Image

ماذا يعني هذا البحث الجديد بالنسبة لعلم الفلك الراديوي؟

Bread assortment

واحد من أعنف الأحداث الكونية يعتبر أحد أكثرها شيوعاً أيضاً، ويظهر بالآلاف لوهلة قصيرة في سماء الأرض يومياً، ويختفي بسرعة خاطفة، لدرجة أن الفلكيين لم يدركوا حتى وجوده قبل عشر سنوات. وما زال العلماء عاجزين عن تفسير حدوثه.
يمكن تلخيص أغلب ما نعرفه حول هذه النبضات الضوئية الغامضة باسمها: النبضات الراديوية السريعة، أو “FBR” كما يسميها المختصون. وتدوم هذه النبضات لبضعة أجزاء من الألف من الثانية، وتطغى تقريباً على جميع مصادر الأمواج الراديوية الأخرى في السماء، ومهما كان مصدرها، فهو يتمتع بطاقة هائلة.
التقط الباحثون كثيراً من هذه النبضات لدراستها، وباستخدام نوع جديد من مصفوفات التلسكوبات الراديوية في ركن ناءٍ من صحراء أستراليا، تمكن فريق واحد من الباحثين من زيادة إجمالي عدد المشاهدات المؤكدة لهذه النبضات بمقدار النصف تقريباً، وذلك في بحث نشر في مجلة نيتشر Nature. وتؤكد المجموعة الجديدة أن هذه الأحداث -مهما تكن طبيعتها- تقع على مسافات هائلة، وتشير إلى أن الباحثين يمكن أن يستغلوا هذه الرسائل الكونية لسبر مناطق ما بين المجرات لا يمكن الوصول إليها بأية طريقة أخرى. ويعتبر هذا الاكتشاف بداية حقبة جديدة في علم الفلك الراديوي، حيث سيصبح الفرق بين اكتشافات الأحداث الفلكية مقدراً بالأيام، لا بالسنوات.
يقول ريان شانون (وهو فلكي من جامعة سوينبيرن والباحث الأساسي في هذا العمل): “لقد اكتشفنا أول نبضة راديوية سريعة بعد ثلاثة أيام ونصف فقط من بدء الرصد. وعلى الرغم من أننا كنا محظوظين بعض الشيء، إلا أننا كنا نكتشف نبضة كل أسبوعين تقريباً على مدى فترة البحث”.
وقد اكتشف الفريق العديد من النبضات، وفي أغلب الاتجاهات التي تم رصدها، مما يدعم استنتاجاً يُجمع عليه الكثيرون بأن هذه النبضات تصل إلى الأرض طول الوقت، وقد يصل عددها إلى 10,000 يومياً. وعلى الرغم من وجودها الدائم في سمائنا، إلا أن عددها القليل يعني أنه لم يتم تسجيل أول نبضة حتى 2001، وأنها تهربت من محاولاتنا لرصدها حتى 2007. وقد أمضى العلماء بعدها عدة سنوات في محاولة تحديد طبيعة هذه الأشباح في البيانات، وما إذا كانت تمثِّل فعلياً أحداثاً كونية، فقد كان تبين لاحقاً أن بعضها كانت ناتجة في الواقع عن فتح باب المايكروويف مبكراً بسبب نفاد صبر الباحثين.
وتعمل إميلي بيتروف باحثة في مجال النبضات الراديوية السريعة، وهي التي تعرفت على أول نبضة في الزمن الحقيقي وتحتفظ بسجل للنبضات المعروفة، وتقول: “كنا نعرف في 2012 بوجود نبضة واحدة فقط، ولم يكن أحد يعرف ما إذا كانت حقيقية أو لا”. وكانت قاعدة البيانات تتضمن فقط 28 نبضة راديوية سريعة منشورة في المجلات العلمية المحكمة، أما الآن فقد ارتفع العدد إلى 47 نبضة متمايزة. تضيف بيتروف: “إن إضافة 20 نبضة في بحث واحد يعتبر جهداً مذهلاً”.
وعلى الرغم من أن هذه النبضات تحدث طوال الوقت، فإن السماء شاسعة الاتساع، كما أن النبضات نفسها خاطفة السرعة، ولهذا يجب على الفلكيين أن ينظروا نحو المكان الصحيح في الوقت الصحيح. كما تتوسع الإشارات القادمة من خارج المجرة بطريقة معينة أثناء انتشارها، وبما أنه لم يكن أحد يتوقع أن أحداثاً وجيزة كهذه ستكون ساطعة بما يكفي للوصول إلى الأرض، فلم يكن أحد ينظر في الاتجاه الصحيح حتى السنوات الأخيرة.
وقد اعتمد فريق شانون على مصفوفة الكيلومتر المربع الأسترالية باثفايندر (اختصاراً: أسكاب ASKAP) لاكتشاف النبضات، وهي مجموعة من ثمانية هوائيات صغيرة نسبياً تتوزع على مساحة من الصحراء بعيداً عن تداخل الهواتف الخليوية، وأفران المايكروويف أيضاً كما يُفترض، وأمضى الفريق أغلبية العام 2017 -على مدار الساعة- في توجيه الهوائيات باتجاهات مختلفة. ويعتبر كل تلسكوب إفرادي أضعف من معظم التلسكوبات الراديوية الكبيرة، ولكن يمكن للهوائيات مجتمعة أن تغطي نسبة كبيرة من السماء تكافئ تقريباً ألف قمر، وذلك وفقاً لشانون. وهذه المنطقة تمثل نسبة 0.3% تقريباً من السماء، ولكنها تبقى أكبر بمئات المرات مما كانت تغطيه عمليات البحث السابقة باستخدام تلسكوبات إفرادية. ويسمح المسح الواسع أيضاً بتنفيذ ما مجموعه 12,000 ساعة من عمليات الرصد اللاحقة بعد كل اكتشاف، وذلك للبحث عن الجائزة الكبرى: إشارة متكررة.
وتعتبر غالبية النبضات الراديوية السريعة -التي يتراوح عددها من 40 إلى 50- أحداثاً منفردة، غير أن إحداها تميزت بنشاط وعشوائية لافتين، وذلك بإطلاق العشرات من النبضات على مدى ساعات ومن ثم الاختفاء لأشهر متتالية، ويسمح هذا السلوك للفلكيين بدراسة وتحديد موضع “المصدر المتكرر” -كما يُسمى- بدقةٍ أعلى من النبضات الأخرى المعروفة، ولكن الحظ لم يكن حليف الباحثين في هذه الناحية، كما يقول شانون: “لم نر أي لمحة من الإشارات قبل حدوث النبضات الراديوية السريعة أو بعدها”.
ومن ناحية أخرى، فقد حاز الباحثون على شرف اكتشاف أكثر النبضات سطوعاً حتى الآن، إلى درجة أنها أطلقت خلال 80 ميلي ثانية ما تُطلقه الشمس خلال 80 سنة. ويعتبر هذا المستوى من إطلاق الطاقة -على الأقل بالنسبة لشانون- كافياً لنفي نظرية بعيدة الاحتمال عن كون النبضات مجرد آثار جانبية لتقنيات دفع تستخدمها الكائنات الفضائية، أي أنها المكافئ الكوني للنفثات الفجائية من محرك سيارة لا يعمل بشكل جيد. ومن المؤكد أن حضارة متقدمة إلى هذه الدرجة لن تسمح ببناء آلات ضعيفة الفعالية.
وقد أكد فريق شانون أيضاً أن هذه الظواهر العابرة الكونية تحدث في مجرات بعيدة، قد يبعد بعضها مسافة تقدَّر بنصف سعة الكون، بكل ما في الكلمة من معنى. وعندما تقطع الأشعة الضوئية الكون، تصادف في طريقها الإلكترونات التي تحني مسار الضوء بشكل خفيف، فتنحني الأشعة بمقادير متفاوتة، وهكذا تنتشر النبضة وتتباعد. ونرى على الأرض شيئاً مماثلاً عندما يتفرق الضوء الأبيض متحولاً إلى قوس قزح عندما يمر عبر موشور، ولكن في هذه الحالة، لا يعرف الفلكيون بالضبط البنية الدقيقة لهذا “الموشور الكوني”؛ حيث إن المادة المتوزعة في الفراغ ما بين المجرات ضعيفة ومشتتة لدرجة تمنع دراستها بشكل مباشر، ولهذا يأمل الفريق أن أرشفة أعداد كبيرة من النبضات الراديوية السريعة وقياس مدى تباعد كل منها سيعطيهم تصوراً حول طبيعة وتوزع هذه المواد.

