Image

بعض الحذر مفيد، شريطة ألا يتحول الأمر إلى وسواس مرضي

Bread assortment بعض المواد المسرطنة تستحق الحذر منها.
مصدر الصورة: بيكساباي

خرجت علينا في السنوات القليلة الماضية عشرات المقالات التي تدعي بأننا محاطون بشتى أنواع العوامل أو المواد المسرطنة، ابتداءً بأشعة الشمس فوق البنفسجية، وانتهاءً بالخبز المحروق. والسؤال الذي يطرح نفسه، هل ينبغي علينا، بناءً على ذلك، تجنب التعرض لتلك المواد واستبعادها من حياتنا بشكل نهائي؟ حسناً، تعتمد الإجابة على المادة بحد ذاتها، ومدى تعرضنا لها.

بلا شك، هناك بعض المواد أو العوامل التي تزيد من خطر الإصابة بالسرطان. فعلى سبيل المثال، أظهرت عشرات الدراسات العلمية بأن المواد الكيميائية الموجودة في السجائر هي مواد مسرطنة بدرجة كبيرة، مما حدى بجميع المنظمات الصحية حول العالم للتحذير من التدخين. وحتى الأشعة فوق البنفسجية (التي توجد في أشعة الشمس)، فقد تحدث تغيرات في خلايا الجلد وتحولها إلى خلايا سرطانية.

ولكن نتائج تلك الدراسات ليست حتمية دائماً. وقد أجمع العلماء والباحثون على أن المواد المسرطنة لا تُسبب السرطان حتماً، وإنما تزيد من خطر الإصابة به.

كيف يمكن للمواد المسرطنة أن تُسبب السرطان؟

إن تحول الخلية الطبيعية إلى خلية سرطانية يستدعي بدايةً حدوث تغيرات على مستوى الحمض النووي DNA، وهو البنية المعقدة المُكونة من حوالي 3 مليارات وحدة بناء (نيكلوتيدات)، تتضمن المعلومات الضرورية للخلية للبقاء على قيد الحياة والقيام بوظائفها.

ومع انقسام الخلايا وتوريث الحمض النووي للخلايا الجديدة، قد تحدث أخطاء في نسخ بيانات الحمض النووي، مما يؤدي إلى تغيرات في أجزاء منه تكون مسؤولة عن وظائف محددة مثل التكاثر، مما يؤدي في النهاية إلى انفلات عملية التكاثر الخلوي وحدوثها بشكل سريع وعشوائي.

ولكن الجسم بدوره لا يقف عاجزاً أمام تلك الأخطاء. حيث تمتلك الخلايا “مدققات إملائية” -إن صح التعبير-، وهي عبارة عن بروتينات تعمل على اكتشاف أخطاء نسخ الحمض النووي وإصلاحها. يقول جون جروبمان، الأستاذ بجامعة جون هوبكنز الأميركية: “قد تمتلك بعض الخلايا قدرة أكبر من غيرها على إصلاح أخطاء نسخ الحمض النووي، في حين قد تمتلك خلايا أخرى قدرة أقل.

وقد خلُصت دراسة حديثة جرى نشرها مؤخراً، إلى أن ثلثي الطفرات الوراثية المسؤولة عن الإصابة بالسرطانات تنجم عن أخطاء روتينية في عملية نسخ الحمض النووي DNA.

ويكمن السبب المهم الآخر للطفرات الوراثية في البيئة والظروف المحيطة، بما في ذلك التعرض للعوامل والمواد المسرطنة. ولكي يكتمل تعقيد المشهد أمامنا، فإن المواد المسرطنة تعمل بآلية مختلفة لكي تُسبب هذه الطفرات الوراثية. فعلى سبيل المثال، يؤدي التعرض للأشعة فوق البنفسجية إلى إلحاق الضرر بأجزاء من الحمض النووي، أما التعرض للزرنيخ فيؤدي إلى تعطيل الآليات المسؤولة عن إصلاح أخطاء نسخ الحمض النووي. ولهذا السبب، يعتقد الباحثون بأن الإصابة بالسرطان هي عملية تراكمية، تتضافر فيها العديد من العوامل المؤدية إلى تحول الخلية الطبيعية إلى خلية سرطانية، سواءً كانت تلك العوامل وراثية، أو ناجمة عن التعرض لمواد مسرطنة ألحقت ضرراً بالحمض النووي، أو ناجمة عن خلل في آليات إصلاح أخطاء نسخ الحمض النووي.

