Image

احتمال عثور العلماء على قارة مفقودة

كلا، ليست خرافة عن أتلانتيس

Bread assortment بيكساباي لا يمكننا إلا أن نخمن كيف كان شكل موريشيا، فمن المرجح أنها ترقد على عمق بين ثلاثة وستة أميال تحت البحر.

من المحتمل أن القارة المفقودة موريشيا امتدت على مساحة شاسعة من المحيط الهندي قبل أن تتمزق إرباً بفعل قوى جيولوجية جبارة، وتغرق تحت البحر. والآن، من المحتمل أننا عثرنا على قطعة كبيرة منها.

في 2015، زار بعض الباحثين جزيرة موريشيوس، شرق مدغشقر، لدراسة الصخور البركانية. وأثناء وجودهم هناك، اكتشفوا شيئاً غير متوقع. فقد عثروا ضمن الصخور على بلورات قديمة، يصل عمرها إلى ثلاثة مليارات عام تقريباً، أي أكبر عمراً بـ 300 مرة من السطح البركاني الحديث للجزيرة. تأتي الصخور القديمة كهذه من القارات، ولكن لا يوجد أي قارة قرب موريشيوس. حيث أنها محاطة بمساحات شاسعة من البحار في جميع الاتجاهات. ولم يبق أمام الباحثين إلا اتجاه واحد للعمل: نحو الأسفل. وتقترح اكتشافاتهم، والتي نُشرت في مجلة Nature Communications، أن البلورات الغريبة أتت من مكان منسي منذ زمن، ومدفون عميقاً تحت الجزيرة.

 

يقول المؤلف الرئيسي للدراسة ليويس أشوال، باحث في علوم الأرض في جامعة ويتواترسراند في جوهانسبرج بجنوب أفريقيا: “لا يمكن لهذه النتيجة المثيرة وغير المتوقعة إلا أن تعني وجود جزء من قارة قديمة تحت البراكين الحديثة في موريشيوس”.

كان أشوال أول من اقترح فكرة وجود قطعة ضخمة مفقودة من اليابسة تحت موريشيوس، وذلك في 2013. وقد عثر أشوال وفريقه في رمال شواطئ الجزيرة على بلورات صغيرة من الزيركون بعمر ملياري عام تقريباً، ما أثار شكوكه حول القارة البعيدة عن الخرافات. غير أن المشككين قالوا إنه يمكن للبلورات الميكروسكوبية أن تصل إلى الشاطئ بأكثر من طريقة، مهما كانت غير مرجحة، وأنه من غير الممكن ببساطة إثبات استحالة هذه الطرق. من الممكن مثلاً أن بلورة قديمة من أفريقيا علقت في ريش أحد الطيور وسقطت بالصدفة على الأرض في هذا المكان. يقول أشوال: “ظهر الكثير من المشككين في الأوساط العلمية، والذين انتقدوا تقديراتنا، لأنهم اعتقدوا أن بلورات الزيركون التي عثرنا عليها قد تكون وصلت إلى رمال الشاطئ بفعل الرياح، أو التيارات البحرية، أو الطيور، أو إطارات السيارات، أو أحذية الناس”.

ولكن بعد العثور على بلورات زيركون قديمة ضمن صخور الجزيرة، تمكن أشوال من إسكات هذه التشكيكات بكل ثقة.

تغطي الصخور البركانية جزيرة موريشيوس، وهي من الناحية الجيولوجية حديثة للغاية، حيث يبلغ عمرها تسعة ملايين عام. ومن الغريب أن بلورات الزيركون، وهي أقدم بكثير، موجودة ضمن هذه الصخور الحديثة، ولكن أشوال وضع تصوراً حول كيفية وصولها إلى هناك. فمنذ تسعة ملايين عام، وعندما تسربت الصهارات البركانية من وشاح الأرض (الطبقة تحت القشرة)، مرت عبر القارة المفقودة المدفونة قبل أن تتابع طريقها إلى السطح لتنشر الحمم في كل مكان، كما يفسر أشوال. وبما أن بلورات الزيركون أقسى من أن تذوب في الحمم، انتقلت معها إلى الأعلى. وبقيت على السطح منذ ذلك الحين، تنتظر بصبر حتى تخبر العلماء عن سر موريشيوس.

من المحتمل أن بقايا القارة المفقودة موريشيا ترقد تحت السطح البركاني لجزيرة موريتيوس، ويُعتقد أنها كانت قارة طويلة وضيقة، بمساحة 350 ميل مربع.

