Reading Time: 3 minutes

عندما نفكّر كيف كان أفراد نوع النياندرتال يقضون أوقاتهم؛ فعلى الأرجح أول شيء يخطر على البال هو أمر لا علاقة له بحياكة سترة أو نَسج سلّة، لكن اتّضح أن هؤلاء البشر القدماء كانوا يعلمون عن خيوط النَسج والفتائل (الحبال الدقيقة المفتولة من الألياف) أكثر مما كنا نعتقد.

تَعرِض دراسة حديثة؛ نشرت في دورية «ساينتيفيك ريبورتس»، أقدم أدلة علمية مباشرة تبيّن وجود تكنولوجيا النَّسج (أي استخدام النباتات البرية لصنع الخيوط المنسوجة). هذه المنسوجات؛ التي تعود لما قبل 41 ألف إلى 52 ألف سنة، لم تُصنع بالضرورة من قبل نوعنا؛ إذ أن الباحثين قد وجدوا الأدلة في مناطق من أوروبا كان يعيش فيها النياندرتال في ذلك الوقت.

هذه الأدلة مهمة لأسباب عدّة؛ إذ أن علماء الآثار لا يجدون الكثير من القطع الأثرية القابلة للتلف؛ مثل الشعر أو المنتجات النباتيّة؛ التي تتحلل بسرعة أكبر بكثير من الفخّار والحجار أو العظام. استخدم مؤلفو الدراسة، الدراسة المجهرية والتحليل الطيفي، لفحص قطعة من فَتيل تبلغ من الطول 6 ملم؛ مصنوعة من 3 حزم من الألياف المجدولة. هذه الألياف قد تكون استُخدمت في مقبض أداة ما أو في شبكة صيد أو حقيبة.

وفقاً لـ «بروس هاردي»؛ مؤلّف الدراسة الجديدة وعالم في الأنثروبولوجيا في جامعة كينيون، فعلى الرغم من أنّ الغَزْل يبدو كشيء بسيط للغاية؛ إلا أنه شكل معقّد من التكنولوجيا.

يقول هاردي: الفتائل تحيط بنا؛ فالثياب التي نلبسها مصنوعة منها، كما أن أسلاك الهواتف التي نستخدمها تُصنع من ألياف معدنية مجدولة».

وفقاً لهاردي، تتجمّع الفتائل مع بعضها بطريقة خاصة. إذا أمسكت بقطعة من اللّيف وفتلتها باتّجاه معيّن، فستكون قد صنعت خيطاً، ثم إذا قمت بجدلِ عدّة خيوط مشابهة مع بعضها فستكون قد صنعت حبلاً أكثر متانةً.

يضيف هاردي أن الأمر يشبه اللغة نوعاً ما؛ إذ تعتمد كل خطوة على تلك التي سبقتها؛ لتشكيل الكلمات، نحن بحاجة إلى أصوات، ولصياغة الأفكار والجمل؛ نحتاج الكلمات، ويقول أيضاً أن الخطوات التي تستمر بالتراكم على بعضها تُدعى بـ «سلسلة من الاستخدام غير المحدود للوسائل المحدودة». يتطلّب صنع حبل متين وصياغة جملة مُحكمة مهارات وطرق تفكير متشابهة.

يقول هاردي: «هذان النظامان يعكسان القدرات العقلية نفسها». بالإضافة إلى هذه القدرات العقلية؛ يجب أن يمتلك النياندرتال مهارات رصدية عالية لمعرفة كيفية حَصد أنواع محددة من النباتات لصنع خيوط النَسج.

قد يكون النياندرتال أذكى مما اعتقدنا

وفقاً لهاردي، الفكرة الأهم في هذه الدراسة هي أن النياندرتال قد يكون أذكى مما اعتقدنا من قبل. في الماضي؛ كان يُنظر إلى كلمة «نياندرتال» وكانّها مرادفة لكلمة «غبيّ»، لكن الدراسات التي أجريت خلال السنوات القليلة الماضية بيّنت احتمالية أن هذا النوع من الإنسان كان يطبخ باستخدام النّار، ويدفن الأموات، ويهتمّ بالأفراد المرضى بدلاً من التخلّي عنهم.

يفيد هاردي بأن العلماء يتساءلون بشكلٍ متكرر حول سبب فشل النياندرتال بالبقاء (وهو الأمر الذي سمح لنا كنوع بالسيطرة على الكوكب)؛ بدلاً من التفكير بكل الأمور التي كان يتقنها، ويبدو أن صناعة خيوط النسج هي ابتكار جديد من سلسلة الابتكار الطويلة لهذا النّوع.

يقول «كليف فنلايسون»؛ وهو عالم حفريات ومدير متحف «جيبرالتار» الوطني، وغير مشارك في الدراسة الجديدة: «ليس لدي شك بأن النياندرتال كان إنساناً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى». في النهاية، نعلم الآن أن أسلافنا من البشر قد تزاوجوا مع النياندرتال -وأنواع بشرية قريبة أخرى- بشكلٍ متكرر. يضيف فنلايسون: «لقد حان الوقت للتخلّي عن الأفكار القديمة التي تضع النياندرتال في منافسة مع الإنسان الحديث».

على الرغم من اعتقاد «جون شيا»؛ وهو أستاذ في الأنثروبولوجيا في جامعة «ستوني بروك»، أن النياندرتال كان أذكى بكثير مما كنا نعتقد سابقاً، إلّا أنّه ليس متأكداً تماماً من أن خيوط النسج الأثرية كانت من صنعه؛ إذ أن البشر كانوا أيضاً يتجولون في المناطق التي تُعرف اليوم بفرنسا في نفس المجال الزمني المذكور، وبما أننا لا نستطيع السفر عبر الزمن، ليس هناك طريقة تفيدنا في معرفة مَن مِن البشر القدماء قد صنع هذه الخيوط.

يضيف شيا أنّه وبغض النظر عن أصل الخيوط؛ فإن الدراسة الجديدة لا تغيّر نظرتنا عن ذكاء النياندرتال بشكلٍ جذري؛ إذ أن الادّعاء الذي ينص على أن هذا النوع أقلّ منزلةً من الإنسان العاقل تم دحضه بشكلٍ مفصّل عن طريق أبحاث أخرى. يقول شيا: «ليس لدينا أية أدلة تشير إلى أن النياندرتال كان غبياً».

مع ذلك، يضيف شيا أن الدراسة مهمّة لأنها تبين أن هذه الآثار يمكن العثور عليها ودراستها؛ حتّى ولو لم يُثبت وجود الخيط الأثري نفسه أن النياندرتال قادر على صنع النسيج. يعتقد شيا أنه خلال بضع سنوات سيكشف العلماء عن أدلة أكثر قِدماً من المنتجات المنسوجة. إذا أبدى علماء الآثار الآخرين نفس القدر من الحذر والاهتمام كفريق هاردي في التعامل مع الأدلة التي يتم العثور عليها؛ فيمكن أن تَبتّ الآثار قدرة النياندرتال على النّسج بشكل أكثر حسماً.

لذا، في المرة التالية التي تستخدم فيها إبر الحياكة أو عدّة الخياطة؛ تذكّر أننا كبشر لسنا الوحيدين القادرين على النّسج؛ إذ أنه من المحتمل أن أولاد عمومتنا القدماء كانوا قد أتقنوا هذه المهارات في عصرهم.

يمكنكم الاطلاع على النسخة الإنجليزية من المقال من «بوبيولار ساينس» من هنا، علماً أن المقال المنشور باللغتين محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يُعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.