كيف نعلم ما إذا كانت المواد المسرطنة تستحق الحذر منها أم لا؟

تقول ليندا بيرنبوم، مديرة المعهد الوطني لعلوم الصحة البيئية والبرنامج الوطني للسموم: “من الضروري جداً ألا يتحول تجنب المواد أو العوامل المسرطنة إلى سلوك وسواسي. فالحكمة مطلوبة دائماً، وكثيراً ما يكون تجنب التعرض الزائد لتلك العوامل كافياً للوقاية من السرطانات المرافقة لها”.

تقول سوزان جابستور، نائبة رئيس برنامج أبحاث وبائيات الصحة في الجمعية الأميركية للسرطان: “إن تقليل التعرض للمواد المسرطنة يساعد بلا شك على الحد من خطر السرطان. فعلى سبيل المثال، يؤدي الإقلاع عن التدخين إلى الحد من خطر سرطان الرئة. وإن ذلك تؤيده العشرات من الدراسات التي وجدت ارتباطاً بين التدخين والإصابة بالسرطان، بالإضافة إلى الدراسات التي بحثت في آثار المواد الكيميائية الموجودة في التبغ على الحمض النووي للخلايا”.

ولكن، قد لا تتفق جميع الدراسات على أن مادة معينة هي مادة مسرطنة، وإن توصل دراسة واحدة فقط لمثل تلك النتيجة قد لا يكون كافياً لإثارة القلق تجاهها. وفي بعض الأحيان، قد تتحرى الدراسات مادة معينة في ظروف مخبرية مختلفة عن الظروف الحيوية أو السريرية، أو تتحرى تأثيرها عند الحيوانات، أو باستخدام جرعات لا يمكن للشخص العادي تناولها أو التعرض لها، وبالتالي فقد لا تكون نتائجها منطقية. ولا يمكن اعتبار مادة بأنها “مسرطنة” ما لم تتوفر بيانات ودراسات كافية حولها.

وبحسب جاكوب جنسن، العميد المساعد والأستاذ بجامعة يوتاه الأميركية، فإن المواد المسرطنة تتفاوت بقدرتها على التسبب بسرطان. ويُشير جنسن إلى أنه ومن خلال عمله في مجال أبحاث السرطان، فقد لاحظ بأن كثيراً من الناس يعتقدون بأن المواد والعوامل المسرطنة تُحيط بنا من كل جانب، مما قد يدفعهم للشعور بأن الأمر بات خارج السيطرة ولا يمكن فعل شيء حيال ذلك. ولكن الأمر ليس كذلك أبداً.

وإذا أردت معرفة المزيد حول المواد المسرطنة، فيمكنك قراءة لائحة المواد المسرطنة التي تُصدرها الوكالة الدولية لأبحاث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية (والتي تعمل تحت مظلة المعاهد الوطنية للصحة)، أو القائمة التي تُصدرها الجمعية الأميركية للسرطان. حيث تبذل كلتا الجهتين جهوداً جبارةً في تحرير تلك القوائم، وتعملان باستمرار على مراجعة الدراسات الحديثة في هذا الصدد، وتقييم ما إذا كانت المواد المدروسة مسرطنة فعلاً أم لا.

