Reading Time: 7 minutes

فكر في اللعبة التي اعتدنا لعبها صغاراً عندما يهمس أحد الأشخاص بهدوء برسالة إلى الشخص الذي بجانبه، والذي يقوم بعد ذلك بنقلها إلى الشخص التالي في الصف، وهكذا دواليك. في كل مرة يتم فيها نقل الرسالة، قد يتم سماع بعض الأجزاء أو يساء فهمها، وقد يتم تغيير أجزاء أخرى أو تحسينها أو نسيانها ببراءة. وبمرور الوقت يمكن أن تصبح الرسالة مختلفة تماماً عن الرسالة الأصلية. وهذه تماماً هي الذاكرة. مما طرح العديد من التساؤلات حول حقيقة الأحداث المخزنة في ذاكرتنا وكيف يعمل الدماغ على تصنيفها وفرزها وتجميل وتقبيح بعضها وفقاً لمعايير محددة.

ذكرياتنا تتغير بمرور الوقت

بدأت مجموعة من الباحثين تحقيقاً بحثياًً في عام 2001 بعد أيام من هجمات 11 سبتمبر/أيلول على الولايات المتحدة الأميركية بحثاً في الطريقة التي تتغير بها ذكرياتنا عن التجارب الشخصية بمرور الوقت. إذ إطلب علماء النفس من أكثر من اثنتي عشرة جامعة في جميع أنحاء الولايات المتحدة من 2100 أمريكي وصف تجربتهم بالتفصيل في ذلك اليوم المأساوي.

وشملت الأسئلة مكان وجودهم ومع من كانوا وكيف تفاعلوا مع الأخبار. كما تم استجواب المتطوعين مرة أخرى بعد فاصل زمني مدته سنة و 3 سنوات و 10 سنوات. ووُجد أن أربعين في المائة من المستجيبين قد غيّروا ذكرياتهم عن الحدث بشكلٍ ملحوظ مع مرور الوقت. من الغريب أن القصص خضعت لأكبر تغيير عندما مر عام واحد بعد 11 سبتمبر. وبعد ذلك، مال المتطوعون إلى سرد نفس القصة الزائفة في العقد التالي.

يقول مؤلف الدراسة؛ «ويليام هيرست»، أستاذ علم النفس في المدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعية: «تبدأ بعد فترة في نسج قصة متماسكة للغاية. وعندما يكون لديك قصة منظمة ومتماسكة، يتم الاحتفاظ بها لفترة طويلة جداً». تكشف النتائج عن الجزء المهم الذي تلعبه روايتنا الداخلية للأحداث، بينما تكشف أيضاً أن ذكرياتنا لا يمكن الاعتماد عليها بشكل مطلق. وذلك ليس فقط لأننا قادرون على تصديق القصص الكاذبة – وهو أمر انتشر على مدار العقدين الماضيين بكثرة بتصديق الأخبار الكاذبة-، بل أيضاً بسبب وجود ميل مذهل لدينا لتغيير الذكريات في أذهاننا مع تقدم الوقت.

اقرأ أيضاً: تؤثر ذكرياتنا المؤلمة على رؤيتنا للحياة، إليك تفسير ذلك

ما ذكرياتنا إلا قصة يعاد سردها باستمرار

استرجاع الذكريات

shutterstock.com/conrado

لما نفعل هذا؟ حسناً، تعمل عقولنا باستمرار على بناء قصة تشكل جزءاً لا يتجزأ من هويتنا، وأدمغتنا ببساطة لا تعمل مثل التخزين السحابي. وكما يقول أحد الباحثين: «ذاكرة الإنسان ليست مثل الكمبيوتر، إنها معصومة للغاية.» مثال على ذلك هو الطريقة التي نميل بها إلى الاعتقاد بشيء خاطئ طالما أنه يتناسب بشكل مريح مع سياق السرد. إذ يقدم «دانيال كانيمان»؛ عالم النفس والحائز على جائزة نوبل، مثالاً رائعاً على كيفية بحثنا دائماً عن السببية، وإعادة صياغة الأحداث لتلائم السياق، وكيف نكون مستعدين لتصديق الأشياء طالما أنها تتلاءم مع السياق.

ففي كتابه، «التفكير بسرعة وببطء»، يعرض بالتفصيل عنوانين رئيسيين نشرتهما صحيفة «بلومبرج نيوز» للأنباء في اليوم الذي مات فيه صدام حسين. إذ ركّز كلاهما على كيفية تأثير الحدث الرئيسي على أسعار السندات. ورد في أحد العناوين الرئيسية «ارتفاع سندات خزانة الولايات المتحدة: القبض على حسين قد لا يكبح الإرهاب». وبعد نصف ساعة من نشر هذا العنوان، هبطت أسعار السندات وصدر عنوان منقّح؛ «سقوط سندات خزانة الولايات المتحدة: القبض على حسين يعزز جاذبية الأصول الخطرة».

فنحن بحاجة إلى مرساة لتأسيس ذكرياتنا، ونحن على استعداد لتغيير أو تشويه ذكرياتنا عن الأحداث المحيطة بها طالما أنها تعمل في خدمة السرد الأوسع والأنسب لنا. يدّعي كانيمان أن هذا يحدث بنشاط على مستوى اللاوعي مع ذاكرتنا الخاصة. ودليلٌ آخر على ذلك هو حقيقة أنه في دراسة 11 سبتمبر المذكورة أعلاه، ذكر 80% من المتطوعين معلومات الحدث التي حدثت في ذلك اليوم بدقة. أي أنهم تذكروا المرساة بشكلٍ أكثر دقة من تجاربهم الشخصية في ذلك اليوم.

التلاعب بالذكريات لتلائم الأحداث

يشير المحلل النفسي، «كين إيسولد» في تقريرٍ نُشر في صحيفة «نيويورك تايمز» بأن الاعترافات الكاذبة قد برزت في 24% من حوالي 289 إدانة تم عكسها بواسطة أدلة الحمض النووي. يمكن أن يكون الدافع وراء الاعترافات الكاذبة من خلال أساليب التخويف، أو من أجل تجنب أساليب الاستجواب المؤلمة. إذ أن حتى الذكريات لها دوافع. إنها مجرد مسألة درجة قوة ذلك الدافع.

قد تكون عقولنا تتذكر الأشياء بشكل خاطئ، مدفوعةً بدوافع اللاوعي. ويمكن أن يكون البحث مهماً للسماح لنا بفهم كيفية انتشار الأخبار الكاذبة، وكيف يكون البشر عرضةً للاعتقاد بمعلومات كاذبة والتأثر بالدعاية والإعلان.

مزيدٌ من التقدم لفكرة أن ذاكرتنا لا يمكن الاعتماد عليها بشكل مطلق هو دراسة استخدمت الهندسة الوراثية لتنشيط الحُصين في الفئران؛ وهي منطقة دماغية أساسية لتكوين الذاكرة. إذ تمكن الباحثون من جعل مجموعة واحدة من الفئران تعتقد خطأً أنها خطت على جزءٍ من متاهة، مما تسبب في وخزة كهربائية. كما اختبروا هذا على مجموعة أخرى من الفئران التي لم يتم زرع تلك الذكرى الخاطئة فيها.

وكانت النتائج أن الفئران ذات الذاكرة الخاطئة تجنبت البقعة، بينما لم تتجنبها المجموعة الأخرى. سلطت هذه الدراسة الضوء على الوظيفة المهمة للذاكرة كدليل للسلوك المستقبلي، بينما أظهرت، مرةً أخرى، مدى تعرضها للمُدخلات الخارجية.

يمكن للناس أن يتذكروا أحداثاً لم تحدث قط

استرجاع الذكريات

shutterstock.com/Protasov-AN

في تجربة نُشرت في دورية «سايكولوجيكال ساينس» أقنع الباحثون بعضاً من الطلاب بأنهم مذنبون بارتكاب جريمة وهمية. بالإضافة إلى سرد حدثٍ عاطفي حقيقي من حياة كل طالب استناداً إلى روايات مقدّمة من الوالدين أو مقدمي الرعاية. إذ ألمح الباحثون إلى سرقة أو اعتداء بسيط يُفترض أنه ارتُكب قبل سنوات.

