Reading Time: 4 minutes

كيف تطوّر الذكّاء البشري؟ في الواقع، لقد حاول علماء الأنثروبولوجيا الإجابة على هذا السؤال منذ عقودٍ من خلال دراسة المكتشفات الأثرية الأحفورية ،والبحث عن أدلة استخدام الإنسان الأول للنار وغيرها، بالإضافة لدراسة التغيرات في قياسات حجم دماغ الإنسان من خلال اللقى من الجماجم الأحفورية.

لكنّنا، وبالعمل المشترك مع الزملاء في معهد الدراسات التطورية بجامعة ويتواترسراند في جنوب إفريقيا، وجدنا طريقةً جديدةً لتقدير ذكاء أسلافنا.

فمن خلال دراسة الجماجم الأحفورية، قمنا بتحديد كمية الدم ومقدار الطاقّة التي كانت تستخدمهما أدمغة الهومين القدماء لكي تعمل، حيث يمنحنا تقدير استخدام الدماغ للطاقة مقياساً لمستوى وقدرة تفكيرهم عموماً. وقد وجدنا أن معدل تدفّق الدم إلى الدماغ؛ قد يكون مؤشراً أفضل على القدرة الإدراكية من مؤشّر حجم الدماغ لوحده.

الدماغ مثل كمبيوتر عملاق

غالباً ما كان العلماء يفترضون حدوث زيادةٍ في الذكاء في أسلاف الإنسان (الهومو)، مع زيادة حجم الجمجمة والدماغ لديهم. عموماً، يُعتبر هذا الافتراض معقولاً؛ فبالنسبة للكائنات العليا، يتناسب عدد الخلايا العصبية مع حجم المخ. وتشير دراسات أخرى على الثدييات أن معدّل الأيض -مقدار الطاقة اللازمة لعمله- في الدماغ يتناسب أيضاً مع حجمه تقريباً.

تنطوي معالجة المعلومات في الدماغ على الخلايا العصبية (الأعصاب) والروابط بينها (المشابك العصبية). وتُعتبر نقاط التشابك أو الترابط العصبي مواقع معالجة المعلومات، ويمكن تشبيه دورها إلى حدٍّ كبير بدور مفاتيح الترانزستور بالنسبة لجهاز الكمبيوتر.

يحتوي الدماغ البشري على أكثر من 80 مليار خلية عصبية، وما يصل إلى 1000 تريليون من المشابك العصبية. على الرغم من أنه يشغل 2% فقط من الجسم، يستهلك الدماغ حوالي 20% من طاقة الشخص في حالة الراحة. في حين تستخدم المشابك العصبية حوالي 70% من هذه الطاقة لإنتاج مواد كيميائية عصبية تنقل المعلومات بين الخلايا العصبية.

لفهم مقدار الطاقة التي استخدمتها أدمغة أسلافنا، ركزنا على معدّل تدفق الدم إلى الدماغ. نظراً لأن الدم يزود الدماغ بالأكسجين الضروري، لذلك يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالطاقة التي تستخدمها المشابك العصبية، حيث يتطلب الدماغ البشري حوالي 10 مل من الدم كل ثانية. هذا يتغير قليلاً بشكل ملحوظ، حسب إذا كان الشخص مستيقظاً أو نائماً أو يمارس الرياضة، أو يحل مشاكل الرياضيات الصعبة.

في هذا الصدد، يمكننا أن ننظر إلى الدماغ كما لو كان حاسوب عملاق غالي الثمن. كلما زادت قدرة الكمبيوتر، زادت الطاقة التي يحتاجها كي يستمر بالعمل؛ وبالتالي يزداد حجم كابلات الكهرباء التي تزوّده بالطاقة. وهكذا هو الحال مع الدماغ؛ كلما ازدادت صعوبة الوظيفة المعرفية التي يؤديها، زاد معدل الأيض وبالتالي يزداد تدفق الدم، وتزداد ثخانة الشرايين التي تزود الدماغ بالدم.

قياس حجم الشريان من الجماجم

يتدفق الدم إلى الجزء الذي يقوم بالعمليات الإدراكية من الدماغ، أي المخ، من خلال اثنين من الشرايين السباتية الداخلية. يرتبط حجم هذه الشرايين بمعدل تدفق الدم من خلالها. ومثلما يقوم السبّاك بتركيب أنابيب مياه أكبر لاستيعاب معدل تدفق أعلى لمبنى أكبر، يقوم الجهاز الدوري بتعديل أحجام الأوعية الدموية لتتوافق مع معدل تدفق الدم فيها. ويرتبط معدل التدفق بدوره بمقدار الأكسجين الذي يتطلبه العضو.

