Image

تتنافس مجموعة كبيرة من الشركات الناشئة في السوق المزدهرة للأقمار الاصطناعية الصغيرة بإطلاق صواريخ صغيرة لعدد أكبر من المرات وبتكلفة أقل.

Bread assortment صاروخ إلكترون من روكيت لاب على المنصة استعداداً للإطلاق.
مصدر الصورة: روكيت لاب

تخطط شركة روكيت لاب لإطلاق صاروخ “إلكترون” الرشيق بطول 17 متر، من منصة في ماهيا في نيوزيلندا، وذلك ما بين 2 و 7 يوليو، وسيصبح عندها أول صاروخ تطلقه هذه الشركة بحمولة حقيقية لزبائن دفعوا ثمن هذه الخدمة لها، وهي صاحبة المعيار لسلالة جديدة من الشركات المتخصصة بإطلاق الصواريخ الصغيرة.

هذه الصواريخ أصغر بكثير من فالكون 9 لسبيس إكس، والذي يبلغ طوله 70 متر، ويكلف في الرحلة الواحدة 62 مليون دولار تقريباً. كما أنها أصغر من أطلس V ليونايتد لونش ألايانس والذي يبلغ طوله 60 متر، ويمكن أن تكلف رحلته إلى الفضاء حوالي 200 مليون دولار، وذلك إذا أخذنا بعين الاعتبار الإعانة المالية المتواصلة اللازمة للحفاظ على جاهزيته. أما هذه الشركات الجديدة، مثل روكيت لاب وفيكتور وفيرجين أوربيت، فتبيع الرحلات على صواريخ أصغر بكثير بتكلفة تتراوح ما بين 3 و 15 مليون دولار.

تسعى هذه الشركات للانضمام إلى مجال مزدهر، حيث أطلق أكثر من 300 قمر اصطناعي صغير في 2017، وتطبق هذه الشركات الجديدة مقاربة مشابهة لحسومات شركات الطيران التجاري، ولكن على المدار الأرضي الأدنى، بحيث تقدم رحلات أكثر تكراراً إلى وجهات أكثر وبأسعار أقل. إن الأمر فائق التعقيد، ويوجد احتمال دائم لحدوث انفجارات مدوية، وتأخيرات تقنية مكلفة، وارتباكات تنظيمية. غير أن هذا النموذج للأعمال لشركة روكيت لاب، والذي يبدو جيداً من الناحية النظرية، قد ينجح فعلياً على أرض الواقع، وهو أمر مبشر للكثيرين من مشغلي الأقمار الاصطناعية الراغبين بالوصول إلى المدار الأرضي الأدنى، ولكنهم لا يستطيعون دفع تكاليف رحلة مع الشركات الأميركية أو ناسا، أو وكالات الفضاء الروسية أو الهندية أو الأوروبية.

صواريخ حسب الطلب

من أهم الميزات التي تتصف بها هذه الشركات الجديدة هي قدرتها على تنظيم عملية إطلاق بسرعة ويسر، بدءاً من التخطيط وصولاً للإطلاق الفعلي.

يقول بيتر بيك، المدير التنفيذي لشركة روكيت لاب: “بعد أن توقع العقود، وتحصل على الرخص، وتقوم بتصدير القمر الاصطناعي إلى بلد الإطلاق، فإن عملية حجز مساحة فائضة على المركبة قد تستغرق 12 شهراً لوحدها. أما نحن، فيمكن أن نخفض هذه الفترة إلى 12 أسبوعاً”.

عادة ما تقوم شركات الأقمار الاصطناعية الصغيرة، والتي لا تستطيع دفع تكلفة رحلة الصاروخ بأكملها، بحجز المساحة الفائضة على رحلة شركة أخرى. يقول ويل بوميرانتز، نائب رئيس شركة فيرجين أوربيت: “نطلق على هذه العملية اسم السفر التطفلي الفضائي. قد يكون السفر التطفلي (السفر مع أية سيارة على الطريق) وسيلة رخيصة للوصول إلى حيث تريد، ولكن سواء أكان على الأرض أو في الفضاء، لا يمكن التحكم بوقت الانطلاق أو وقت الوصول. كما أنه توجد الكثير من القواعد حول ما هو مسموح وممنوع في المركبة”.

قد لا تكون مسألة الوقت ذات أهمية بالنسبة لبعض الأقمار الاصطناعية، ولكنها أيضاً قد تكون حاسمة بالنسبة لصفقات كاملة عندما تصبح متطلبات البعثة محددة كثيراً. يقول بوميرانتز: “إذا اتفقت مع الاتحاد الأميركي لكرة القدم على التقاط صورة لمباراة البطولة، وكان قمرك الاصطناعي في المدار الخاطئ، وحصلت لهذا على صور لموقف السيارات قبل ساعة من بدء المباراة، فلن يكون هذا في صالحك على الإطلاق”.

