Reading Time: 5 minutes

بعد بداية صعبة؛ بدأت عملية طرح لقاحات كورونا بالتحسّن خلال الأسابيع القليلة الماضية. مثلاً في الولايات المتّحدة، حصل أكثر من 14 مليون مواطن على اللقاح بشكلٍ كامل ضد المرض؛ وهذا الرقم يزداد يومياً، والسرعة التي يستطيع فيها المصنعون إنتاج اللقاحات تصبح أيضاً أكثر وضوحاً. في الحقيقة؛ التزمت الحكومة الفدرالية الأميركية بضبط توقّعات حول توفّر اللقاحات تغطّي 3 أسابيع حتى يتمكّن الموزّعون في جميع أنحاء البلاد من التخطيط للفترة القادمة. يأمل العديدون أن هذه السياسة ستمنع احتكار اللقاح، وتساعد في إيصال اللقاح بجرعتيه إلى أكبر عدد من الناس.

الوقت الذي يستغرقه إنتاج أعداد كبيرة من اللقاحات دفعةً واحدة هو أحد الأسئلة الضرورية التي يجب الإجابة عليها. نسمع عادةً أن شركات تصنيع الأدوية؛ مثل فايزر ومودرنا، «تُسرّع إنتاج» لقاحاتها، لكن معنى هذا ليس واضحاً تماماً. ما المدّة التي يستغرقها إنتاج اللقاحات؟ وما مدى سهولة إنتاجها بكميّات كبيرة؟ نحن لا نعلم كل شيء عن طريقة تصنيع لقاحات كورونا لأن المعلومات حول هذا الموضوع ليست متوفّرةً للناس. إليك ما نعرفه بالفعل عن تصنيع لقاحات كورونا المُعتمدة على الرنا المرسال (الحمض النووي الريبوزي المرسال).

كيف يمكن زيادة إنتاج لقاحات الرنا المرسال بسرعة؟

كلا اللّقاحين؛ الموافق عليهما من قبل إدارة الغذاء والدواء الأميركية، مُعتمدان على الرنا المرسال؛ هذا النوع من اللّقاحات جديد وفعّال، وعلى الرغم من أنّه مدعوم بسنين من الأبحاث، إلّا أنه لم يتجاوز المراحل النهائية من التجارب السريرية، ولم يُصرّح استخدامه قبل السنة الماضية. إضافةً إلى الفعّالية الهائلة لهذه اللقاحات (على الأقل في التجارب)، فإن أحد الجوانب الإيجابية هي أنه يمكن إنتاجها بسرعة أكبر من أنواع اللقاحات الأخرى؛ وفقاً لـ «أليسون كيلفن»؛ عالمة فيروسات في جامعة دالهاوزي.

لقاح كورونا, رنا مرسال, مودرنا, لقاحات كورونا, فايزر

shutterstock.com/ Elzbieta Krzysztof

لِلقاحات الرنا المرسال مكوّنان رئيسيّان: الرنا المُعدّل («خيط» واحد من المادّة الوراثيّة)؛ والذي يمكن تركيبه من الأحماض النووية الإفراديّة، وجسيم صغير من الدّسم لحمل الرنا بعد تركيبه، ولحمايته من التفكك مباشرةً. تقول كيلفن: «لا تحتوي اللقاحات على أي مكوّن بيولوجي»؛ مما يعني أنّه لا وجود لأي مكون حيّ فيها؛ مما يسرّع آلية عمل اللقاح، بينما تحتوي اللقاحات التقليدية غالباً على فيروسات حيّة أو بكتيريا يتم إضعافها أو تعطيلها، لقاحات الرنا المرسال تُنتَج عن طريق سلسلة من التفاعلات الكيميائية البسيطة.