ما الذي يمكننا فعله لوقاية أنفسنا من العوامل أو المواد المسرطنة؟

عند إلقاء نظرة أولية على لائحة المواد المسرطنة، فقد ندهش لكثرتها وتنوعها. ولكن لا داعي للقلق، فالكثير من تلك المواد لا علاقة لنا بها وقد لا نصادفها في حياتنا كلها. فعلى سبيل المثال، هل سبق أن سمعت بمادة 1-2 ديكلوروبروبان؟ إنها مادة تنجم بشكل ثانوي عن تصنيع المنظفات المنزلية، وبالتالي إذا لم تكن تعمل في صناعة المنظفات فلن تتعرض لتلك المادة. وهذا هو شأن العديد من المواد المدرجة في قائمة المواد المسرطنة، حيث يُستخدم الكثير منها في الصناعات المختلفة، وقد يكون بعضها أكثر خطورة من المنتجات التي تُصنّع منها. فعلى سبيل المثال، يمكن لمادة فينيل كلوريد أن تُسبب سرطان الكبد، إلا أنها تصبح آمنة عندما تُصنّع بشكل أنابيب PVC صلبة (التي تُستخدم بشكل واسع في التمديدات المنزلية). كما إن توجد في تلك قوائم المواد المسرطنة أدوية تُستخدم في علاج السرطان نفسه.

ولكن هذا لا يعني بأن المشكلة انتهت عند ذلك الحد، فهناك الكثير من الجهد لنقوم به للحد من خطر السرطان الناجم عن عوامل مسرطنة رئيسية، مثل الأشعة فوق البنفسجية، والتبغ، والكحول، وبعض أشكال العدوى الفيروسية. يقول جنسن: “تعمل المواد المسرطنة ببطء شديد، مما يمنحنا بعض الوقت لدراستها واتخاذ قرار مناسب بشأنها”.

يقول جروبمان: “قد يستغرق الأمر سنوات طويلة بين بدء الإصابة السرطانية وظهور أعراضها وتشخيصها، وهو ما يمنحنا وقتاً طويلاً لتشخيصها بشكل مبكر واتخاذ إجراءات وقائية”.

وتنصح بيرنبوم بتقليل التعرض للمواد المسرطنة قدر الإمكان. فعلى سبيل المثال، قد لا يكون من الممكن دائماً الحد من التعرض لأشعة الشمس، إلا أنه من الممكن دائماً ارتداء نظارات شمسية تؤمن وقايةً تجاه الأشعة فوق البنفسجية، وخاصةً في الأيام المشمسة والحارة، أو تطبيق مستحضرات جلدية واقية من الشمس، كما يُنصح بتجنب استخدام أجهزة التسمير بالأشعة فوق البنفسجية. كما إن التوقف عن التدخين وتجنب المشروبات الكحولية من شأنه أن يُقلل من خطر العديد من الأمراض السرطانية التي يسببها استهلاك هاتين المادتين. وإن أخذ لقاحات ضد السرطانات التي تُسببها بعض أشكال العدوى الفيروسية، مثل التهاب الكبد ب والتهاب الكبد سي والفيروس الحليمي البشري HPV، من شأنه أن يومن بعض الوقاية أيضاً، فلطالما لعبت الفيروسات دوراً في الإصابة بالسرطان.

أما على الصعيد اليومي، فيمكن لكل الشخص البدء بتعديل نمط حياته لكي يدرأ عن نفسه خط السرطان. فمن شأن اتباع نظام غذائي صحي وممارسة التمارين الرياضية بانتظام أن يساعدا على الحد من خطر السرطان. تقول جابستور: “يساهم كل من داء السكري والبدانة في زيادة خطر أنواع محددة من السرطان، لأنهما يزيدان من مستويات بعض الهرمونات، ويزيدان من نشاط الجهاز المناعي، ويُفسدان بعض العمليات الحيوية في الجسم.” كما إن التحري المنتظم عن السرطان يُعد أمراً ضرورياً للكشف عن الخلايا السرطانية في مهدها قبل أن تتكاثر وتنتشر في أنحاء الجسم.

يقول جروبمان: “إن تشخيص السرطان عند شخص يتمتع بصحة جيدة يكون أقل وطأة من تشخيصه عند شخيص مريض ومُتعَب أساساً، إذ إن الصحة الجيدة تساعد المريض على تحمل إجراءات العلاج”.

وفي الختام نقول: صحيحٌ أنه هنالك العديد من المواد والعوامل المسرطنة المحيطة بنا التي لا يمكننا تجنبها كلها، إلا أن التعرض لها لا يعني حتمية الإصابة بالسرطان. من جهةٍ أخرى، هناك الكثير من الأشياء التي بوسعنا القيام بها للتقليل من خطر المواد المسرطنة، فلا داعي للكثير من القلق بهذا الشأن.

error: Content is protected !!