Reading Time: 3 minutes

معظمنا يميل الى اهمال روتين العمل المكتبي عند العمل من المنزل في ظل ظروف جائحة فيروس كورونا الحالية. وبذلك يصبح من السهل أن نصاب بالخمول جسدياً أو حتى فكرياً ونفقد حماستنا للعمل. لكن حتى في ظروف الحجر الصحي، ينبغي عليك الاعتناء بجسمك، تلعب وضعية جلوسك أثناء العمل دوراً كبيراً في الصحة البدنية. ولكن لماذا يصعب علينا الجلوس بوضعية مستقيمة، ولماذا نجد أنفسنا نحني ظهورنا ورؤوسنا بسهولة أثناء العمل؟.

لتوضيح ذلك، علينا أن نفهم أولاً ماهية وضعية الجلوس أو الوقوف في المقام الأول. تشير الوضعية عموماً إلى كيفية حمل جسمك في أي وضع. ويُعتقد أن الوضعية المثالية، والتي يُطلق عليها مصطلح «العمود الفقري السليم»، هي الوضع الأمثل الذي يضع أقلّ قدر ممكن من الضغط على الجسم أثناء الوقوف أو الجلوس أو النوم.

لتحقيق وضعية «العمود الفقري السليم»، يجب أن يكون رأسك وكتفيك وفخذيك على استقامة واحدة عند النظر إليهم من الجانب. يجب أن يحتوي العمود الفقري على ثلاثة انحناءاتٍ طبيعية، انحناءٌ طفيف إلى الداخل عند الرقبة، انحناء طفيف للخارج عند أعلى الظهر، وانحناءٌ طفيف للداخل عند أسفل الظهر.

تشترك جميع عضلات الهيكل العظمي بتشكيل الوضعية، ولكن أهمها على الإطلاق هي عضلات المنطقة الوسطى المتمركزة حول البطن والحوض والظهر. عندما تكون هذه العضلات بصحة جيدة وقوية، يصبح الحفاظ على وضعية مثالية أسهل بكثير، لكن يمكن أن يُضعف انحناء الجسم هذه العضلات، وبالمقابل يقوي عضلات أخرى دون قصد، مما يجعل من الصعب علينا الوقوف بشكلٍ مستقيم. عندما تحاول تقويم وضعيتك، يبدو الأمر وكأنك تقوم بتمرين رياضي لأنك تقوم بتقوية العضلات التي أهملتها.

يقول رودي جيرمان، معالج تقويم العمود الفقري والرئيس التنفيذي لشركة «Physio Logic»، وهو مركزٌ صحي بدني في نيويورك: «تشبه عضلاتك الطين، فهي ستأخذ شكل الوضعية الذي تكون فيها. إنها مثل الغرسة أيضاً، إذا استمريت بالضغط عليها في اتجاهٍ معين فسوف تنمو في ذلك الاتجاه، لذلك عندما ننحني أمام شاشات الكمبيوتر، ستنحني عضلاتنا لتناسب هذه الوضعية». في الواقع، تُعتبر وضعية الانحناء أمام شاشة الحاسب أكثر من مجرّد عادة سيئة، حيث أن لها آثار سلبية حقيقة على أجسامنا.

إذا تذكرت دروس علم الأحياء في المدرسة الثانوية، فستتذكر أن الحبل الشوكي هو جزءٌ من الجهاز العصبي المركزي، وهو الطريق السريع الذي يتشكّل من خلايا عصبية تربط مختلف أجزاء جسمك بالدماغ. تشوّه الوضعية السيئة العمود الفقري وتضيف ضغطاً لا مبرر له عليه، مما يؤدي إلى حدوث إصابات خفيفة تتراكم مع الوقت ويمكن أن تؤثّر على صحة الشخص ومزاجه. على سبيل المثال، ربطت الأبحاث منذ فترة طويلة الوضعية السيئة بالإصابات الرياضية كإصابات الكاحل وأوتار الركبة، وأيضاً مع التعافي البطيء من هذه الإصابات. بل حتّى لو كنت جالساً على الأريكة في المنزل، قد تؤدي وضعية جلوسك السيئة إلى إيذائك. فقد أظهرت دراسةٌ تعود إلى عام 2013 أن وضعية الرأس السيئة والمائلة للأمام تفاقم الألم الموجود سابقاً، وترتبط بزيادة الزيارات إلى الطبيب.

