Reading Time: 5 minutes

هناك طريقتان لدراسة الغابات، الأولى من خلال العمل الميداني، حيث ينزل العلماء بأنفسهم إلى الغابات الطبيعية، ويقوموا بجمع قياسات تفصيلية لأحجام الأشجار وأشكالها، والثانية من خلال تقنية التصوير بالليزر دون الحاجة للعمل الميداني، حيث أصبح بالإمكان مؤخراً القيام بهذه الأبحاث من الفضاء، من خلال استخدام منظومة تصوير بالليزر على ارتفاع 250 ميلاً من سطح الأرض؛ وتتحرك بسرعة تفوق 17 ألف ميل في الساعة؛ لتقوم بحساب حجم الأشجار وعددها بشكلٍ فردي. وتوفر هذه الطريقة قياسات عالية الدقة – والأفضل من ذلك كله بالنسبة للعلماء- عدم التعرض للدغات البعوض.

كثيراً ما يكون العمل الميداني مصدر إرهاقٍ شديد. تقول لورا دونكانسون، الأستاذ المساعد في العلوم الجغرافية بجامعة ماريلاند، وهي تتذكر ضاحكة أيامها الأولى في هذا المجال كطالبة جامعية: “شهد أول صيف لنا في شمال أونتاريو موجة حارة، وكان البعوض فظيعاً بصورة لا تحتمل. كنا نقيس أقطار جذوع عدد كبير من أشجار التنوب الشائكة صغيرة الحجم، في الوقت الذي كنت فيه مغطاة بالعرق والخدوش ولدغات الحشرات”.

واليوم، تقوم “لورا” و”رالف دوبايا”، أستاذ العلوم الجغرافية في الجامعة، ومعهما علماء من ناسا، باستخدام تقنية جديدة متطورة تم تركيبها على متن محطه الفضاء الدولية لمساعدة الباحثين على صنع أول خريطة ثلاثية الأبعاد للغابات المعتدلة والاستوائية في العالم. ستقوم منظومة الدراسة العالمية لديناميكيات النظام البيئي The Global Ecosystem Dynamics Investigation (GEDI) بتوفير صور ثلاثية الأبعاد للغابات.

تمتص الغابات ثاني أكسيد الكربون الذي يعمل على تسخين كوكب الأرض، والذي يتم إطلاقه في الجو عن طريق حرق الوقود الأحفوري. إذا تُركت الغابات كما هي، فإنها تمتص كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون. لكن عندما يحرق الناس الأشجار لتطهير الأرض لأغراض الزراعة، وغيرها من المشاريع، فإن هذه العملية تُعيد كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون إلى الهواء. يصعب معرفة مدى تأثير جهود حماية الغابات ومحاولات إعادة إنمائها، لأننا لا نعرف بشكل واضح ودقيق مقدار الكربون المخزون فيها. وهنا يأتي دور منظومة (GEDI) التي تسعى لسد هذه الفجوة.

تشير “لورا”: “إذا كنت تحاول تصميم روبوتات للمساعدة في مكافحة التغير المناخي، فإن أفضل روبوت يمكن أن أفكر به، يجب أن يكون قادراً على امتصاص ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي وتخزينه في مكانٍ ما، وبالتالي تقليل تأثير الانبعاثات الكربونية من الوقود الأحفوري”، وتضيف: “أريد  كذلك أن تكون كلفة إنتاج وصيانة هذه الروبوتات منخفضة، وأن تتواجد بنجاح لفترة طويلة، وفي أي مكان على هذا الكوكب بأعداد كبيرة. الأشجار أفضل بالفعل من أي روبوتات يمكن تصميمها لهذا الغرض. لقد تكيفت؛ لتنمو وتخزن الكربون في بيئاتها المحلية بالشكل الأمثل. وفوق هذا تتكاثر مجاناً. وهي موجودة في أي مكان تقريبا على هذا الكوكب. إذا تركت حديقة منزلك الخلفية لحالها لفترة كافية، فأغلب الظن ستتحول من تلقاء نفسها إلى ما يشبه الغابة. لذا فإن آلات امتصاص الكربون الطبيعية المذهلة هذه تساعدنا بالفعل في التخفيف من تغير المناخ، ورغم إدراكنا لذلك كله، فإننا حتى الآن لم ننجح بشكلٍ كاف في الحد من إزالة الغابات”.

