Image

الدواء الجديد شبيه بالكيتامين ويُعطى في صورة رذاذ أنفي لمرضى الاكتئاب المقاوم للعلاجات التقليدية

Bread assortment يُعطى ’سبرافاتو‘ في صورة رذاذ أنفي، لكن في حضور الطبيب. حقوق الصورة: DepositPhotos

اعتمدت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية يوم الثلاثاء الماضي دواءً جديدًا لعلاج الاكتئاب يحتوي على مادة ’الإسكيتامين‘ ويُعطى في صورة رذاذ أنفي يحسن الحالة المزاجية للمريض خلال ساعات من تناوله.

الشركة الحاصلة على براءة الاختراع لهذا الدواء الجديد هي “جونسون آند جونسون” وستسوقه بالاسم التجاري “سبرافاتو”. لوهلة يبدو هذا خبراً رائعاً لأكثر من 300 مليون شخص حول العالم يعانون من الاكتئاب، لا سيما الذين لا تستجيب حالتهم للعلاجات التقليدية؛ لكن في الواقع لا تزال هناك بعض التعقيدات حول هذا الدواء.

يُفترض أن يُستخدم الدواء مع أحد مضادات الاكتئاب الأخرى، وألا يُصرف إلا للمرضى الذين جربوا استخدام اثنين من مضادات الاكتئاب من قبل ولم تتحسن حالتهم. والأهم هو أن موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية تشترط ألا يُتاح الدواء إلا في العيادات المعتمدة، حيث يُعطى “سبرافاتو” في صورة رذاذ أنفي، لكن في حضور الطبيب وسيكون على المريض أن يبقى لمدة ساعتين تحت إشراف الطبيب. كذلك سيُحظر على المريض قيادة السيارة لمدة 24 ساعة بعد تناول الدواء. تأتي هذه الاحتياطات بسبب الأعراض الجانبية للدواء، وأهمها التفارق (الانفصال عن الواقع) والهلوسة.

يشترك الإسكيتامين (سبرافاتو) في هذه الأعراض مع الكيتامين، وهو عقار يستخدم في عمليات التخدير لكن شاع استخدامه من قبل كمخدر شعبي ومادة إدمانية. لهذا سيحمل سبرافاتو أشد صيغ التحذير التي تضعها إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على الأدوية وهو المربع الأسود الذي يوضح أن هذا الدواء قابل للتعاطي كمادة إدمانية. كذلك سيوضح ذلك المربع أن الدواء قد يؤدي إلى إثارة أفكار انتحارية لدى المريض!  وفي الحقيقة، ليس هذا أمرًا جديدًا بخصوص مضادات الاكتئاب المعروفة، كمثبطات إعادة امتصاص السيروتينين الانتقائية (SSRIs)، إذ نعرف على وجه اليقين أن لها آثارًا جانبية عديدة من بينها أيضًا إثارة الأفكار الانتحارية لدى المرضى على الأخص الصغار والمراهقين في الأسابيع الأولى من أخذ الدواء أو في مراحل تغيير الجرعة.

ما لا نفهمه تمامًا حتى الآن هو آلية حدوث مرض الاكتئاب وكذلك الكيفية التي تعمل بها مضادات الاكتئاب في علاجه. يُعتقد أن مثبطات إعادة امتصاص السيروتينين تعمل- كما يتضح من اسمها- على منع إعادة امتصاص السيروتينين ومن ثم زيادة توفره في المخ، مما يؤدي إلى تحسين حالة بعض المرضى وتخفيف أعراض الاكتئاب لديهم. لكنّ تلك العملية تستغرق عدة أسابيع على الأقل حتى يظهر تأثيرها ويصل إلى أعلى مستوياته. أما المثير بشأن الإسكيتامين فهو أنه يعمل بطريقة مختلفة ويظهر تأثيره سريعًا، حيث يستهدف الإسكيتامين مادة الغلوتامات، بأن يعوق مستقبلات الغلوتامات في المخ، فتزداد نسبتها وتحدث ذلك التأثير.

