Image

يمكن لصباغ الميلانين أن تعمل كطلاء للزرعات الإلكترونية في جسم الإنسان

Bread assortment لن تقوم بشرتك بتشغيل ساعتك الذكية، ولكن يمكن أن يفيدك الصباغ الموجود داخلها في تطبيقات إنسان السايبورغ خاصتك. حقوق الصورة: DepositPhotos

لطالما بحث العلماء عن طرق وآليات تزيد من فعالية الزرعات الطبية في الجسم البشري، وضمان استمرار وظيفتها، وعدم رفضها من قِبل الخلايا الحية كونها جسم أجنبي غريب عنها. لذا تتجه الأبحاث الحالية نحو تطوير بنيات يمكن أن تعمل كعازلٍ بين الزرعات البشرية وبين الخلايا الحيوية،  ما يسمح بخداع الجسم البشري لتقبل الزرعات باعتبارها جزءاً منه.

يُعتبر “الأوميلانين” -صبغة الميلانين السوي الموجودة طبيعياً في جسم الإنسان، والتي تعمل على تلوين الجلد والشعر والعينين- مرشحاً مثالياً لهذا الدور، حيث يملك خصائص الموصل الكهربائي، إلا أن المشكلة التي كانت تعوق استخدامه هي عدم وجود طريقة مناسبة تزيد من فاعليته كموصل كهربائي. كان هذا حتى الأسبوع الأخير من مارس / آذار 2019، حيث أشار بحث جديد قام به باحثون إيطاليون متعددي التخصصات، ونُشر في دورية “فرونتيرز الكيمياء”، إلى اكتشاف طريقة مبتكرة تعزز الموصلية الكهربائية للأوميلانين بشكلٍ كبير.

لا يوجد تفاعل تبادلي بين كل الخلايا الحية في البشر والكائنات الأخرى، وبين الأوميلانين، ما يعني أنه يمكن استخدامه لتغليف الزرعات الطبية أو الأجهزة الأخرى التي تُصمم للقيام بمهام داخل جسم الإنسان دون إلحاق الضرر به، حيث لن يرفضه الجسم البشري لكونه صبغة موجودة بطبيعة الحال كإحدى مكوناته، وفي نفس الوقت سيعمل كعازل يغلف الزرعات البشرية، ويُحسّن كفاءة عملها على مستوى أقطابها الكهربائية، كونه ناقل للجهد الكهربي المنخفض.

تكمن المشكلة في كون الأوميلانين -بشكله الطبيعي- غير منتظم على المستوى الجزيئي إلى الحد الذي يُمكّنه من توصيل الكهرباء بكفاءة. وقد فشلت الجهود البحثية السابقة في تحسين هذه الخاصية دون إضافة المعادن أو غيرها من المواد الكيميائية التي لا يتعرف عليها جسم الكائن الحي لكونها أجسام غريبة عنه. وهكذا طور الفريق البحثي طريقة نظمت تلك الجزيئات المستهدفة، بحيث يمكن أن تتدفق الكهرباء من الكترون إلى آخر بهدف جعل الأوميلانين أكثر قدرة على التوصيل الكهربائي دون إضافة عوامل خارجية.

لتوضيح الطريقة المبتكرة التي استخدمها الفريق البحثي في تحسين انتظام الأوميلانين على المستوى الجزيئي، يقول المؤلف المشارك في الدراسة “باولو تاسيني”، وهو مهندس كهرباء من الوكالة الوطنية الإيطالية للتكنولوجيات الجديدة والطاقة والتنمية الاقتصادية المستدامة: “قمنا بتسخين الأوميلانين في حيز مفرغ من الهواء، وقد مكنتنا هذه الطريقة من عزل الأكسجين وبخار الماء تماماً”، وفي هذه الحالة ومع عدم وجود جزيئات إضافية معه، سيتحسن أداء الأوميلانين بشكل أفضل.

بفضل هذه العملية، يتحول الأوميلانين إلى موصل حقيقي، حيث تزداد قوة التوصيل فيه إلى تسع أضعاف ما كانت عليه. وقد أطلق الباحثون عليه اسم “الأوميلانين المُلدن عالي التفريغ” واختصاره “HVAE”.

بدوره يشير “أليساندرو بيزيلا” الباحث الرئيسي في الدراسة الجديدة، وأخصائي الكيمياء العضوية بجامعة نابولي فيديريكو الثاني إلى أنه “بالرغم مما وصلنا إليه من نتائج، لا يزال الأوميلانين بطبيعته كصبغة مختلفاً تماماً عن المعادن من حيث ميزات التوصيل الكهربائي”. بالطبع لا يمكن مقارنة “الأوميلانين الملدن عالي التفريغ” أو “HVAE” بالمعادن لكونه أضعف بكثيرٍ منها، لكنها المرة الأولى التي يدخل فيها الأوميلانين المعدل في نطاق مفيد للإلكترونيات الحيوية.

يعتقد “فيليب ميسرسميث” عالم المواد بجامعة كاليفورنيا في بيركلي أن هذا البحث مهم للغاية، لكن لا تزال هناك الكثير من الأسئلة والتحديات التي لم يتم حلها بعد. تعتبر المشكلة الأبرز بينها في أن الأوميلانين يفقد الموصلية الكهربائية عند التعرض للماء، ونتيجة لذلك تقل الموصلية الكهربائية في الأوميلانين المعدل. وبالطبع سيشكل هذا تحدياً بحثياً جديداً، وذلك بالنظر إلى أن الماء هو العنصر الأساسي والغالب في جسم الإنسان.

يشير “بيزيلا” إلى أن الخطوة التالية تتمثل في تصنيع “بنية بسيطة للغاية تشبه الفيلم الرقيق من الأوميلانين المعدل “HVAE”. ويعتقد الباحثون أن هذا الفيلم الرقيق يمكن أن يمهد الطريق لتطبيقات هامة، مثل طلاء الأجهزة الكهربائية المخصصة للزرعات البشرية أو تغليفها، بحيث يكون “الأوميلانين المعدل” هو السطح العازل ما بين الخلايا الحيوية في الجسم البشري والأقطاب الكهربائية في تلك الزرعات الدخيلة، وبالتالي سيطور كفاءة عمل الزرعات البشرية، إلا أن تحقيق هذا الأمر سيستغرق بالطبع الكثير من الوقت والجهد.

error: Content is protected !!