Reading Time: 4 minutes

نشأت الزراعة في 5 مناطق في العالم بشكلٍ مستقل، حيث بدأت تعتمد هذه المناطق الخمسة على إنتاج الغذاء من الزراعة وتدجين الحيوانات قبل أي مناطق أخرى، ثم بدأ انتقال هذا الأسلوب في إنتاج الغذاء إلى مناطق أخرى، وهي: الهلال الخصيب، الصين، وسط أميركا، مناطق جبال الأنديز، حوض الأمازون، وشرق أميركا الشمالية.

بالإضافة لتلك المناطق فإنه توجد بقاع أخرى من العالم قد نشأ فيها إنتاج الغذاء بشكلٍ شبه مستقل مثل مناطق الساحل الأفريقي وشرق أفريقيا الإستوائية، وأثيوبيا وغينيا الجديدة رغم عدم استقرار الدراسات على تلك المناطق بعد.

وقد أصبح من المؤكد أن أولى تلك المناطق التي حدث بها تطور لإنتاج الغذاء بشكلٍ مستقل؛ هي منطقة الهلال الخصيب جنوب غربي آسيا. فقد أكدت الدراسات بداية تدجين النباتات البرية للزراعة بداية من 8500 سنة قبل الميلاد، كما أصبح من المؤكد أن تدجين الحيوانات للتربية والغذاء بدأ هناك منذ 8000 سنة قبل الميلاد. بذلك تصبح منطقة الهلال الخصيب سابقة لمناطق إنتاج الغذاء في الصين وشرق الولايات المتحدة، والتي نشأت فيها الزراعات الأولى منذ 6000 عام قبل الميلاد.

هناك مجموعة أخرى من المناطق التي قامت بتربية نوعين أو أكثر من النباتات البرية للزراعة، أو حيوانات برية محلية لإنتاج الغذاء، على الرغم من اعتمادها في الأساس على زراعة وتربية نباتات وحيوانات تم تدجينها في مناطق أخرى. وصول تلك النباتات والحيوانات المدجنة ساعد السكان المحليين على بداية الاستيطان النهائي، والتوقف عن الترحال، كما ساعدهم على نقل خبرة تدجين النباتات والحيوانات المحلية. وفي حالاتٍ كثيرة كان وصول تلك المجموعة الأولية من الحيوانات والنباتات المدجنة للمناطق الجديدة من منطقة الهلال الخصيب في الأساس.

غذاء, حيوانات, برية, نباتات, خرائط

نجد مثل تلك الحالات في مناطق شرق ووسط أوروبا، حيث ازدهر إنتاج الغذاء في الفترة بين 6000 سنة و3500 سنة قبل الميلاد، على الرغم من أن هذه المناطق كانت قد قامت بتربية نوع واحد على الأقل من النباتات البرية بشكلٍ مستقل في الزراعة؛ (مثل زراعة الخشخاش وربما الشوفان)، حيث لم تظهر بذور الخشخاش قبل ذلك الوقت في مناطق شرق المتوسط، أو جنوب غرب آسيا، فقد تأكد ظهورها بشكلٍ مستقل في شرق أوروبا.

في حالة أخرى نجد أن عملية تدجين النباتات والحيوانات البرية المحلية قد ظهرت مباشرة بعد وصول الزراعة من مناطقها الأصلية في الهلال الخصيب، على ضفاف نهر السند، في شبه القارة الهندية. بدأت زراعة القمح والشعير هناك مع محاصيل أخرى بعد وصولها من مناطق تربيتها الأصلية في الهلال الخصيب وعبر إيران، ثم بعد ذلك تم تدجين نباتات وحيوانات برية محلية في شبه القارة الهندية مثل الماشية الحدباء والسمسم.

في مصر أيضاً التي بدأ إنتاج الغذاء فيها في بدايات الألفية السادسة قبل الميلاد مع وصول محاصيل جنوب غرب آسيا إليها، وبعدها مباشرة قام المصريون بتدجين أشجار الجمّيز ونبات الشوف (حب العزيز)، والقطط بشكلٍ مستقل.

تعتبر إثيوبيا مثالاً أخر مشابه، فبعد وصول زراعات القمح والشعير إليها من مناطق الهلال الخصيب؛ تم تدجين العديد من النباتات البرية الإثيوبية والتي ما زالت تزرع إلى الآن في الهضبة الإثيوبية وحدها. إلا أن إحدى هذه المحاصيل؛ وهو القهوة، أصبح الأكثر انتشاراً على مستوى العالم الآن.