من أهم الأسباب التي دعت المدير التنفيذي لشركة فيكتور، جيم كانتريل، إلى تأسيس شركته الخاصة لإطلاق الصواريخ الصغيرة، هو الإحباط الناجم عن الانتظار لفرصة سفر تطفلي فضائي. كان كانتريل المدير السابق لفريق المشاريع في المؤسسة غير الربحية لايتسيل للأقمار الاصطناعية ذات الأشرعة الشمسية، والتي تديرها المنظمة الكوكبية، وبدأ مع مجموعة من العلماء الآخرين في 2009 بتصميم المركبة، وفي 2010، استلم المقدم التلفزيوني بيل ناي قيادة المنظمة، ولكن المجموعة كانت تنتظر منذ ذلك الحين رحلة إلى مدار مرتفع بما يكفي حتى يتغلب الدفع بالشراع الشمسي على مقاومة الهواء، علماً بأنه أجريت عملية إطلاق تجريبية على مدار منخفض لاختبار آلية فتح الشراع في 2015.

يقول كانتريل: “كانت الرحلات إلى ذلك المدار بالتحديد قليلة للغاية، على الرغم من أنه مدار شائع الاستخدام للكثير من الأقمار الاصطناعية المخصصة للتصوير، ولهذا اضطررنا إلى انتظار رحلة لفترة عقد تقريباً. لقد كانت هذه التجربة أساسية للغاية بالنسبة لي، وأمضى بيل ناي السنوات الست أو السبع المنصرمة وهو يحاول حجز رحلة لها”. من المقرر أن ينطلق لايتسيل 2 أخيراً في مساحة فائضة في بعثة فالكون هيفي لسبيس إكس، والمخصصة لسلاح الجو الأميركي، في وقت ما بعد 30 أكتوبر.

السوق المزدهرة للأقمار الاصطناعية الصغيرة

في تلك الأثناء، باع كانتريل حوالي 280 بعثة بسعر 3 مليون دولار تقريباً لكل واحدة، ويخطط لإطلاق رحلات اختبارية في وقت لاحق من هذا العام، ولبدء العمليات التجارية الفعلية في 2019. تبيع روكيت لاب عمليات الإطلاق بسعر 5-6 مليون دولار لكل واحدة، كما تعرض خيار حجز مساحة فائضة للأقمار الاصطناعية الصغيرة من نوع كيوبسات بسعر مخفض قد يصل إلى 80,000 دولار، ويقول بيك أنه يخطط لتنفيذ 8 عمليات إطلاق ناجحة هذه السنة. ستطلق فيرجين أوربيت صواريخها جوياً من تخت جناح طائرة بوينج 747 بكلفة 12-15 مليون دولار تقريباً، وستبدأ العمليات الاختبارية والتجارية هذا العام. ومن الزبائن الذي حجزوا الرحلات مسبقاً: شركة الإنترنت بالأقمار الاصطناعية ون ويب، إضافة إلى شركة التخزين السحابي الآمن كلاود كونستيليشن.

تتنافس جميع هذه الشركات على السوق المزدهرة للأقمار الاصطناعية الصغيرة في المدار الأرضي الأدنى، والتي تستخدم بشكل رئيسي للتصوير والاتصالات. تأمل الشركات بأن هذا الجيل الجديد من الأقمار الاصطناعية سيؤدي إلى إيجاد فرص جديدة للأعمال، بحيث يمكن أن تقدم اتصالاً أسرع للإنترنت بالأقمار الاصطناعية، وتخزيناً سحابياً أكثر أماناً، وإمكانية أكبر لتتبع حركة البضائع حول العالم. وقد أورد تقرير من سبيس ووركس أن عام 2017 شهد إطلاق أكثر من 300 قمر اصطناعي صغير أو فائق الصغر، وهي زيادة بنسبة 205% عن 2016. ولا يبدو أن أياً من المدراء التنفيذيين لشركات إطلاق الصواريخ الصغيرة يشعر بالقلق من منافسة إيلون ماسك، لأن سبيس إكس تخدم مشروعات أضخم وأكثر تكلفة بكثير من نموذج عمليات الإطلاق الصغيرة والرخيصة والمتكررة.

