدء اليوم بشكل أبكر مما تريده ساعاتك الداخلية. لذا فهو عدم توافق بين الساعة الداخلية والعالم الخارجي، الأمر الذي يعدّ مشكلة على المدى الطويل.”

إن عدم التوافق الذي تشير إليه كنوتسون يتعلق بالنظام الليلي النهاري، وهو العمليات البيولوجية التي تحكم الجسم على مدار 24 ساعة في اليوم. يحدد النظام الليلي النهاري أنماط النوم ومستويات الطاقة والهرمونات ودرجة حرارة الجسم، وهي أساساً كافة الأمور الأكثر أهمية. وتقول كنوتسون: “هناك أوقات مثالية لحدوث أشياء معينة”. فالعبث بمواعيد نومك المفضل يمكن أن يعطل النظام الليلي النهاري بشكل كبير، والذي بدوره يمكن أن يكون له تأثيرات سلبية وخيمة على صحتك. وكلنا نشعر بآثار ذلك إلى حدّ ما، بغض النظر عن الوقت الذي نفضل فيه النوم. وتشير الأبحاث إلى أن البشر المعاصرين ينامون بشكل سيئ بسبب الضوء الاصطناعي ودرجات الحرارة الأكثر دفئاً والإجهاد، ويعمل العلماء على فهم نوع التأثير الذي يتركه ذلك على صحتنا. وتشير الدراسات التي أجريت على الحالات المتطرفة – عمال المناوبات وبعض الأشخاص من أمثال أطباء الطوارئ ورجال الإطفاء الذين يظلون مستيقظين طوال الليل – إلى أن الجوانب السلبية قد تكون وخيمة للغاية.

لسوء الحظ، فإن بيانات البنك الحيوي تشير فقط إلى ما إذا كان الشخص قد تم تحديده كشخص صباحي أو مسائي، وليس فيما إذا كان لديه مواعيد للنوم تناسب نمطه الزمني. وتقول كنوتسون: “نحن نعلم الوقت المفضل لديهم للنوم، ولكن ليس لدينا أي فكرة عما كانوا يفعلونه في الواقع بشكل يومي”. وتأمل معالجة هذه المسألة في دراسات لاحقة.

علاوة على ذلك، فإن البيانات تقتصر على المشاركين البريطانيين فقط، وكان معظمهم من أصول قوقازية أو أيرلندية أو إنكليزية. ومن المرجح أن تكون النتائج مشابهة مع العديد من المجموعات السكانية الأخرى في العالم الغربي، ولكن يمكن أن تكون مختلفة بشكل كبير بالنسبة للأشخاص الليليين في أماكن أخرى.

أنت عالق إلى حدّ ما مع النمط الزمني الذي ولدت معه. إذ تلعب الجينات دوراً مهماً في التحكم بساعتك الداخلية، ولذلك إذا كنت معدّاً بشكل طبيعي للنوم في الساعة 3:00 صباحاً والاستيقاظ في الساعة 11:00 صباحاً، فإن أفضل ما تفعله هو العثور على مهنة ونمط حياة يكون فيه ذلك أمراً مقبولاً.

ولكن هناك بعض الإجراءات التي يمكن للأفراد اتخاذها لتقليل الفرق بين ساعاتهم الداخلية وحياتهم الخارجية. إذ تشير كنوتسون إلى أن أرباب العمل في عالم مثالي قد يكونون أكثر دراية ويسمحون للموظفين باختيار مواعيد للعمل تقدم حلاً وسطاً بين احتياجات الجميع. ويمكن للناس أيضاً أن يغيروا مواعيد نومهم ويستيقظوا أبكر بساعات قليلة لتقليل الخلاف، ولكن عليهم القيام بذلك تدريجياً، والحفاظ على هذا التغيير باستمرار. كما أن التحوّل إلى شخص ليلي في عطلات نهاية الأسبوع أو في الإجازات هو أمر غير وارد.

وبالطبع، فليس من السيء تماماً أن تكون شخصاً ليلياً. إذ أظهرت دراسات أخرى أن المواجهة بين الأشخاص الصباحيين والليليين هي في الواقع معركة بالوكالة بين الأشخاص المنظمين والدقيقين أو التعبيريين والمبتكرين، إذ قد يكون الأشخاص النهاريون أكثر تركيزاً على تحقيق الأهداف والاهتمام بالتفاصيل، ولكن يميل الأشخاص الليليون لأن يكونوا أكثر إبداعاً وانفتاحاً على التجارب الجديدة. فإذا كنت شخصاً ليلياً، فلا تكن شديد التسرّع في أن تعتقد بأنه يجب أن تغير من نفسك. فربما تحتاج فقط إلى مهنة تستغل فيها جانبك الفني، وتتيح لك النوم قليلاً.

error: Content is protected !!