أنشأنا في البداية العلاقة بين معدل تدفق الدم وحجم الشريان باستخدام 50 دراسة تشمل التصوير بالموجات فوق الصوتية، أو الرنين المغناطيسي للثدييات. يمكن معرفة حجم الشرايين السباتية الداخلية عن طريق قياس حجم الثقوب التي تنفذ منها في قاعدة الجمجمة مثلاً.

أسلاف البشر, نظرية التطور, الإنسان, الذكاء, متحف

يتناسب سُمك الشرايين الواردة إلى الدماغ مع حجم الثقوب في قاعدة الجمجمة — الصورة: الكاتب

بعد ذلك، قمنا بقياس حجم هذه الثقوب في جماجم 96 من القردة الكبيرة، بما في ذلك قرود الشمبانزي وأورانجوتان والغوريلا. قارنا الجماجم بـ 11 أحفوريةً من «أورينلوبيثكس هومينين» الذي عاش قبل حوالي 3 ملايين سنة.

يبلغ حجم أدمغة الشمبانزي وأورانجوتان حوالي 350 مل مكعّب، في حين أن حجم الغوريلا وأورينلوبيثكس هومينين أكبر قليلاً عند 500 مل مكعّب. حسناً، تقليدياً سيُقال أن وأورينلوبيثكس هومينين يجب أن يكون ذكياً مثل الآخرين على الأقل. لكّن دراستنا أظهرت أنّ دماغ أورينلوبيثكس هومينين ليس لديه سوى ثلثي حجم تدفّق الدم الذي لدى قرد الشمبانزي أو قردِ أورانجوتان، ونحو نصف معدّل تدفق الدم لدى الغوريلا.

لقد قام علماء الأنثروبولوجيا في كثيرٍ من الأحيان بتصنيف موقع أورينلوبيثكس هومينين بين القردة والبشر من حيث الذكاء، لكننا نعتقد أن هذا قد يكون خطأً وقعوا به.

المسار الفريد لتطور الدماغ البشري

أسلاف البشر, نظرية التطور, الإنسان, الذكاء, متحف

تطلبت أدمغة أسلافنا المزيد من الطاقة بمرور الزمن — مصدر الصورة: الكاتب

يبدو أن معدل تدفق دم الشريان السباتي الداخلي لدى البشر، والعديد من الرئيسيات الحية الأخرى يتناسب بشكلٍ مباشر مع حجم الدماغ. وهذا يعني أنه إذا تضاعف حجم الدماغ، فإن معدل تدفق الدم يتضاعف أيضاً. وذلك غير مُتوقع لأن معدل الأيض في معظم الأعضاء يزداد ببطءٍ أكثر بازدياد حجم العضو. وفي الثدييات تحديداً، يؤدي مضاعفة حجم العضو إلى زيادة معدل الأيض عادةً بعامل قدره 1.7.

وهذا يشير إلى أن شدة الأيض لدى أدمغة الرئيسيات -أي كمية الطاقة التي يستهلكها كل جرام من مادة الدماغ كل ثانية-؛ زادت بشكلٍ أسرع مما كان متوقعاً مع زيادة حجم الدماغ. بالنسبة للهومينين، كان النمو أسرع منه في الرئيسات الأخرى.

في الواقع، لقد تضاعف حجم الدماغ نحو 5 مرّات بين جنس أرديبيتيكوس، الذي عاش قبل 4.4 مليون عام تقريباً، وبين الإنسان العاقل (هومو سابين)، بالمقابل، تضاعف معدّل تدفّق الدمّ تضاعف 9 مرّات. ويشير هذا إلى أن كل جرام من المادّة الدماغية كانت تستخدم ضعف الطاقة تقريباً، ومن الواضح أن ذلك يرجع إلى نشاط أكبر لنشاط المشابك العصبية ومعالجة المعلومات.

وبذلك يظهر أن معدّل تدفق الدم إلى الدماغ قد زاد مع مرور الوقت في جميع الأنساب الرئيسية للإنسان. ولكن في سلالة هومين، ازداد بسرعةٍ أكبر بكثير من سائر الرئيسيات. وقد ترافق ذلك التسارع مع ظهور استخدام الإنسان للأدوات، واستخدام النار وبلا شكّ تطوّر العلاقات الإجتماعية ضمن المجموعات الصغيرة.

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن