Reading Time: 3 minutes

مركبة «بيرسيفيرانس» الخاصة بوكالة ناسا هي مركبة استكشاف آليّة؛ تعد الأكثر تعقيداً حتى الآن، وتسافر حالياً عبر الفضاء لتصل إلى وجهتها النهائيّة؛ كوكب المريخ. حجم المركبة بحجم سيارة دفع رباعي، وبعد هبوطها في فوهة بركان مملوء بالمخاطر قرب مجرى نهر قديم؛ يأمل الباحثون أن تساعدنا في إيجاد أدلّة مستحاثيّة على وجود أشكال قديمة من الحياة، وتجميع عيّنات ستعود في النهاية إلى الأرض في عام 2031.

لكن بيرسيفيرانس ليست هي المركبة الوحيدة التي ستذهب إلى المريخ؛ إذ تتصل أسفلها طائرة أخرى تدعى «إنجينيوتي». خلال بضعة أسابيع، ستصبح هذه الطائرة الأولى التي تحلّق في أجواء كوكب غريب.

يقول «بوب بالارام» من مختبر الدفع النفّاث في وكالة ناسا، والمهندس الرئيسي للطائرة إنجينويتي: «ستكون لحظة تشابه بالنسبة لنا أول تجربة طيران ناجحة قام بها الأخوان رايت»، ويضيف: «أول رحلة طيران لطائرة تجريبية حدثت في بلدة كيتي هاوك. يمكننا أن نلاحظ الشوط الذي قطعناه على الأرض منذ تلك الخطوة الأولى. نأمل أنه إذا نجحنا، سيكون الإنجاز شيئاً مشابهاً لهذا الحدث».

التحديات على كوكب المريخ

تصميم إنجينيوتي فَرَضَ العديد من التحدّيات لبارالام وفريقه؛ إذ تنخفض درجات الحرارة إلى ما دون الـ 50 درجة مئوية في فوهة بركان «جيريزو» في المريخ. البرودة شديدة هناك لدرجة أن ثلث طاقة الطائرة إنجينيوتي ستُستخدم للطيران، ومعظم الطاقة المتبقّية ستُستخدم في إبقاء الطائرة صامدة في ليالي المريخ شديدة البرودة؛ وذلك عن طريق تسخين أجهزة الطائرة الإلكترونية.

لكن درجات الحرارة المنخفضة هي بداية المشاكل التي ستواجهها إنجينيوتي على المريخ. فالغلاف الجوي أخف بنسبة 99% من نظيره الخاص بالأرض، كما أن للمريخ ثلث جاذبية كوكبنا. حتّى تتمكّن إنجينيوتي من توليد قوّة رفع كافية؛ فإنها تحتوي على شفرتين طول كل منهما 1.2 متراً، مصنوعتان من ألياف الكربون، سرعة دورانهما تبلغ 2400 دورة/ دقيقة، موصولتان بمحركين متعاكسيّ الدوران (السرعة السابقة تبلغ حوالي 8 أضعاف سرعة دوران شفرات الطّائرات المروحية العاديّة). للطائرة إنجينيوتي تصميم خفيف للغاية؛ إذ يصل وزنها إلى حوالي 1.8 كيلوجرام، وحجم جسمها يقارب حجم كرة السوفتبول.

مع ذلك، فإن للطائرة إنجينيوتي قدرات محدودة نسبياً؛ فهي تزوّد بالطاقة من الشمس، ومصممة لتُقلع، وتطير على ارتفاع لا يتجاوز بضع عشرات الأمتار فوق السطح، وتشق طريقها عبر الهواء المرّيخيّ الخفيف، ثم تهبط على أرضية مسطّحة. سيختبر فريق من المهندسين من وكالة ناسا على الأرض قدرة الطائرة إنجينيوتي على الطيران لمدّة تقابل 30 يوماً مرّيخياً.

حينما تهبط بيرسيفيرانس سداسيّة العجلات على سطح المريخ الوعر؛ فإنها ستبدأ في تنفيذ مهمّتها الخاصّة، وتبحث في نفس الوقت عن مكان مناسب لإطلاق الطائرة إنجينيوتي في أقرب وقت ممكن. يقول بالارام: «عندما نقول «مكاناً مناسباً»، فإننا نقصد منطقة مسطحةً من سطح المريخ». بعد أن تنفصل الطائرة عن مركبتها الأم، ستبتعد عنها مسافة حوالي 100 متر حتّى تقلل احتمال التصادم قدر الإمكان.

أخيراً، ستنطلق إنجينيوتي في أول رحلة طيران لها تحت مراقبة دائمة من قبل كاميرات المركبة الأم. بافتراض أن إنجينيوتي ستكون قادرة على الإقلاع والهبوط بأمان، ستقوم بـ 4 رحلات أخرى، ومع كل رحلة جديدة، ستحاول أن تطير لارتفاعات أكبر ولمسافات أبعد.

لكن بالارام يؤكّد على أن احتمال نجاح هذه العملية قليل، ولكن منافعها كبيرة بالمقابل؛ إذ يقول: «نحن نحاول بشكل أساسي إتمام نوع جديد كلياً من التحريك على كوكب مختلف يقدّم تحدّيات كثيرة من ناحية طريقة الطيران. النجاح ليس مضموناً، وسنقيّمه خلال كل خطوة: عند الهبوط بعد حوالي 3 أسابيع، وعند إطلاق الطائرة على سطح المريخ، وأخيراً بعد أن تصمد خلال أول ليلة دون أن تتجمّد. عند إتمام أول رحلة طيران، كل تلك الخطوات ستُعتبر إنجازات مهمّة في طريقنا لتحقيق مبتغانا».

للأسف، عند انتهاء فترة الاختبار، ستنتهي رحلة إنجينيوتي؛ وذلك بعد أن تكون قد أنجزت مهمتها المتمثّلة في إثبات أن الطائرة قادرة على العمل في كواكب غير الأرض. وفقاً لبالارام، إذا سار كل شيء بسلاسة؛ فإن البيانات التي سيتم تجميعها خلال الاختبارات ستساعدنا في إرساء أسس إطلاق مركبات أكبر وأفضل، قادرة على حمل معدّات علميّة متكاملة لاستكشاف أجواء الكواكب البعيدة.

لكن قبل أن تصبح إنجينيوتي قادرة على الطيران، يجب أن تهبط مركبة بيرسيفيرانس بأمان، ونأمل أن يتم ذلك بنجاح.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.