بعد سلسلة من المقابلات وتمارين التخيل، نقل 70% من الطلاب تفاصيل من الحادث، إذ “تذكّر” بعضهم إلقاء حجرٍ على شخص ما، على سبيل المثال. وهذا يؤدي إلى نتيجة أنه يمكن أن يؤدي الاقتراح الاجتماعي إلى نتائج مماثلة. فقد يقول والداك إنهم أخذوك إلى ديزني لاند عندما كنت طفلاً، بينما كانت أختك التي ذهبت بالفعل. وقد يقودك تخيل تفاصيل الرحلة إلى الاعتقاد بأنك تتذكرها.

اقرأ أيضاً: إذا أردت أن تتذكر أي مناسبة مميزة، لا تلتقط صوراً أثناءها

نصف ذكرياتنا بشكل مختلف اعتماداً على المتلقي

عندما نصف ذكرياتنا لأشخاص آخرين، نستخدم ترخيصاً فنياً لسرد القصة بشكل مختلف اعتماداً على من يستمع. قد نسأل أنفسنا ما إذا كان من الضروري الحصول على الحقائق مباشرة، أو ما إذا كنا نريد فقط إضحاك المستمع. وقد نغير تفاصيل القصة اعتماداً على مواقف المستمع أو ميوله السياسية. تظهر الأبحاث أنه عندما نصف ذكرياتنا بشكل مختلف بحسب المتلقي، لا تتغير الرسالة فحسب، بل تتغير في بعض الأحيان الذاكرة نفسها. يُعرف هذا باسم «تأثير ضبط الجمهور».

في إحدى الدراسات حول تأثير ضبط الجمهور، شاهد المشاركون مقطع فيديو لقتال في الحانة. في الفيديو، دخل رجلان مخموران في مواجهة جسدية بعد أن تشاجر أحدهما مع صديقه، وشاهد الآخر فريق كرة القدم المفضل لديه يخسر مباراة. وطُلب بعد ذلك من المشاركين إخبار شخص غريب بما شاهدوه.

تم تقسيم المشاركين في الدراسة إلى مجموعتين؛ إذ قيل لمجموعة أن الرجل الغريب لم يعجبه أحد المقاتلَين الموجودين في الفيديو. بينما قيل للمجموعة الأخرى أن الغريب أحبّ ذلك المقاتل المختار نفسه. شكّلت هذه المعلومات الإضافية كيفية وصف الأشخاص ذلك المقطع للشخص الغريب. إذ أعطى المشاركون المزيد من الروايات السلبية عن سلوك المقاتل عندما اعتقدوا أن الشخص الغريب يكرهه.

والأهم من ذلك، أن الطريقة التي روى بها الناس قصتهم في وقتٍ لاحق أثرت على الطريقة التي يتذكرون بها سلوك المقاتل. وعندما حاول المشاركون لاحقاً تذكر القتال بطريقة محايدة وغير منحازة، قدمت المجموعتان رواياتاً مختلفة إلى حد ما عما حدث، مما يعكس موقف جمهورهم الأصلي. أي أنه إلى حد ما، أصبحت قصص هؤلاء المشاركين ذكرياتهم.

سردنا للذكريات بذاته قد يغيرها

استرجاع الذكريات

shutterstock.com/bbernard

تظهر لنا نتائج مثل نتائج الدراسة السابقة كيف يمكن لذكرياتنا أن تتغير تلقائياً بمرور الوقت كنتاجٍ لكيفية ومتى ولماذا نصل إليها. وفي الواقع، يمكن أن يكون استذكار ذكرىً ما هو بالضبط ما يجعلها عرضة للتغيير. ويُعرف هذا باسم «إمكانية الإيحاء المعززة للاسترداد».

وفي دراسة نموذجية لهذا التأثير، شاهد المشاركون فيلماً قصيراً، ثم خضعوا لاختبار الذاكرة بعد أيام قليلة. لكن خلال الأيام بين مشاهدة الفيلم وإجراء الاختبار النهائي، حدث شيئان آخران؛ أولاً، خضع نصف المشاركين لاختبار الذاكرة التدريبي. ثانياً، تم إعطاء جميع المشاركين وصفاً للفيلم لقراءته، لكنه يحتوي على بعض التفاصيل الخاطئة.