بعد استعراض تلك المناطق التي وصلت إليها تقنية الزراعة من مناطق نشوئها الأصلية مما أدى إلى تغير نشاط ساكنيها من صيادين وجامعي ثمار متنقلين، إلى مزارعين مستقرين؛ يظهر سؤال هام: هل قام جامعو الثمار والصيادين هؤلاء بالتأقلم مع تلك المحاصيل الوافدة من أماكن أخرى مجاورة، حيث قام مزارعون أصليون بتدجينها من نباتات برية، ليصبحوا هم أنفسهم مزارعين؟ أم أن هذه المحاصيل قد أتت مع مزارعين قاموا بغزو مناطق الصيادين وجامعي الثمار لتحل العمليات الزراعية محل عمليات جمع الثمار والصيد، ومن ثم إزاحة السكان الأصليين سواء عن طريق قتلهم أو تهجيرهم، أو حتى عزلهم كأقلية غير مؤثرة في مناطقهم الأصلية؟

في حالة مصر نجد أن الحالة الأولى هي ما حدث بالفعل. فقد قام الصيادون وجامعي الثمار بإضافة النباتات والحيوانات المدجنة الجنوب غرب آسيوية إلى غذائهم البري من النباتات والحيوانات، ومن ثم بالتبعية قاموا بإنتاج الغذاء عن طريق الزراعة بشكلٍ حصري فيما بعد.

بذلك نرى أن إنتاج الغذاء في مصر قام في الأساس على محاصيل وحيوانات أجنبية، ولم يقم من خلال شعوب غازية أو مهاجرة، وهو ما ينطبق على مناطق أخرى في العالم مثل الساحل الأطلسي لأوروبا، حيث قام الصيادون وجامعي الثمار بتدجين الحبوب والأغنام الآسيوية، وكذلك مناطق جنوب أفريقيا حيث تحولت قبائل «الخوي» من صيادين وجامعي ثمار إلى رعاة للأغنام والأبقار بعد وصولها من شمال أفريقيا.

على الطرف الآخر، فإن مناطق أخرى قد بدأ فيها إنتاج الغذاء مع وصول شعوب أجنبية إلى جانت محاصيلهم ودواجنهم، ويمكن تأكيد ذلك من خلال الغزوات الأوروبية الحديثة نوعاً لمناطق غرب أميركا الشمالية وسهول الأرجنتين، وأستراليا وسيبيريا. سنجد في تلك المناطق أن جامعي الثمار والصيادين قد تمت إبادتهم عن بكرة أبيهم، وحل محلهم سكان غزاة من المزارعين ومربوا الماشية. وسواءً أن تلك الإبادة تمت عن طريق القتل المباشر للسكان الأصليين، أو بالإصابة بالأمراض الوافدة أو حتى التهجير لمناطق أبعد؛ سنجد في تلك الحالة أن المزارعين الأوروبيين الوافدين أو الغزاة قاموا بتوطين الزراعات التي نشأت في الأساس في موطنهم الأصلي دون أن يقوموا بتدجين نباتات أو حيوانات محلية في الأراضي التي احتلوها (إلا من استثناءات نادرة مثل زراعة ثمار المكاديما في أستراليا).

يبدو أن ذلك النمط من إنتاج الغذاء اعتماداً على نباتات وحيوانات تم تدجينها في مناطق أخرى، مع إحلال مفاجئ للسكان قد تكرر بشكلٍ واسع في مناطق عدة في العالم في فترة ما قبل التاريخ. وعلى الرغم من عدم وجود نصوص مكتوبة لتلك الأحداث، إلا أنه يمكن استشفافها من الآثار المسجلة، والأدلة اللغوية لتلك الفترة. كما يمكن إثبات ذلك بشكلٍ لا شك فيه من خلال معرفة عمليات إحلال السكان، واختلاف الصفات التشريحية للهياكل العظمية للوافدين والسكان الأصليين من جامعي الثمار والصيادين، وكذلك لأن منتجي الغذاء الجدد لم يقدموا نباتات وحيوانات داجنة للمناطق الجديدة فقط، ولكنهم قدموا أيضاً أنواعاً من الفخار لم تكن موجودة في تلك المناطق؛ التي يلحظ وجودها في مناطق جنوب شرق أوروبا ووسطها، وأيضاً الفلبين وأندونيسيا ومناطق جنوب خط الاستواء الأفريقية.

نلخص من ذلك أن مناطق قليلة في العالم استطاعت أن تنمي إنتاج الغذاء بشكلٍ مستقل، وعلى فتراتٍ زمنية مختلفة. ومن تلك المناطق استطاع جامعي الثمار والصيادين في المناطق المجاورة أن يتعلموا إنتاج الغذاء فيما بعد. وأن مناطق أخرى تم إحلال سكانها الأصليين من منتجي الغذاء أنفسهم أيضاً في فتراتٍ زمنية مختلفة.

في نهاية المطاف، فإن شعوب بعض المناطق المتأقلمين مع نظمهم البيئية والغذائية لم يستطيعوا مقاومة التقنيات الجديدة لانتاج الغذاء التي اجتاحتهم في النهاية، وأن شعوب المناطق التي كان لها السبق في الوصول لتلك التقنيات الزراعية أولاً؛ كان لهم السبق أيضاً في اجتياح مناطق جديدة والتحكم بشعوبها الأصلية، وهي سلسلة طويلة من النزاعات التي بدأت منذ ما قبل التاريخ حتى الآن بين من يملك، ومن لا يملك.

 

مقالات المدونة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي بوبساي العلوم للعموم