Reading Time: 3 minutes

مقال من «ذا كونفيرسيشن»


أصبحنا في عصرنا هذا قادرين فيه على فك الشيفرة الجينية الخاصة بكل واحد منا، وهي سلسلة تتألف من 3.2 مليار «حرف» دي أن أيه فريدة لكل شخص، وتمثّل مخططاً تفصيلياً لأدمغتنا وأجسامنا.

تكشف هذه السلسلة عن مدى تأثر سلوكياتنا بالاستعدادات البيولوجية، والذي قد يعني أننا نميل لتطوير خواص وسمات محددة. بينت الأبحاث أن الجينات ليست مسؤولة فقط عن الطول ولون الأعين أو وزن الجسم فحسب، لكنها ذات علاقة بقابلية تعرضنا للأمراض العقلية، وطول العمر، والذكاء والاندفاعية. هذه السمات تكون مفروضة علينا من قبل جيناتنا، ولكن بدرجات متفاوتة. وأحياناً تتعاون آلاف الجينات معاً لانتاج أحدها.

تحدد أغلب هذه الجينات بنية وطريقة عمل الشبكات العصبية الدماغية في المرحلة الجنينية. يمكننا الآن رؤية دماغ رضيع أثناء تشكله، حتى من قبل 20 أسبوع من الولادة. يمكن أن تحدث تغيرات في بنية الشبكية العصبية عند الجنين ترتبط بشكل وثيق بوجود جينات تزيد قابلية التعرض لاضطراب طيف التوحد، واضطراب فرط النشاط مع نقص الانتباه (أيه دي أتش دي). كما أن هذه الجينات تزيد قابلية التعرض لأمراض قد لا تظهر إلا بعد عقود، مثل اضطراب ثنائي القطب، الاضطراب الاكتئابي الحاد و الانفصام.

نتعرض بشكل متزايد إلى احتمالية أن تكون الاستعدادات لاتباع سلوكيات أكثر تعقيداً مفروضة علينا من أدمغتنا. هذه السلوكيات قد تتضمن اختيارنا للمعتقدات، وكيفية تشكيل آرائنا السياسية، وحتى كيفية بناء الصداقات.

الطبيعة والتنشئة مترابطتان

هناك أيضاً طرق أخرى لننقل فيها قصص حياتنا إلى الأجيال التالية. غير النقش في المادة الوراثية.

«علم الوراثة اللاجيني» هو مجال بحث علمي جديد نسبياً يمكن أن يكشف لأي مدى يمكن أن تتداخل العوامل الطبيعية (الجينية) والتنشئة (العوامل البيئية). لا يبحث هذا العلم في التغيرات التي تطرأ على الجينات نفسها، بل على التعديلات التي تطرأ بسبب تجارب الحياة، والتي تغير طريقة التعبير عن الجينات.

بحثت دراسة في 2014 في التغيرات الوراثية اللاجينية عند الفئران. الفئران تحب رائحة الكرز، وعندما تصل هذه الرائحة إلى أنوفها، تنشط منطقة متعةٍ في أدمغتها، مما يدفعها للانطلاق والبحث عن الكرزة. قرر الباحثون إرفاق الرائحة بصعقة كهربائية خفيفة. وبسرعة، تعلمت الفئران أن تجمد مكانها بترقّب.

وجدت الدراسة أن الذاكرة انتقلت عبر الأجيال. إذ كان لدى أحفاد هذه الفئران خوف من الكرز، على الرغم من أنهم لم يختبروا الصدمات الكهربائية. تغيّر شكل المادة الوراثية في نطاف الأجداد بطريقة ولّدت بصمة للتجربة تخزنّت في الجينات.

هذا المجال البحثي جديد وقيد الإنجاز. لذلك لا يزال هناك تساؤلات حول مدى انطباق ما سبق على البشر. لكن تشير النتائج الأولية إلى أن التغيرات الوراثية اللاجينية الناجمة عن أحداث مؤلمة تؤثر في الأجيال اللاحقة.

