Reading Time: 3 minutes

بدأ مسؤولون حكوميون، أميركيون وكنديون، يتمركزون في كوبا، في أواخر عام 2016، في الإبلاغ عن مجموعة من الأعراض التي بدت وكأنها أعراض ارتجاج دماغي. تمثلت هذه الأعراض في صداع مفاجئ، إحساس بالدوخة والارتباك بعد سماع أصوات عالية النبرة. سرعان ما عُرف هذا المرض باسم «متلازمة هافانا»، وبقيت أسبابه مثار جدل حاد، وقد اقترح بعض الخبراء أن هذا الاضطراب منشؤه نفسي بحت. لكن دراسة جديدة وجدت اختلافات في أدمغة المصابين مقارنة بالأشخاص الأصحاء، وهذا يعني أن الاضطراب له أسباب أخرى غير الأسباب النفسية.

اعتمد البحث على دراسة سابقة، أجراها الفريق البحثي نفسه، رصدت المشكلات العصبية التي عاناها الأشخاص المتمركزون في كوبا الذين أبلغوا عن تلك الأعراض. تقول صاحبة الدراسة، راجيني فيرما، الأستاذة في قسم الأشعة واختصاصية التصوير الدماغي في كلية الطب بجامعة بنسلفانيا: «هذه هي نتائج التصوير الدماغي لتلك الأعراض التي عاناها المصابون».

استخدمت الدراسة، التي نشرت في دورية الجمعية الطبية الأميركية (JAMA)، نتائج مسح الدماغ لتحديد 3 جوانب مختلفة من عمل الدماغ عند 40 شخصاً تم تقييمهم سريرياً بعد تعرضهم لظاهرة لم تُحدد بعد. رصدت الدراسة الحجم الكلي لمناطق مختلفة من الدماغ، والبنية الدقيقة لأنسجة المخيخ المسؤول عن تنظيم الحركة والتحكم في التوازن، وشدة الترابط بين الشبكات الدماغية المسؤولة عن السمع والرؤية والمهارات المعرفية المعقدة مثل الذاكرة.

تقول فيرما: «إن الباحثين اختاروا تلك المناطق والشبكات الدماغية انطلاقاً من الأعراض السريرية التي رصدوها»، وتضيف: «لقد بدا لنا أنه لا بد من وجود خلل في المخيخ، وهو ما ساعد على تشكيل فرضيتنا»، وقد أبلغ المرضى أيضاً عن اضطرابات في الرؤية والسمع والذاكرة.

قارن الباحثون صور مسح أدمغة المرضى مع صور مشاركين من مجموعات ضبط، لديهم خلفيات تعليمية مختلفة، وتوضح فيرما: «تم مقارنة المصابين مع مجموعة الضبط الأولى بالاعتماد على معايير عدة؛ منها: حصولهم على درجة جامعية، وجودة مهاراتهم الحركية، وتعدد المهام في وظائفهم. أما المجموعة الثانية فكانت مجموعة ضبط تقليدية لأشخاص يعانون إصابات في الدماغ». تقول «دورينا باباجورجيو»، اختصاصية التصوير العصبي في كلية بايلور للطب: «إن أحد أوجه قصور الدراسة يتمثل في عدم قدرة الفريق على تكوين مجموعة ضبط تضم موظفين حكوميين أصحاء متمركزين في كوبا؛ بالإضافة إلى أن الفريق لا يتوفر لديه مسوحات دماغ المرضى قبل بدء الأعراض، التي ستسمح لهم بتحديد الحالة الصحية المرجعية لكل شخص، وبالتالي تتبع التغيرات أولاً بأول».

وجد الفريق من خلال التحليل أن المرضى المتمركزين في كوبا -بالمقارنة مع مجموعات الضبط- لديهم كمية أقل من المادة البيضاء التي تحتوي على أجزاء الخلايا العصبية، التي تربط مناطق الدماغ بعضها ببعض. ورصد الباحثون علاوة على هذا اختلافات في المخيخ عند المصابين، وترابطاً أقل على مستوى الشبكات الدماغية المسؤولة عن السمع والبصر، باستثناء الأشخاص الذين يتولون وظائف تنفيذية.

تقول فيرما: «إن أنماط التغيرات في حجم الدماغ وفي المخيخ تختلف عن أنماط التغيرات التي لوحظت في أي أمراض أخرى؛ فهي لا تشبه تلك التي رصدوها عند المرضى الذين تعرضوا لإصابات في الدماغ، أو غيرها من الاضطرابات العصبية المعروفة»، وتستطرد: «تقتصر هذه التغيرات -على حد علمي- على هؤلاء المرضى»، وتختم بقولها: «إن معاينة أنماط جديدة مثل هذه أمر نادر للغاية».

وتشير النتائج بالفعل إلى وجود تغيرات هيكلية ووظيفية في الدماغ توفر أساساً محتملاً لتفسير الأعراض السريرية التي رصدها الباحثون. كما ترد هذه الدراسة على بعض الانتقادات التي وجهت إلى الورقة البحثية التي سبق للفريق نشرها، والتي قَيَّمت الأعراض العصبية للمصابين، وشكك بعض الباحثين في أن النتائج التي خلصت إليها الورقة البحثية يمكن ردها إلى عوامل نفسية، لكن الملاحظات السريرية، حسب قول فيرما، اعتمدت مقاييس موضوعية؛ إذ افترض الباحثون وجود خلل في المخيخ، وهو ما أكدته نتائج التصوير الدماغي.

وليس واضحاً بعد ما يمكن استنتاجه من الفحص السريري الذي تتبع التغيرات الإجمالية عند المصابين، وفقاً للملاحظة التي أرفقها المُحرر مع الدراسة المنشورة في الدورية؛ فيقول «جيرارد جيانولي»، اختصاصي الاضطرابات العصبية في الأذن بمعهد «Ear and Balance Institute» في لويزيانا: «إن دلالة التغيرات التي رصدت بين المجموعتين ليست واضحةً بما فيه الكفاية»، ويضيف أنه أكثر اقتناعاً بورقة بحثية نشرت عام 2018 أظهرت وجود تلف على مستوى الأذن الداخلية عند المصابين. وتوفر الدراسة الجديدة رغم ذلك بيانات مهمة، ويقول في هذا الصدد: «نتائج الدراسة جزء من الحل، وتتيح معلومات إضافية وقيّمة».

يقول جيانولي: «إن التغيرات التي لوحظت عند المرضى، سواء أكانت في الدماغ أم على مستوى الأذن الداخلية، قد تكون أسبابها متعددة ومختلفة»، ويضيف: «إن الدراسة لا تحدد الأسباب الأولية التي تقف وراء ظهور تلك الأعراض»، وعلى المنوال نفسه

تقول فيرما: «إن أسباب هذه الأعراض قد لا تتضح أبداً»، ويعلق: «إن سألتني: هل حدث شيء ما؟ فسأجيب بنعم، لكن هذه الإجابة لا تخبرنا بكيفية حدوثه وسببه».