يقول جاي سكايلوس، وهو مؤسس الشركة الناشئة للصواريخ أيفوم في ألاباما، أن التنافس مع سبيس إكس ليس مصدر قلق، ويعود هذا جزئياً لوجود حاجة كبيرة في السوق إلى عمليات الإطلاق: “الدافع الأساسي للرغبة في الأقمار الاصطناعية الصغيرة هو البيانات. يرغب المستهلكون بالمزيد والمزيد من البيانات، وهو ما يدفعنا للذهاب إلى الفضاء”.

يخطط سكايلوس لإطلاق أول رحلة في وقت لاحق من هذه السنة، مع هدف تحقيق رحلتين تجاريتين أسبوعياً بحلول 2024. توجد العديد من الاختلافات في نماذج الأعمال بين إطلاق صواريخ ضخمة مثل فالكون هيفي، ومنصة ريفن “RAVN” الأصغر حجماً، وهو ما يعني أن ماسك قد يصبح حتى من زبائن هذه الشركات، كما يقول سكايلوس. وعلى سبيل المثال، إذا تعطل قمر اصطناعي واحد ضمن مجموعة من 3,000-5,000 قمر اصطناعي، سيكون من المنطقي استئجار شركة نقل بالصواريخ الصغيرة مثل أيفوم لوضع بديل واحد في مدار معين. وفي حين أن كل رحلة من سبيس إكس تكلف تقريباً 60 مليون دولار، يخطط سكايلوس لاستخدام التكرار السريع للرحلات لتخفيض كلفة (الشحن) إلى الفضاء إلى حوالي 1,100 دولار لكل كيلو غرام. ويقول: “نرغب بأن تصبح العملية أقرب إلى إرسال الكيوبسات ضمن رزمة بالشحن العادي”.

يقول بيك من روكيت لاب: “ليس من المؤكد ما إذا كان المجال سينمو بما يكفي لدعم عدة شركات صواريخ صغيرة تطلق الرحلات بهذا التكرار، ولكن المؤكد أنه ينمو بوتيرة مرتفعة”.

العوائق

تتصف القواعد الناظمة لإطلاق الصواريخ من حيث إخلاء المجال الجوي والحركة القريبة للمركبات بالصرامة الشديدة، ولأسباب وجيهة أيضاً. يقول كانتريل: “تبلغ وثوقية الصاروخ 95%. ولو كانت وثوقية الطائرات التجارية 95%، لشهدنا ثلاثة حوادث هذا اليوم”. قد يبدو معدل نجاح بنسبة 95% جيداً بالنسبة لصناعة بدأت لتوها، ولكن المخاطرة الشديدة في حال وقوع أي مشكلة تعني أن الجهات الحكومية تراقب عمليات الإطلاق عن كثب، ومن نافل القول إن إشعال علبة معدنية مليئة بسائل قابل للاشتعال وإطلاقها نحو السماء أمر مليء بالمخاطر.

يقول بيك أن ثلث الصعوبة هي بناء الصواريخ بتكلفة قليلة، والثلث الثاني تصميم البنية التحتية للإطلاق، أما الثلث الأخير فهو التعامل مع القواعد الناظمة. وعلى سبيل المثال، فإن حجز فترة للإطلاق يتطلب إغلاق المجال الجوي المحيط بالكامل أمام حركة الطيران التجاري وطيران النقل. وبعد استطلاع عدة مواقع للإطلاق في الولايات المتحدة، قرر بيك أن يبني الموقع الوحيد الخاص لإطلاق الصواريخ المدارية في العالم في بلده الأم، نيوزيلندا. يقول بيك: “لقد بنينا موقع الإطلاق الخاص بنا على دولة صغيرة معزولة في وسط المحيط”. ويعترف كانتريل قائلاً: “إن مسائل مجال الإطلاق تعتبر من أكبر المشاكل التي يتعين حلها، وبصراحة، لا ندري بالضبط كيف سنحلها”. تقوم شركته فيكتور بإطلاق الصواريخ عن شاحنة متحركة، وبالتالي يمكن تحريكها بسهولة نسبية في أرجاء البلاد إلى المجال المطلوب، ولكن حجز مجال جوي لمائة عملية إطلاق سنوياً، وهو الرقم الذي يطمح لتحقيقه، قد يكون أمراً صعباً. وعلى أي حال، فمن المستحيل أن تجني شركته الأرباح إذا لم تنتج الكثير من الصواريخ بتكلفة منخفضة.

يقول كانتريل: “نميل بقوة إلى الاعتقاد بأن الطريقة الوحيدة لتخفيض كلفة عمليات الإطلاق هي الإنتاج بكميات كبيرة. من المرجح أن أول سيارة تويوتا كورولا كلفت 100 مليون دولار، ولكن الوسيلة الوحيدة لتخفيض سعرها هي إنتاج الملايين منها”.

error: Content is protected !!