من المحتمل أن بقايا القارة المفقودة موريشيا ترقد تحت السطح البركاني لجزيرة موريتيوس، ويُعتقد أنها كانت قارة طويلة وضيقة، بمساحة 350 ميل مربع.

 

يعتبر اكتشاف هذه القطعة المدفونة من القارة أمراً مثيراً بحد ذاته، ولكنه يقدم أيضاً صورة أوضح عن الماضي الحافل للأرض، حيث كانت القارات تتصادم وتنفصل بمرور الوقت. ويشير أشوال إلى القارة العملاقة جوندوانا، والتي كانت تضم فيما مضى أفريقيا، والهند، ومدغشقر، وأستراليا، والقارة القطبية الجنوبية. حيث بدأت بالتفكك منذ 200 مليون عام، كما يحدث حالياً مع الصومال، وإثيوبيا، وكينيا، وتنزانيا التي بدأت بالانفصال عن أفريقيا لتشكيل وادي صدع شرق أفريقيا، والذي قد تملؤه مياه المحيطات يوماً ما.

ولكن عندما تفككت جوندوانا، وأرسلت قاراتنا المألوفة إلى مواضعها الحالية، فمن المحتمل أن هذا الانفصال لم يمكن مثالياً. يشرح أشوال: “يبين عملنا أن الانفصال القاري كان أكثر تعقيداً وفوضوية مما كنا نعتقد، وقد يتنج عنه قطع قارية بأحجام متنوعة، تنتشر على أرض المحيط”. ما يعني أننا يمكن أن نعتبر موريشيا مجرد نفاية قارية ضخمة، على الرغم من كل أبهتها كقارة سابقة.

لم تختف كل بقايا هذا الانفصال الفوضوي. فمن المحتمل أن موريشيا كانت فيما مضى متصلة بمدغشقر قبل غرقها المأساوي. حيث قارن أشوال الزيركونات القديمة المكتشفة على موريشيوس بأعمار الصخور في أماكن أخرى، مثل الهند وأفريقيا، وعثر على “أفضل تطابق” في مدغشقر.

عندما يدعي أي شخص أنه اكتشف قطعة من اليابسة مفقودة منذ زمن، فمن الأفضل عدم تصديقه بسهولة. ولكن في هذه الحالة، لا مجال للشك. يقول كالفين ميلر، الذي يدرس علوم الأرض في جامعة فاندربيلت، ولم يشارك في الدراسة: “أنا مقتنع تماماً”. ويتابع أن الأعمار القديمة لبلورات الزيركون تدل بالتأكيد على أنها أتت من قشرة قارية حقيقية. ولكنه ينظر بحذر إلى طريقة وصولها إلى داخل صخور حديثة إلى هذه الدرجة. ويقول ميلر أن فكرة أشوال حول انتقال البلورات إلى الأعلى مع الحمم عبر القشرة القديمة “ليست مثبتة تماماً، ولكنها قد تكون التفسير المفضل لدي أنا أيضاً”.

من غير الواضح أيضاً المساحة الفعلية لكتلة القارة القديمة الموجودة أسفل جزيرة موريشيوس. يشرح جون فالي، الذي يدرس علوم الأرض في جامعة ويسكونسن-ماديسون، وغير مشارك في الدراسة: “لقد عثروا على بلورات قديمة ضمن صخور حديثة. ولكنهم لم يعثروا بعد على أي من الصخور القديمة”. على الرغم من أن هذه البلورات تقدم دليلاً هاماً على وجود هذه اليابسة المغمورة، فإن النسبة الموجودة منها هناك ما تزال لغزاً. يقول فالي: “يمكن أن يكون لدينا قارة كاملة مدفونة في الأسفل، أو مجرد آثار من بلورات الزيركون”.

بغض النظر عن نسبة اليابسة التي ترقد هناك على عمق ثلاثة إلى ستة أميال تحت الجزيرة، يعتقد أشوال أن معظم أجزاء القارة موريشيا مبعثرة على أرض المحيط الهندي، ومتناثرة إلى أماكن ضحلة، وأخاديد، وضفاف أخرى. ولكن على الأقل، نحن نعرف أنها موجودة.
يقول أشوال: “إن اكتشاف جزء قاري جديد أمرٌ لا يحدث كل يوم، على الرغم من أن هذا الجزء الذي اكتشفناه مدفون، ولا نستطيع رؤيته أو حتى لمسه”.

error: Content is protected !!