Reading Time: 4 minutes

أثبتت شركة «سبيس إكس» أنها شركة رائدة في صناعة إطلاق المهمات الفضائية التجارية الناشئة؛ إذ شكلت عملية إطلاق صواريخها من طراز فالكون أكثر من ربع عمليات إطلاق الصواريخ نحو الفضاء في جميع أنحاء العالم خلال السنوات الخمس الماضية، كما لا توجد حالياً أية شركةٍ خاصة أخرى قادرةٌ على نقل رواد الفضاء إلى محطة الفضاء الدولية.

إن الفضاء واسعٌ جداً، ويتّسع لفرص متعددة من كافة أنواع الأنشطة التي تجذب الشركات والباحثين والسياحة، لكن العديد من تلك الأنشطة لا تحتاج إلى استخدام صواريخ فالكون الضخمة. مؤخراً، نجحت شركتان تعملان في تطوير تقنيات فريدة مناسبة خصيصاً للمهام الفضائية الأكثر تواضعاً، في اجتياز مراحل رئيسية في هذا الصدد؛ فقد أطلقت شركة «فيرجين أوربِت» ما يقارب 10 أقمار صناعية إلى المدار باستخدام صاروخٍ مثبت على متن طائرة، بينما تتحضّر شركة «بلو أوريجن» لإرسال رواد الفضاء إلى مسافة بعيدة للغاية في الفضاء بعد 14 تجربة ناجحة لصاروخها «نيو شيبارد»؛ مما يبشر بعامٍ آخر من النمو لشركات الفضاء الكبيرة والصغيرة.

فيرجن أوربت

انضمت شركة فيرجين أوربت مؤخراً (يجب عدم الخلط بينها وبين شركتها الشقيقة «فيرجين جالاكتيك»؛ والتي تستهدف السياحة الفضائية دون المدارية) إلى جانب بعض الشركات الخاصة؛ التي تمكنت من إطلاق قمر صناعي بسرعة كافية لوضعه في المدار حول الأرض.

أقلعت طائرةُ «بوينج 747» معدّلة؛ دُعيت «كوسميك جيرل»، من مركز اختبار فضاء في كاليفورنيا، وحلقت فوق المحيط الهادئ، وأسقطت صاروخ «لانشر ون» لينطلق على الفور ويتابع مساره بنجاح (على عكس رحلة تجريبة فاشلة في مايو/ آيار الماضي)؛ حيث نقل حمولته؛ المكونة من 10 أقمار صناعية صغيرة تسمى «كيوبسات»، بأمانٍ إلى الفضاء. ستعمل هذه المجموعة من الأقمار؛ التي صممتها مجموعاتٌ جامعية في الأساس، على مراقبة طقس الأرض ومناخها، والبحث عن بقايا الحطام الفضائي، وكيفية تشكّل الكواكب وغير ذلك.

يقول «دان هارت»؛ الرئيس التنفيذي لشركة فيرجين أوربيت في بيان صحفي: «لقد فُتحت بوابة جديدة إلى الفضاء».

يأمل هارت أن تكون هذه البوابة متميزةً عن باقي البوابات التي تسعى الشركات الأخرى لفتحها. تتخصص فيرجين أوربت في الحمولات الصغيرة منخفضة التكلفة؛ من خلال استخدام طائرةٍ لتكون بمثابة منصّة إطلاق. يمكن لصاروخ «لانشر ون»؛ البالغ طوله 21 متراً، حمل حوالي طنّ من المواد إلى المدار، بينما يبلغ طول صاروخ «فالكون-9» 70 متراً، ويمكنه حمل حتى 50 طناً من المواد.

لكن يمكن لصاروخ لانشر ون تعويض القوة التي يفتقر إليها بامتلاكه المرونة؛ إذ أن الطائرة التي تحمل الصاروخ- من الناحية النظرية- يمكنها الطيران والانطلاق من أي مطار في العالم؛ مما يمنح العملاء القدرة على شراء رحلة إلى المدار المحدد الذي يريدونه، كما أن عمليات الإطلاق منخفضة التكلفة نسبياً أيضاً؛ حيث تبلغ الرحلة الفضائية الواحدة حوالي 12 مليون دولار أميركي؛ أي أقل بحوالي 4 إلى 5 مرات من تكلفة إطلاق صاروخ فالكون-9.

تقدم الشركتان خدمات مختلفة؛ حيث يُعتبر نظام النقل الذي تبنيه «سبيس إكس» أشبه بنظام نقل السكك الحديدية؛ والذي يوفّر نقل كمية كبيرة من البضائع بأقل سعرٍ ممكن لوحدة الوزن. على النقيض من ذلك، تسعى فيرجين أوربت إلى بناء نظام نقل أشبه بشركة نقل الركّاب؛ حيث تنقل الأفراد والمجموعات الصغيرة إلى المكان الذي يريدون الذهاب إليه مقابل سعر أقلّ لكل رحلة. تسمح كلتا الشركتين بالرحلات المشتركة للعملاء لتوزيع التكلفة، ولكن الأمر يتطلّب الكثير من الوقت لملء مقاعد فالكون-9؛ لذلك غالباً ما تخضع المهمات الأصغر لشروط المهمات الأكبر عند انضمامها معاً على متن الصاروخ، ومن هنا، تراهن شركة فيرجين أوربت على أن مصنّعي الأقمار الصناعية الصغيرة سيدفعون أكثر مقابل رحلة سريعة ومريحة إلى الفضاء بدلاً من الانتظار.