من الجدير بالذكر أيضًا أن الإسكيتامين يشترك في آلية العمل هذه مع الكيتامين، وأن بعض الدراسات خلال العقد الماضي قد أشارت إلى إمكانية استخدام الكيتامين  في علاج الاكتئاب، وأن عددًا قليلًا من الأطباء النفسيين بالولايات المتحدة قد استخدموا الكيتامين بالفعل في علاج الاكتئاب على مدار العقد الماضي، لكن على نطاق ضيق. كما أن الكيتامين ليس معتمدًا من جانب إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لهذا الاستخدام.

كان الدكتور ديفيد فيفيل، الطبيب النفسي والأستاذ بجامعة كاليفورنيا بسان دييجو، من أوائل من استخدموا الكيتامين لعلاج الاكتئاب في أثناء عمله بالجامعة. لهذا يبدو فيفيل متشككاً في الدواء الجديد، أو ربما في دوافع منتجيه. يشير فيفيل إلى أن كل ما هنالك هو أن الشركة المنتجة أرادت أن تحصل على براءة اختراع لتحتفظ بالحق الحصري في إنتاج الدواء، في حين أنه لو تم الحصول على اعتماد الإدارة لعقار الكيتامين كمضاد اكتئاب، ستستطيع كل الشركات إنتاجه. لكنّ الحصول على اعتماد إدارة الغذاء والدواء الأمريكية عملية مكلفة وتستغرق وقتًا طويلًا. وعلى حد قول فيفيل، “لم يرد أحد أن ينفق ملايين الدولارات ليستثمر في دواء لا يمكنه أن يحصل على براءة اختراع بشأنه”.

ومع ذلك، فقد ذكر فيفل أن الآثار الجانبية التي أشرنا إليها أعلاه ظهرت بنسبة أقل لدى المشاركين في التجربة السريرية، الذين تعاطوا إسكيتامين في صورة رذاذ أنفي، منها لدى المرضى الذين كانوا يأخذون كيتامين في صورة حقن أو محلول وريدي، وإن كانت لا تزال مدرجة كآثار جانبية للدواء الجديد. ومن ثم يبدو أن الدواء الجديد لا يخلو من فائدة. يشير فيفل أيضاً إلى أن مرضاه يرون تأثير الهلوسة الذي يحدثه الكيتامين ميزة وليس أمراً مزعجاً، وأنهم “يعتقدون أن ذلك الشعور الرائع الذي يمرون به هو جزء مما يجعلهم يشعرون بتحسن لأيام وأسابيع”.  إلا أن البعض يرون أن تلك الأعراض ربما تكون مزعجة وأنها قد لا تساهم في نجاح العلاج. ومن ثم فربما يكون انخفاض نسبتها مع استخدام الإسكيتامين أمر جيد. كما أن الداعين إلى استخدام الكيتامين لعلاج الاكتئاب كانوا يتطلعون منذ سنوات إلى أن يشيع هذا الاستخدام ويصل إلى عموم الجمهور، ويرون في هذا الدواء الجديد خطوة فعلية نحو ذلك.

أما فيما يخص التكلفة المادية للدواء الجديد مقارنة بالكيتامين، فوفقاً لمقالٍ منشور في “ذا لانسيت” عام 2015، فإن تكلفة علاج الاكتئاب بالكيتامين يمكن أن تزيد عن 1000 دولار في الشهر. ونظراً لأن هذا الاستخدام غير معتمد من جانب إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، لا تتحمل الجهات التأمينية تلك التكلفة وإنما يتحملها الشخص نفسه. أما العلاج بالإسكيتامين، فيشير موقع “ذا فيرج” إلى أن الجلسة الواحدة قد تصل إلى 900 دولار، وأن التكلفة الإجمالية -باعتبار أن الموصى به هو جلستين في الأسبوع- قد تصل إلى 7000 دولار. لكن بما أن الدواء الجديد معتمد من إدارة الغذاء الدواء، فهذا يعني أن تكلفته ستدخل ضمن التغطية التأمينية. في الوقت ذاته دعونا نأمل أن تحدث تطورات أخرى تجعل هذا الدواء في متناول نسبة أكبر من مرضى الاكتئاب.

error: Content is protected !!

 

ساهموا معنا في استبيان بوبيولار ساينس - العلوم للعموم

للحصول على محتوى يناسب اهتمامكم

اضغط هنا