Reading Time: 6 minutes

استُخدمت الحيوانات في الإنتاج الصناعي للقاحات البشرية منذ إنشاء مزارع اللقاحات لفيروس جدري البقر من العجول في أواخر القرن التاسع عشر. ومن تلك النقطة، وخلال النصف الأول من القرن العشرين، استمر تطوير معظم اللقاحات باستخدام الحيوانات؛ إما عن طريق زراعة مسببات الأمراض في الحيوانات الحية أو باستخدام الخلايا الحيوانية. ولكن نظراً لمشاكلها العديدة، اتّخذ العلماء خطوةً أكثر جموحاً، وفاعليةً بالطبع. إذا لجأوا إلى استخدام الخلايا البشرية في صناعة اللقاحات.

مشاكل استخدام الخلايا الحيوانية في صناعة اللقاحات

على الرغم من أن العديد من اللقاحات والمنتجات المضادة للسموم قد تم تطويرها بنجاح بهذه الطريقة، فإن استخدام الحيوانات في تطوير اللقاح -وخاصة الحيوانات الحية- ليس أمراً مثالياً. فالحيوانات المطلوبة باهظة الثمن، وتتطلب مراقبة مكثفة للحفاظ على صحتها ولضمان استمرارية البحث. أيضاً قد تحمل بكتيريا أو فيروسات أخرى يمكن أن تلوث اللقاح النهائي، وهو ما حدث مع لقاحات شلل الأطفال في منتصف القرن العشرين والتي تم تصنيعها باستخدام خلايا القرود، واكتشف في النهاية أنها تحتوي على فيروس يصيب القردة يُسمى «SV40». إلا أنه لم يكن ضاراً للإنسان، لكنه يثير التوجّس. علاوةً على ذلك، فإن بعض مسببات الأمراض، مثل فيروس جدري الماء، ببساطة لا تنمو بشكل جيد في الخلايا الحيوانية.

حتى عندما يتم تطوير اللقاح باستخدام المنتجات الحيوانية وليس الحيوانات الحية -مثل زراعة فيروسات لقاح الإنفلونزا في بيض الدجاج- يمكن إعاقة التطوير أو حتى إيقافه إذا انخفض توافر المنتجات الحيوانية. فإذا أصاب المرض الدجاج المنتج للبيض على سبيل المثال، قد يُنتج عدداً قليلاً جداً من البيض لاستخدامه في تطوير لقاح الإنفلونزا الموسمية، مما يؤدي إلى نقص خطير في اللقاح. لهذه الأسباب وغيرها، يعد استخدام تقنيات زراعة الخلايا لإنتاج فيروسات اللقاح في سلالات الخلايا البشرية تقدماً كبيراً في تطوير اللقاحات.

اقرأ أيضاً: لا زلنا غير متأكدين مما كان يحتويه أول لقاح جدري في العالم

كيف يعمل زع الخلايا؟

استخدام خلايا البشر في لقاح كورونا

shutterstock.com/Numstocker

يتضمن زرع الخلايا نمو الخلايا في وعاء زراعي؛ إذ تتكون مزرعة الخلايا الأولية من خلايا مأخوذة مباشرةً من الأنسجة الحية ولم تتم زراعتها من الباطن مطلقاً، وقد تحتوي على أنواع متعددة من الخلايا مثل الخلايا الليفية والخلايا الظهارية والبطانية.

سلالة الخلية؛ هي عبارة عن مزرعة خلوية تحتوي على نوع واحد فقط من الخلايا، تكون فيه الخلايا طبيعية ولديها قدرة محدودة على التكاثر. يمكن عمل سلالات خلوية عن طريق أخذ مزارع فرعية من مزرعة أولية أصلية حتى يتبقى نوع واحد فقط. يمكن معالجة المزارع الأولية بعدة طرق مختلفة لعزل نوع واحد من الخلايا؛ فتدوير المزرعة في جهاز طرد مركزي على سبيل المثال يمكن أن يفصل الخلايا الكبيرة عن الصغيرة.

يمكن للباحثين زراعة مسببات الأمراض البشرية مثل الفيروسات في سلالات الخلايا لتخفيفها، أي لإضعافها. وتتمثل إحدى طرق تكييف الفيروسات لاستخدامها في اللقاحات في تعديلها بحيث لا تعود قادرةً على النمو بشكل جيد في جسم الإنسان. يمكن القيام بذلك عن طريق زراعة الفيروس بشكل متكرر في سلالة من الخلايا البشرية يتم الاحتفاظ بها في درجة حرارة أقل من درجة حرارة الجسم العادية. فمن أجل الاستمرار في التكاثر، يتكيّف الفيروس ليصبح أفضل في النمو في درجات الحرارة المنخفضة، وبالتالي يفقد قدرته الأصلية على النمو بشكل جيد ويسبب المرض في درجات حرارة الجسم العادية. وعندما يتم استخدامه في اللقاح في وقتٍ لاحق وحقنه في جسم الإنسان الحي في درجة حرارة طبيعية، فإنه يبقى قادراً على إثارة استجابة مناعية، ولكن لا يمكنه التكاثر بما يكفي لإحداث المرض.

