Reading Time: 3 minutes


عُرض على موقع «نتفلكس» في 23 أكتوبر، مسلسل قصير بعنوان «The Queen’s Gambit» يحكي قصة الشابة اليتيمة «بيث هارمون»؛ التي تعلمَت لعبة الشطرنج في دار الأيتام، وبدأت بالسعي لتصبح معجزة وأعظم لاعبة شطرنج في العالم. يسمى هؤلاء الأطفال بالعباقرة والموهوبين، لكن كيف تؤثر هذه الصفات على حياتهم؟

نشأة فكرة الأطفال الموهوبين

ازداد الاهتمام بقياس ذكاء الأطفال وتطوير اختبارات الذكاء الأولى في أوائل القرن العشرين، بهدف تحديد الأطفال الذين يحتاجون إلى دعم في التعليم، ولاحقاً، تم استخدام اختبار الذكاء وتقييم مستويات الهرمونات وأنماط النوم والتمثيل الغذائي وعلامات الدم أو الجينات لمحاولة فهم الذكاء وتحديده كمياً، وتفترض كل هذه الاختبارات أننا يجب أن نحاول تقييم ذكاء الأطفال وتحديد موهبتهم في سن مبكرة قدر الإمكان، لكن هل علينا فعل ذلك حقاً؟ وماذا يحدث لهؤلاء الأطفال العباقرة عندما يكبرون؟

يمكن أن تساعد المحفوظات التاريخية في الإجابة عن هذا السؤال. بحلول تسعينيات القرن الماضي، كانت الصحف والمجموعات التطوعية مهووسة بتتبُّع حياة هؤلاء الأطفال والإبلاغ عنهم. فقد تحدثت صحيفة «الديلي ميل» البريطانية في عام 1995 عن أحد الأطفال الموهوبين؛ الذي كان يتلقى دروساً خاصة من مديرة المدرسة في المعادلات التربيعية في فترة بعد الظهر، بالنسبة للأطفال مثل هذا، كانت تسمية «الموهوبين» مفيدة، حيث أتاحت لهم معاملة خاصة، غالباً من جهات غير رسمية، أو من مجموعات تطوعية.

وعن قصة «بيث هارمون» معجزة الشطرنج التي ذكرناها في البداية، نرى أنّ المسار الذي سلكَته عبارة عن مسار نموذجي لهؤلاء الأطفال الموهوبين، والوصول إلى التفوق على أعلى مستوى كشخص بالغ.

تعج الصحف التاريخية ومحفوظات الرابطة الوطنية البريطانية بقصص للأطفال الموهوبين، وكيف استخدموا هذه الموهبة للوصول إلى خدمات جديدة وأنواع من التعليم وأنشطة أوقات الفراغ، حتى وصلوا لسن البلوغ، وعاشوا حياة عادية بعدها.

كتبت إحدى الأمهات قصتها، في عام 1991، فتقول أنها كانت طفلة ذكية للغاية، تحرص على تعلُّم ما لا تتعلمه في المدرسة من علوم، فتسللت من المدرسة، ورسبت في أكثر من 11 امتحاناً، وتركت المدرسة، وعملت في مهنة غير مربحة، لكن عندما لاحظَت أنّ ابنها كان موهوباً جداً أيضاً، عرضته على طبيب نفسي تربوي، وقال أنه موهوب جداً، واستطاعت أسرته أن تعثر له على مدرسة عامة بَرع فيها، ومن ثم دخل الجامعة، واستفاد من وقته وموهبته.

أفكار مثيرة للجدل

ومع ذلك، فقد وصل الهوَس بالحصول على أطفال موهوبين إلى أقصى درجاته حتى وصل إلى علم تحسين النسل. ففي عام 1971، أسس «روبرت جراهام» بنك الحيوانات المنوية و حاز على جائزة نوبل، وكان متخصصاً في تحسين النسل، وسعى إلى تحسين البشر من خلال التربية، وكان هدفه توفير الحيوانات المنوية من الرجال الأكثر ذكاءً للنساء مجاناً. 

وبالفعل تم الحصول على 240 مولوداً من البنك، وكان «دورون بليك» الطفل الثاني منهم. تحدثت والدة بليك إلى العديد من الصحفيين طوال طفولته، وقدموا تقارير عن ذكاءه الاستثنائي وقدرته الرياضية واهتمامه بالألعاب معقدة، وعندما بلغ بليك عامه الـ 18 في 2001، بدأ في الظهور في الملفات الشخصية والأفلام الوثائقية بنفسه. لكن بدلاً من الإعلان عن إنجازاته، استخدم بليك اهتمام وسائل الإعلام لانتقاد فكرة الطفل الموهوب، بحجة أنّ التسمية شوّهت الفهم العام للصفات البشرية القيّمة، وأكد بليك أنّ الشيء الذي أحبَّه كثيراً في نفسه ليس ذكائه وإنما اهتمامه بالناس ومحاولة تحسين حياة الآخرين، وأنّ معدل ذكائه المرتفع لم يجعله سعيداً.

الآثار الخطيرة للذكاء

كان للقيمة الاجتماعية المرتكزة على الذكاء آثار خطيرة، وكان لعلم تحسين النسل تأثير قوي في أوائل القرن العشرين على وجه الخصوص؛ فقد أصدرت المحكمة العليا الأمريكية عام 1927 تشريعات تقضي بأنّ المواطنين ذوي الإعاقة الذهنية قد يتم التخلص منهم. استمرت هذه الأفكار حتى منتصف القرن العشرين، إلى أن أظهرت الأبحاث أنَّ أفكار العبقرية والقيمة الإنسانية تكمن وراء القيادة والقمع والإبادة الجماعية لألمانيا النازية.

حتى في أواخر القرن العشرين، استمرت اختبارات الذكاء في إحداث آثار تمييزية ومدمرة للغاية. على سبيل المثال، في قضية أمريكية رُفعت عام 1971، أقرّت المحاكم في كاليفورنيا أنّ اختبار الذكاء متحيزٌ ضد الطلاب السود، وكذلك في بريطانيا أيضاً. 

هذه التواريخ الحديثة مقلقة، ونحن نعلم أنه بالنسبة للعديد من الأطفال عبر التاريخ، ساعدتهم صفة الموهوبين في الوصول إلى خدمات جديدة والعيش حياة أكثر سعادة. ومع ذلك، فإننا نعلم أيضاً أنّ اختبارات الذكاء متحيزة تجاه بعض المجموعات المتميزة بالفعل؛ والتي تحدد أولاد الطبقة الوسطى البيض على أنهم موهوبون.