المعدّات التي تستخدمها شركتا فايزر ومودرنا في تصنيع اللقاحات على نطاق واسع ليست معروفةً للعوام بشكلٍ واضح، لكن تقول كيلفن أن معدّات الإنتاج تشبه على الأرجح تلك التي تُستخدم في المختبرات لتركيب «قليلات النيوكليوتيدات» (مفرد: قليل النيوكليوتيد)؛ وهي قطع قصيرة من الدنا (الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين) والرنا، لاستخدامها في الأبحاث.

وفقاً لكيلفن؛ تُصنّع المركّبات السابقة ضمن الدراسات الضيّقة عن طريق آلات في المخابر، وكل آلة هي عبارة عن حاسوب يتّصل بجهازٍ مُركِّبٍ يحتوي على قوارير صغيرة فيها كل مكوّن أساسي لتركيب الدنا أو الرنا.

نَقل هذه العملية من المختبرات إلى المصانع ليس أمراً سهلاً؛ صرّح «درو وايزمان» من جامعة بنسلفانيا وأحد مخترعي تكنولوجيا تصنيع الرنا المرسال، إلى وكالة أسوشييتد برس الإخباريّة أنه لم تُصنّع أي جهة الرنا المرسال على المقاييس الحالية من قبل، وأضاف أن الإنزيمات التي تتطلّب العملية وجودها ليست مُجديةً في عمليات الإنتاج بكميّات كبيرة؛ كما هي في عمليات الإنتاج على نطاق أضيق.

المواد الخام الضرورية لإنتاج هذه اللقاحات هي الأحماض النووية الإفرادية، والكواشف الكيميائيّة والمواد الأخرى اللازمة للتحكّم بالتفاعلات الكيميائية التي تنتهي بتركيب اللقاح، وإلى جانب ذلك، هناك حاجة لمختلف أنواع اللوازم؛ من القوارير الزجاجية والملصقات، إلى أدوات التصنيع.

هناك أيضاً الجسيمات الدهنية النانوية؛ وهي عبارة عن كتل شديدة التخصصّ من الدسم؛ والتي تعتبر ضرورية للغاية لحمل الرنا المرسال إلى جسم متلقّي اللقاح. دون وجود هذه الأغلفة الدهنية سيتفكك الرنا المرسال بسرعة قبل أن تتسنّى له الفرصة أن يفعل فعله. حسب «جيسون كيندراتشاك»؛ وهو عالم فيروسات في جامعة مقاطعة مانيتوبا، فإن تخليق هذه الجسيمات هو «علم قائم بحد ذاته». الوصول إلى المزيج المناسب من الدُّسُم واكتشاف طريقة لجعلها تتفاعل بشكل ناجح مع الجدران الدهنية لخلايا جسم الإنسان هي خطوة ثانويّة مستقلّة في عملية تصنيع اللقاحات، ثم تركيب المكوّنان معاً (الرنا المرسال والأغلفة الدهنية) وتعبئتهما هي خطوة أساسية أخرى.

تقول كيلفن: كل مكوّن يُستخدم يجب أن يكون حائزاً على تصديق «جي إم پي»؛ الذي يرمز إلى «ممارسات التصنيع الجيّدة»؛ وهو تصديق ضروري يعتبر جزءاً من إطار العمل التنظيمي العالمي الذي يضبط عمل شركات تصنيع الأدوية، وهو إطار له معايير صارمة.

تصنيع لقاح شركة جونسون آند جونسون يستغرق الوقت

لقاح شركة جونسون آند جونسون؛ المكوّن من جرعة واحدة (والذي يبدو أنه سيكون اللقاح الثالث الذي سيحصل على تصريح الاستخدام الطارئ من إدارة الغذاء والدواء في الأسابيع التالية)، يُصنّع بطرق تقليدية أكثر.

لقاح كورونا، لقاح جونسون

shutterstock.com/vovidzha

هذا اللقاح ينتمي لنوع من اللقاحات تُدعى «لقاحات النواقل الفيروسية»؛ وهي تحتوي على شكل مُعطّل من الفيروسات الغُديّة البشرية (وهي فيروسات شائعة تتسبب في الأمراض التنفسية عند البشر)؛ والتي تُستخدم لحمل الدنا الخاص ببروتين «سبايك» (يدعى أحياناً بروتين «إس») الخاص بفيروس كورونا إلى جسم متلقّي اللقاح.