وتظهر الدراسات النفسية أن الأشخاص الذين يتخذون وضعياتٍ سيئة لديهم أفكار سلبية أكثر، ويتذكرون ذكريات أسوأ، ويجدون صعوبة في التعافي من المزاج السيئ. هناك أدلةٌ واضحة على أنه بينما يعمل الأشخاص من المنزل، فإنهم يقضون وقتاً بتصفّح الإنترنت أكثر مما يقضونه في أيام ما قبل الجائحة، ولكن علينا الانتباه كي لا يكون وقت التعرّض للشاشة على حساب صحتنا وحالتنا المزاجية.

يمكننا من خلال اتخاذ بعض الخطوات لتصحيح وضعية وقوفنا أو جلوسنا الحصول على بعض الفوائد الصحية المتمثلة بتقليل الألم المزمن وتحسين تنفسنا بالإضافة إلى تحسين المزاج والصحة العقلية. لقد أظهرت الأبحاث أن الوضعية الجيدة يمكن أن تعزز احترام الذات وتخفف من الاجهاد وتزيد القدرة على تحمله، بل وتساعد في التخفيف من حدّة أعراض الاكتئاب.

إذاً، كيف يمكننا الوقوف أو الجلوس في الوضعية المثالية؟ إن فهم الوضعية المثالية ثم تصحيحها بوعي على أساس منتظم هو المفتاح لإعادة عمودك الفقري إلى شكله الأمثل.

هناك أدلةٌ متزايدة على أن نظامنا العصبي اللاإرادي، المسؤول عن الحفاظ على التنفس وعلى عمل القلب، مسؤول أيضاً بدرجةٍ كبيرة عن كيفية حمل أجسامنا. وذلك يعني أن الوضعية تكون لا ارادية ودون وعيٍ منا، باستثناء عندما تقول لك والدتك: «اجلس بشكلٍ مستقيم» عندها يتدخل وعينا لتصحيح وضعية جلوسنا، وفقاً لما يقوله جيرمان.

يقول جيرمان إن أسوأ عادات وضعية الجسم هو خضوعه للتكنولوجيا بدل أن يستخدم التكنولوجيا لصالحه. معظم المنتجات التكنولوجية التي نستخدمها لم تُصمم في الواقع لتعمل بما يتوافق مع جسمنا من الناحية التشريحية، مثل كيف تدفعنا أجهزة الحواسب المحمولة نحني ظهورنا عند العمل عليها وكيف نحني رؤوسنا عند التعامل مع الهاتف المحمول.

يُعدّ إنشاء مساحةِ عمل مناسبة لجسمك ووضعيتك أمراً أساسياً للمحافظة على صحة العمود الفقري. رتب أدواتك بطريقة تسمح لجسمك بتشكيل زاوية قائمة عند الجلوس، بحيث يكون ظهرك متعامداً مع فخذيك ولكنه مواز لساقيك. أبقي رأسك منتصباً ولا تمل نحو الشاشة.

سيستغرق تصحيح وضعيتك بعض الوقت وسيكون بطيئاً، ولكنه يستحق بذل الجهد. يقول جيرمان: «يستغرق الوعي بوضعيتك ما بين شهرٍ إلى شهرين». يمكنك إشراك أصدقائك وأفراد عائلتك في مساعدتك بالوصول إلى هذه المرحلة خلال شهرين بالطلب منهم بتنبيهك عندما لا تكون وضعيتك صحيحة، أو يمكنك وضع بعض المذكّرات على هاتفك كي تنبهك إلى وضعيتك.

في نهاية المطاف، الوضعية الجيدة تدل على الثقة بالنفس والصحة. من الجيد أن نشعر بذلك، خصوصاً في ظروف الحجر الصحي.