بينت دراسة أخرى أن معدل موت أبناء مساجين الحرب الأهلية الأميركية عند عمر الـ 40 أكثر بـ 11%. بينت دراسة ضيقة أخرى أن الناجين من محرقة اليهود وأبنائهم حملوا تغيرات وراثية لاجينية على أحد الجينات التي ترافقت مع نسب الكورتيزول لديهم، وهو هرمون له علاقة بالاستجابة للتوتر. هذا أمر صعب التخيل، لكن النتائج تشير إلى أن أفراد الأجيال اللاحقة يعانون من ارتفاع في معدل الكورتيزول الكلي. مما يجعلهم عرضة أكثر للإصابة باضطرابات القلق.

هل نملك أي مجال لحرية الاختيار؟

بالطبع، ليس الأمر أن مسار حياتنا مقدّراً ببساطة من قبل الأدمغة التي نولد بها، أو المادة الوراثية التي حصلنا عليها من أهالينا، أو الذكريات الآتية من أجدادنا.

هناك لحسن الحظ مجال للتغيير. أثناء عملية التعلم، تتشكل وصلات جديدة بين الخلايا العصبية. وأثناء التدرب على مهارة جديدة، أو استرجاع تعلم شيء ما، تتقوى هذه الوصلات ويترسّخ التعلم على شكل ذاكرة. إذا استُرجِعت الذاكرة بشكل متكرر، فهي تصبح مساراً افتراضياً للإشارات العصبية في الدماغ، مما يعني أن السلوك المتعَلَّم أصبح عادة.

خذ ركوب الدراجة الهوائية كمثال. نحن لا نولد بقدرة على ركوب الدراجة، لكن عن طريق التجربة والخطأ، يمكننا تعلم ذلك.

تشكل أفكار مشابهة لهذا الأساس لعمليتيّ الإدراك والإدارة. إذ نحن نصنع ونقوّي الوصلات العصبية مع تحركنا في بيئتنا وتشكيل أفكار حول العالم حولنا.

لكن أحياناً، ما تعلمناه في الماضي يعمي نظرنا عن الحقائق المستقبلية (شاهد الفيديو أدناه). كلنا نميل لرؤية وجوه في العالم حولنا. وهذا الانحياز يدفعنا لتجاهل الدلائل الظلالية التي تبين أن ما في الفيديو هو الوجه الخلفي للقناع. ولكننا نعتمد على المسارات المجربة داخل أدمغتنا، مما يولّد صورة لوجه آخر.

هذا الوهم يبين مدى صعوبة تغيير قناعاتنا. هوياتنا وتوقعاتنا مبنية على خبرات سابقة. وقد يحتاج التخلص من العادات الكثير من الطاقة الذهنية.

آلات أنيقة

كما أستكشف في كتابي الأخير الذي نُشر السنة الماضية، «علم القَدَر» هذا البحث ينظر إلى واحدة من أكبر ألغاز الحياة: قدرتنا الخاصة على الاختيار.

بالنسبة لي، هناك شيء جميل في أن ننظر لأنفسنا كآلات أنيقة حيث تُعالج المُدخلات الآتية من العالم حولنا في أدمغتنا الفريدة لإنتاج مُخرجات هي سلوكنا.

مع ذلك، قد يتمنى العديد منا التخلص من فكرة أننا آلات. الحتمية البيولوجية، وهي الفكرة القائلة بأن السلوك البشري غريزي تماماً، تجعل الناس مهتاجين بحق. من المكروه التفكير بأن الأفعال المروّعة في تاريخنا قام بها أشخاص كانوا عاجزين عن إيقافها، لأن ذلك يشير لاحتمالية حدوثها مجدداً.

ربما بدلاً من ذلك، يمكننا أن ننظر لأنفسنا على أننا غير مقيّدين بجيناتنا. إن الاعتراف بالحقائق البيولوجية التي تؤثر في شخصياتنا قد يمكننا عندها من جمع قوانا واستغلال إمكانياتنا الذهنية الجمعية لتغير العالم نحو الأفضل.