تدخل النواقل الفيروسية بعد ذلك إلى خلايا الجسم التي تبدأ بدورها في تركيب نسخ من بروتينات «سبايك»؛ هذه البروتينات بحد ذاتها لا تتسبب بأضرار لأجسامنا، لكن وجودها يدرّب الجهاز المناعي على التعرّف عليها. بهذه الطريقة، إذا لاحظ الجهاز المناعي وجود بروتينات «سبايك» متّصلة بخلية صحيّة من فيروس كورونا، سيتعرّف على هذه البروتينات ويقضي عليها ويمنعها من الاتصال بخلايا الجسم.

لا تستطيع الفيروسات أن تنسخ نفسها لوحدها، بل هي تحتاج إلى مضيف مثل الإنسان أو الحيوانات الأخرى. في المختبرات، يستخدم الباحثون مزارع خلوية لإكثار الفيروسات ضمن أوعية تُدعى بـ «المفاعلات الحيويّة». الفيروسات الغديّة يجب تركيبها كطبقات إفرادية متّصلة بشيء آخر؛ مثل جدران القوارير الاسطوانية (والتي تشبه قوارير المياه البلاستيكية). يجب أن تكون المنشآت التي تتم فيها هذه العلمية نظيفةً للغاية حتّى لا تتلوّث المفاعلات الحيوية بأية ميكروبات أخرى. بعد ذلك، يجب تعطيل الفيروسات (وذلك لضمان أنها لن تتسبب في الإصابة بالمرض) وتزويدها بالدنا الخاص ببروتينات «سبايك»؛ والذي يُصنّع بطريقة مشابهة للرنا الموجود في لقاحات شركتَي فايزر ومودرنا.

حسب كيلفن؛ تستغرق هذه العملية حوالي شهر واحد ضمن ظروف المختبر، لكن مجدداً، ليس معروفاً بدقة ما تفعله الشركات الكبيرة خلال الإنتاج على مقاييس كبيرة. إحدى طرق تسريع الإنتاج هي التعاقد مع شركات أخرى مُرخّصة لإتمام بعض خطوات العملية؛ كما فعلت شركة مودرنا في الخريف الماضي. زيادة القدرة التصنيعية عن طريق شراء أو تحويل المزيد من المصانع، أو إبرام اتفاقات مع شركات تصنيع الأدوية الأخرى –كما فعلت شركة فايزر مؤخراً– هي طرق ممكنة لتسريع الإنتاج أيضاً.

من الضروري أيضاً أن نعرف أنه على الرغم من أن الآليات التفصيلية التي تتبعها الشركات لإنتاج اللقاحات غير متاحة للعوام، لكن إدارة الغذاء والدواء فحصت ووافقت على كل التقنيات المستخدمة خلال عملية منح تصاريح الاستخدام الطارئ. يفيد موقع الإدارة أن: «ستستخدم الإدارة كل الوسائل والمعلومات المتاحة؛ ومن ضمنها مراجعات السجلّات والزيارات إلى المواقع وسجلّات الالتزامات السابقة بهدف تقييم امتثال الشركات لمعايير ممارسات التصنيع الجيدة».

بمرور الوقت؛ ومع اكتساب الشركات المصنّعة المزيد من الخبرة في إنتاج اللقاحات، فمن المرجح أن تصبح العملية بحد ذاتها أكثر كفاءةً نوعاً ما، لكن هناك حدود للإمكانات دائماً. يقول كيندراتشاك: «يتمثّل واقع الجائحة بأننا نواجه العديد من المشاكل في الوقت نفسه»، ويضيف: «لنكن منصفين مع الشركات المصنّعة، أعتقد أنّها تفعل ما بوسعها لمواكبة الطلب».

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.