كان الهدف من هذه الدراسات هو معرفة عدد التفاصيل الخاطئة التي سيعيد الناس إنتاجها في النهاية في اختبار الذاكرة النهائي. ومن المعروف، بحسب مئات الدراسات أن الناس سيضيفون عن غير قصد تفاصيل خاطئة مثل هذه إلى ذكرياتهم. لكن هذه الدراسة وجدت شيئاً أكثرغرابة. فالمشاركون الذين خضعوا لاختبار الذاكرة التدريبي قبل وقتٍ قصير من قراءة المعلومات الخاطئة كانوا أكثر عرضةً لإعادة إنتاج هذه المعلومات الخاطئة في اختبار الذاكرة النهائي. مما يجعل التدريب والتكرار ليس في صالح البشر في هذه الحالة.

لماذا قد يكون هذا؟ إحدى النظريات هي أن إعادة سرد ذكرياتنا عن الأحداث الماضية يمكن أن يجعل تلك الذكريات قابلة للطرق مؤقتاً. بمعنى آخر؛ قد تكون استعادة الذاكرة أشبه بإخراج الآيس كريم من الفريزر وتركه في ضوء الشمس المباشر لفترة من الوقت. بحلول الوقت الذي تعود فيه ذاكرتنا إلى الثلاجة، ربما تكون قد أصبحت مشوهة قليلاً بشكل طبيعي، خاصةً إذا تدخل شخص ما في ذلك في هذه الأثناء. تعلمنا هذه النتائج الكثير عن كيفية تكوين ذاكرتنا وتخزينها. وقد يقودوننا إلى التساؤل عن مدى تغير ذكرياتنا العزيزة منذ أول مرة نتذكرها.

أو ربما لا. إذ تُظهر أبحاثٌ أخرى أن الناس عموماً غير مستعدين لاستثمار الوقت والجهد في التحقق من دقة ذكرياتهم. ولكن سواء اكتشفت بالفعل أي تغييرات صغيرة أو كبيرة حدثت أم لا، فمن غير المرجح أن تكون ذاكرتك العزيزة دقيقة بنسبة 100%. فالتذكر هو فعل سرد القصص فقط، بعد كل شيء. وذكرياتنا لا يمكن الاعتماد عليها إلا مثل أحدث قصة قلناها لأنفسنا.

تمرين عقولنا لإبقاء أذهاننا حادة

استرجاع الذكريات

shutterstock.com/Evan-Lorne

من الناحية التشريحية، الدماغ ليس بعضلة لكن علماء النفس وعلماء الأعصاب يقترحون معاملته كما لو كان كذلك. إذ يمكن أن تؤدي بعض الأنشطة إلى دماغٍ يعمل بشكل سليم وتذكّر أفضل للذاكرة بالإضافة إلى تعزيز القدرات العقلية.

أظهرت الدراسات أن اتباع نظام غذائي متوازن وممارسة الرياضة بانتظام يلعبان دوراً كبيراً في الحفاظ على صحة الدماغ. ولا يقتصر الأمر على إبعاد المرض العقلي فحسب، بل يمكن لتلك العوامل أيضاً تعزيز القدرة المعرفية. إذ تم إثبات فائدة أحماض «أوميغا 3» الدهنية، الموجودة في السلمون والجوز والكيوي، للدماغ منذ فترة طويلة. فهي تساعد على محاربة الاضطرابات النفسية وتحسّن وظائف التعلم والذاكرة.

كما أن الراحة مهمة للغاية. إذ يعتقد العلماء أن النوم يلعب دوراً مهماً في تنمية الذاكرة، في حين أن التوتر له تأثير رهيب على الدماغ. وفي النهاية، قد لا تكون ذاكرتنا موثوقة كما كنا نعتقد سابقاً، لكن لا يزال بإمكاننا اتخاذ خطوات للحفاظ على دماغٍ صحي يعمل لذكرياتنا الشخصية بكفاءة عالية.

اقرأ أيضاً: مسح الذكريات السيئة من الدماغ قد يصبح حقيقة