بعد رحلتها التجريبية الناجحة، أصبحت فيرجين أوربت جاهزة للعمل الآن، وقد وقّعت عقوداً مع القوة الفضائية للولايات المتحدة، والقوات الجوية البريطانية، وغيرهم من العملاء؛ حيث يمكن أن تبدأ بتنفيذ رحلاتها هذا العام.

يمكن للشركة الوصول إلى الفضاء، ولكن هل ستحقق أرباحاً من خلال رحلاتها؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام. في الواقع، تزداد المنافسة في سوق إطلاق الصواريخ الخفيف في الوقت الذي تقل فيه أحجام الأقمار الصناعية بالفعل. لقد وضعت شركة «روكيت لاب»؛ وهي شركة نيوزيلندية أميركية، ما يقارب 100 قمر صناعي صغير في المدار منذ عام 2018، بتكلفة تبلغ 5 ملايين دولار لكل عملية إطلاق، كما تعمد شركتا «فايرفلاي» و«أسترا» إلى تطوير قدراتٍ مماثلة، وفي حين أن الشركات الثلاث (روكيت لاب وفايرفلاي وأستر) لم تنفق سوى 100 مليون دولار على تصميم واختبار صواريخها؛ فقد بلغت استثمارات فيرجين أوربيت نحو مليار دولار وفقاً لتقرير وَرد في موقع «آرس تكنيكا» الذي يُعنى بالأخبار التكنولوجية.

بلو أوريجن

هي شركة أخرى حديثة أسسها «جيف بيزوس» جزئياً من خلال بيع ممتلكاته في أمازون، وتتطلع إلى تقديم خدمات النقل الفضائية الصغيرة. في حين تقوم بلو أوريجين حالياً بتطوير مركباتٍ فضائية تنافس سبيس إكس في توصيل الحمولات إلى مدار الأرض المنخفض، وحتى إلى القمر؛ فقد أظهرت تقدماً كبيراً في هذا الصدد بصاروخها الجديد «نيو شيبارد» القابل لإعادة الاستخدام بالكامل لنقل كبسولةٍ مأهولةٍ إلى الحواف الخارجية من غلافنا الجوي.

اختبرت بلو أوريجن صاروخها نيوشيبارد للمرة الرابعة عشر في 14 يناير/ كانون الثاني الماضي تحضيراً لإطلاق رحلةٍ مأهولة. انطلق الصاروخ من صحراء غرب تكساس حاملاً مركبة «آر آر اس فيرست ستيب» القابلة لإعادة الاستخدام، إلى ارتفاع أكثر من 104 كم؛ أي أبعد قليلاً من 100 كم؛ وهو الارتفاع الذي يُعتبر بداية الفضاء الخارجي. انفصلت فيرست ستيب عن الصاروخ بالقرب من نهاية المسار؛ أي في الجزء من الرحلة التي يمكن للطاقم المستقبلي اختبار انعدام الجاذبية عنده لفترةٍ وجيزة من الوقت، ثم هبط الصاروخ والمركبة بأمانٍ على الأرض. شقّ نيو شيبرد طريق العودة بشكلٍ مستقل إلى منصة الإطلاق، بينما نشرت كبسولة الطاقم مظلات وهبطت على بعد حوالي 10 دقائق من منصة الإطلاق.

أظهرت هذه الرحلة التجريبية عدداً من التحسينات التي أُدخلت على كبسولة الطاقم، مع إبراز الجانب السياحي الفضائي للمركبة؛ مثل النوافذ الضخمة التي تسمح بالمشاهدة بزاوية 360 درجة، ونظام اتصالات جديد يربط الركاب بمركز التحكّم بالمهمة، بالإضافة لضوابط بيئية تحمي النوافذ من تشكّل الضباب عليها، ووفقاً لشبكة «سي إن بي سي»؛ تعتزم الشركة إجراء اختبارٍ مماثل قبل إطلاق رحلةٍ مأهولةٍ في وقتٍ لاحق من هذا العام ربما.

تقول «أريان كورنيل»؛ مديرة المبيعات الشركة، في بثّ عبر الإنترنت أثناء إجراء التجربة الأخيرة: «لقد اقتربنا للغاية من إطلاق أول رحلةٍ فضائية مأهولة؛ ولذلك من المهم اختبار هذه الأنظمة».

إذا تمكنت بلو أوريجين من الالتزام بهذا الجدول الزمني، فقد تصبح أول شركة توفر الوصول إلى الفضاء «بميزانية محدودة». بالرغم من أنها الشركة لم تعلن رسمياً عن أسعار رحلاتها؛ التي ستستغرق 10 دقائق، إلا أن التقارير الواردة من وكالة رويترز تشير إلى أن التذاكر قد تترواح بين 200 ألف دولار إلى 300 ألف دولار؛ أي بأسعار مماثلة إلى حدّ ما الأسعار التي تطرحها منافستها السياحية فيرجين جالاكتيك للرحلات دون المدارية. في الواقع، من الصعب اعتبار رحلةٍ قصيرة مشوقة بسعر يبلغ سعر منزل ذات تكلفةٍ مقبولة؛ ربما يمكننا اعتبارها كذلك بالمقارنة مع تكلفة الطرق الأخرى المتاحة للسفر إلى الفضاء خلال هذا العقد؛ والتي تصل في بعض الأحيان إلى عشرات الملايين من الدولارات.

ستكون صناعة سياحة الفضاء على موعدٍ للحصول على إجابةٍ على السؤال الذي ظل لسنوات عديدة ليس أكثر من مجرد تخمينات: كم عدد الأشخاص الذين سيكونون على استعداد لحرق ثروةٍ صغيرة للوصول إلى حافة الفضاء؟

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.