اللقاحات المطوّرة باستخدام سلالات الخلايا البشرية

استخدام خلايا البشر في لقاح كورونا

shutterstock.com/Dlumen

تم تصنيع أول لقاح مرخص باستخدام سلالة من الخلايا البشرية في أواخر الستينيات. كان لقاح الفيروس الغدي الذي اقتصر استخدامه عسكرياً. لكن تم تطوير لقاحات أخرى في سلالات الخلايا البشرية في وقتٍ لاحق، وأبرزها لقاح الحصبة الألمانية الذي طوره الباحث «ستانلي بلوتكين» الحائز على دكتوراه في الطب من معهد ويستار الأميركي في فيلادلفيا.

أدرك طبيب العيون الأسترالي «نورمان جريج» لأول مرة أن إعتام عدسة العين الخلقي عند الأطفال كان نتيجة إصابة أمهاتهم بالحصبة الألمانية أثناء الحمل في عام 1941. كما تم تحديد أن متلازمة «الحصبة الألمانية الخلقية» يمكن أن تسبب أيضاً الصمم وأمراض القلب والتهاب الدماغ والتخلف العقلي والالتهاب الرئوي والعديد من الحالات الأخرى. وفي ذروة وباء الحصبة الألمانية الذي بدأ في أوروبا وانتشر إلى الولايات المتحدة في منتصف الستينيات، حسب بلوتكين أن 1% من جميع الولادات في مستشفى فيلادلفيا العام تأثرت بمتلازمة الحصبة الألمانية الخلقية. وفي بعض الحالات، أنهت النساء المصابات بالحصبة الألمانية أثناء الحمل حملهن بسبب المخاطر الجسيمة الكامنة وراءها.

تم إرسال أحد الأجنّة المُجهضة إلى بلوتكين في المختبر الذي كرّسه لأبحاث الحصبة الألمانية. ووجد بلوتكين -باختبار كلية الجنين- فيروس الحصبة الألمانية وعزله. كما طور ليونارد هايفليك -الذي كان يعمل أيضاً في معهد ويستار في ذلك الوقت- سلالةً خلويةً تسمى «WI-38» باستخدام خلايا الرئة من جنين مُجهض بشكلٍ منفصل. كما اكتشف أن العديد من الفيروسات، بما في ذلك الحصبة الألمانية، نمت جيداً في تلك السلالة، وأظهر أنها أثبتت خلوها من الملوّثات وأنها آمنة للاستخدام في اللقاحات البشرية.

قام بلوتكين بزراعة فيروس الحصبة الألمانية الذي عزله في خلايا سلسلة «WI-38» المحفوظة عند 30 درجة مئوية، بحيث نما في النهاية بشكلٍ سيء للغاية في درجة حرارة الجسم الطبيعية. وبعد أن نما الفيروس 25 مرةً عبر الخلايا في درجة حرارة منخفضة، لم يعد قادراً على التكاثر بما يكفي لإحداث المرض في شخصٍ حي، ولكنه بقي قادراً على إثارة استجابة مناعية وقائية. لقاح الحصبة الألمانية الذي تم تطويره باستخدام سلالة «WI-38» الخلوية لا يزال يستخدم في معظم أنحاء العالم اليوم كجزء من لقاح «الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية».

اقرأ أيضاً: لماذا يؤلمك ذراعك في اليوم التالي لتلقي لقاح الإنفلونزا؟

القضايا الأخلاقية مع زرع الخلايا البشرية

استخدام خلايا البشر في لقاح كورونا

shutterstock.com/CNK02

على الرغم من أنه يُستخدم الآن منذ أكثر من 30 عاماً، إلا أن لقاح الحصبة الألمانية الذي ابتكره بلوتكين تم تجاهله في البداية من قبل إدارة الغذاء والدواء الأميركية لصالح لقاحات الحصبة الألمانية التي تم تطويرها باستخدام خلايا جنين البط وخلايا الكلى في الكلاب. ففي أواخر الستينيات، كان هناك قلق في الولايات المتحدة من أن اللقاح الذي تم تطويره باستخدام الخلايا البشرية يمكن أن يكون ملوثاً بمسببات الأمراض الأخرى، على الرغم من أن هذا القلق لم يكن مدعوماً بأدلة موثقة. وهذا مثير للاهتمام في ضوء الاكتشاف في وقتٍ سابق من العقد أن لقاحات شلل الأطفال التي تم تطويرها باستخدام خلايا كلى القردة الأولية كانت ملوثة بفيروسات القردة؛ وكان هذا أحد الأسباب التي دفعت الباحثين إلى استخدام سلالة الخلايا البشرية الطبيعية «WI-38» في المقام الأول.