تم إرسال منظومة (GEDI) إلى محطة الفضاء الدولية في ديسمبر، بواسطة مهمة إعادة الإمداد. التي تأخر إطلاقها إلى الفضاء يوماً واحداً بسبب واقعة “طعام فأر التجارب” الشهيرة. يقول “دوبايا”، الباحث الرئيسي في البعثة: “لقد اكتشفوا أن الطعام المخصص من أجل تجربة الفأر كان مصاباً بالعفن”. وحتى بعد أن قامت ناسا بحل مشكلة طعام الفأر، واجهت المهمة المزيد من الصعوبات التي كادت أن تحول دون إقلاعها.

فحص المرآة الرئيسية لمُستقبِل التليسكوب الخاص بمنظومة (GEDI).
مصدر الصورة: ناسا

يقول دوبايا: “كان يوم الإطلاق عاصفاً جداً. قبل دقائق قليلة من الموعد المقرر، كان الأمر لا يزال غير واضح، إذا كنا سننجح في الصعود اليوم، أم لا؟ وبعد ذلك، قمنا جميعاً بالعد التنازلي، وصاح الجميع (صفر)، لكن لم يحدث شيء”، وبعد بضع ثوان ساد فيها التوتر، بدأ الصاروخ أخيراً في الانطلاق. ثم أضاف “إن مشاهدة شيء عملت عليه طوال أكثر من عشرين عاماً، يصعد أخيرًا إلى السماء هو شعورٌ رائع بالفعل”.
يوضح “دوبايا” الكيفية التي ستساعد بها منظومة (GEDI) العلماء في دراسة الغابات، حيث ستقوم أداةٌ متطورة بإرسال نبضات الليزر إلى الأرض مستهدفةً الغابات التي تقع أسفل مدار محطة الفضاء الدولية. ترتد الأشعة من أول شيء تصطدم به، سواءً كان قمة شجرة كثيفة الأوراق، أو فرعاً، أو حتى الأرض التي تنمو عليها الغابة. وتعود الأشعة إلى تلسكوب (GEDI) في المحطة الفضائية، لتوفر خريطة مفصلة ثلاثية الأبعاد للغابات. يستطيع الليزر قياس ارتفاع الأشجار، وتحديد مدى كثافة أوراقها وفروعها.

تستطيع الأشجار الطويلة الضخمة أن تخزن الكربون بكميات أكبر من الأشجار الصغيرة. وعندما تجف، يصبح تقريباً نصف وزن الأشجار عبارة عن كربون، والذي سيتم إعادته إلى الغلاف الجوي إذا تم قطع الأشجار وحرقها. ففي حين أن الغابات الناضجة ذات الأشجار الكبيرة مهمة لتخزين الكربون في جذوعها، فإن الأشجار الصغيرة التي تنمو بسرعة تستطيع أن تمتص الكربون من الغلاف الجوي بمعدل أعلى بكثير.

صورة من محطة الفضاء الدولية.
مصدر الصورة: ناسا

يقول “براين بلير”، العالم المختص بمنظومة (GEDI) في مركز غودارد لرحلات الفضاء في ناسا ونائب المفتش العام، إن قياس المخزون الكربوني للغابات “مرتبط بطول الأشجار، ومدي ضخامتها، وعدد الفروع والأوراق المتواجدة بها، ومدي كِبر جذورها”. والأهم من ذلك أن تلك المنظومة ستمكننا من الحصول على بيانات متسقة عن كل غابات العالم.

تقول لورا: “إذا كنا نستطيع قياس كل شجرة على الأرض بطريقة موحدة لنحصل على نتائج متسقة، فلن نحتاج منظومة (GEDI)”. وتضيف: “لكن من الواضح أننا لا نستطيع القيام بذلك”. فلا تقوم كل دولة باستثمار نفس مقدار الموارد لقياس الغابات المُخزنة للكربون لديها، وغالبا ما تُجري القياسات باستخدام أساليب مختلفة، يصعب المقارنة بينها، لكن بوجود منظومة (GEDI) “سيصبح لدينا بيانات حول كل أنواع الغابات على الكوكب، لذا سيتمكن كل عالم من استخدام هذه البيانات المتاحة للجميع لإجراء الدراسات في مجال اهتمامه”.

يشير “توماس كروثر”، عالم البيئة في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا (ETH) في زيوريخ ورئيس (مختبر كروثر Crowther Lab)، إلى أن منظومة (GEDI) تمثل طفرة كبيره في دراسة الغابات، “فنحن على شفا ثورة جديدة في البيانات. وهذه المعلومات الجديدة ستغير فهمنا لهيكل النظام البيئي على الأرض”. وبالجمع بين تلك البيانات والقياسات التي تتم على أرض الواقع، سيتحسن فهمنا لعملية تخزين الكربون على الأرض، والكيفية التي يرجح أن يتغير بها، فيما تبقى من هذا القرن”.

الغابات الكولومبية المطيرة.
مصدر الصورة: Pexels

ومع ذلك، فإن منظومة (GEDI) لها حدود، فهي لن تجمع بيانات شاملة تُغطي كل شيء، فمثل العديد من الأقمار الصناعية البصرية أو الرادارية، لا يمكنها اختراق الغيوم الكثيفة، لذا في المناطق الغائمة على الدوام، سنحصل على بياناتٍ أقل. وبالرغم من ذلك، سنحصل على أضعاف مضاعفة من البيانات المتعلقة ببنية الغابات ثلاثية الأبعاد أكثر من أي وقت مضى، ونتوقع ما يعادل 10 مليارات محاولة رصدٍ خاليةً من السحب.

يمكن لمنظومة (GEDI) رؤية الغابات التي تقع فقط بين دائرتي عرض 50 درجة شمالاً وجنوباً، وهي المساحة الواقعة في نطاق تغطية محطة الفضاء الدولية. وهو ما يجعل الغابات الشمالية خارج تغطيتها؛ لذا تم إطلاق نظام قياس ليزر آخر في سبتمبر، وسيكون مفيداً في قياس الغابات الأقل كثافة في أمريكا الشمالية وأوروبا.

ستكون كل البيانات التي تقدمها منظومة (GEDI) متاحة للجميع، لذا يمكن للعلماء من تخصصات متنوعة الاستفادة منها. تقول لورا: “إن مجال اهتمامي الشخصي هو المخزون الكربوني للغابات، ورسم خرائط التدفق، وفهم التنوع الهيكلي للغابات من منظور بيئي، بينما أعضاء آخرون في فريقنا مجال بحثهم رسم خرائط التنوع البيولوجي، وصنع نماذج للأنظمة البيئية. أحد المشاريع التي أعمل عليها، يبحث فقد الكربون من الغابات في ولاية كاليفورنيا، ولدي مشروع آخر يبحث الخسائر الناجمة عن إنتاج الفحم النباتي في موزمبيق. فكما نرى نطاق التطبيقات واسعٌ جداً”.

كما أن هذه المنظومة ستكون مفيدة في رسم الخرائط الطبوغرافية، لتحديد وفهم بيئة الغابات الأكثر طولاً في هذا الكوكب، “ولحل الألغاز المتعلقة بكيفية ارتباط بنية النظام البيئي بالوظائف والقدرة على التأقلم”. وتختتم “لورا” حديثها قائلة: “أنا متأكدة من أن الناس سيستخدمون بيانات منظومة (GEDI) لأشياء لم تخطر حتى على بالنا بعد”.

نُشرت مقالة “مارلين سيمونز” في Nexus Media، وهي وكالة إخبارية مُشاركِة للمحتوى تغطي أخبار المناخ والطاقة والسياسة والفن والثقافة.