وفقاً لهايفليك، ​​كان السبب الرئيسي لاستخدام خلايا سلالة «WI-38» هو حقيقة أنه يمكن تخزينها في نيتروجين سائل، وإعادة تكوينها، واختبارها جيداً قبل استخدامها في تكييف الفيروسات. إذ لا يمكن تجميد خلايا كلى القردة الأولية ثم إعادة تكوينها للاختبار، لأن هذا ينتهك مفهوم الخلايا الأولية؛ وهي في الأصل الفئة الوحيدة من الخلايا التي سمحت بها إدارة الغذاء والدواء لإنتاج فيروس بشري اللقاحات.

أثارت المجموعات التي تعارض الإجهاض أسئلةً أخلاقية حول لقاح بلوتكين ضد الحصبة الألمانية ولقاحات أخرى تم تطويرها باستخدام سلالات خلايا بشرية مماثلة على مر السنين. وبسبب موقفها من الإجهاض، طلب بعض أعضاء الكنيسة الكاثوليكية توجيهها الأخلاقي بشأن استخدام اللقاحات المطورة باستخدام سلالات خلوية بدأت بخلايا جنينية بشرية. وهذا يشمل لقاح الحصبة الألمانية وكذلك ضد جدري الماء والتهاب الكبد «أ»، ومؤخراً، لقاح «جونسون آند جونسون» لفيروس كورونا. فالموقف الرسمي وفقاً للمركز الوطني الكاثوليكي لأخلاقيات علم الأحياء هو أنه يجب على الأفراد استخدام اللقاحات التي لم يتم تطويرها باستخدام سلالات الخلايا البشرية هذه عند الإمكان.

كما لوحظ أن الكاثوليك يشجعون شركات الأدوية على تطوير لقاحات مستقبلية دون استخدام هذه السلالات الخلوية. لكن لمعالجة المخاوف بشأن بقاء الخلايا الجنينية كمكوّنات فعلية للقاحات، أكّد الباحثون على وجه التحديد أن الخلايا الجنينية لم تُستخدم إلا لبدء سلالات الخلايا التي تم استخدامها في تحضير فيروس اللقاح المُضعّف.

فالخلايا السليلة هي الوسط الذي يتم فيه تحضير هذه اللقاحات. إذ بدأت خطوط الخلايا المدروسة حالياً باستخدام خلايا مأخوذة من جنين واحد أو أكثر تم إجهاضهم منذ ما يقرب من 40 عاماً. ومنذ ذلك الوقت نمت خطوط الخلايا بشكلٍ مستقل. كما أنه من المهم ملاحظة أن الخلايا التابعة ليست خلايا الطفل المجهض، ولم تشكّل أبداً جزءاً من جسد الضحية.

لقاح كورونا باستخدام سلالات الخلايا البشرية

استخدام خلايا البشر في لقاح كورونا

shutterstock.com/David-Persson

مع البدء في تطوير لقاح لفيروس كورونا باستخدام سلالات الخلايا البشرية؛ قفزت إلى السطح الأسئلة الأخلاقية مجدداً، على الرغم من أن هناك سلالتين رئيسيتين من الخلايا البشرية تستخدم لتطوير اللقاحات المتاحة حالياً، إذ تم تطوير سلالة الخلايا «WI-38» عام 1962 في الولايات المتحدة، وتم تطوير سلالة خلية «MRC-5» -التي بدأت أيضاً بخلايا رئة الجنين- باستخدام تقنية هايفليك عام 1970 في مركز البحوث الطبية في المملكة المتحدة.

وتجدر الإشارة إلى أن أساليب هايفليك تضمّنت إنشاء بنك ضخم من خلايا «WI-38» و «MRC-5» التي ستخدم احتياجات إنتاج اللقاح لعدة عقود في المستقبل على الرغم من عدم قدرتها على التكاثر اللامتناهي مثل خطوط الخلايا الخالدة.

وتم تطوير اللقاحات أدناه باستخدام سلالات خلايا «WI-38» أو «MRC-5».

  • لقاح فيروس كورونا «جونسون آند جونسون».
  • لقاحات التهاب الكبد.
  • لقاح الحصبة الألمانية.
  • لقاح الحماق -جدري الماء-
  • لقاح النطاقي -القوباء المنطقية-
  • لقاح الفيروسات الغدية من النوع «4» والنوع «7» التي تؤخذ عن طريق الفم.
  • لقاح داء الكلب.

وقدّر الباحثون أن اللقاحات المصنوعة من سلالة «WI-38» الخلوية منعت ما يقرب من 11 مليون حالة وفاة، وعالجت ما يقرب من 4.5 مليار حالة مرضية، لكن يبدو أن الجدل حولها سيستمر.

اقرأ أيضاً: لماذا لا توجد مضادات الفيروسات بكثرة؟