لكن هل توجد فائدة أخرى من تكديس هذه النبضات؟ طبعاً، وهي معرفة طبيعتها ومصدرها. يقول شانون وبيتروف إن الرهان الأفضل هو النجوم النيوترونية، وهي أشبه بجثثٍ نجمية منهارة لم تتحول تماماً إلى ثقب أسود. وليس هناك شيء في مجرتنا يشع بشكل يضاهي ما التقطه أسكاب، وتتفرَّد النجوم النيوترونية شديدة الكثافة بحجم صغير وسرعة عالية وطاقة كبيرة إلى درجة تجعلها المرشح الوحيد لإطلاق إشارات هائلة خلال أزمنة قصيرة. وسواء كانت النبضات الراديوية السريعة ناتجة عن تصادم النجوم النيوترونية، أو تصادم النجوم النيوترونية مع ثقب أسود، أو نجوم نيوترونية يافعة وعشوائية السلوك ولم تنضج بعد متحولة إلى نجوم نابضة أكثر استقراراً، أو نجم نيوتروني بسلوك لم نشهد له مثيلاً من قبل، فمن المؤكد أن هذه الأجسام تقع في قلب هذا اللغز.
وربما لا تتأخر الأجوبة عن هذه الأسئلة، فقد بدأت أوساط علم الفلك الراديوي تخصِّص المزيد من التجهيزات للعثور على نبضات راديوية سريعة جديدة. وسوف يعود أسكاب إلى عملية التعقب والصيد في العام المقبل مع أربعة أضعاف العدد السابق من الهوائيات، وسيتم توجيهها جميعاً إلى نفس المنطقة من السماء، في محاولة لتحديد المجرة التي هي مصدر النبضة. كما ستعتمد بيتروف على مجموعة أخرى من المصفوفات التي ستبدأ بالعمل في العام المقبل أيضاً، وجميعها مخصَّصة للرصد واسع المدى والدقيق كذلك، وتقول: “سنكتشف الكثير من النبضات الراديوية السريعة، وسنقوم بهذا العمل على مستوى غير مسبوق، لدرجة أنني لست متأكدة حتى من أننا مستعدون لهذا”.
تقول بيتروف إن الباحثين في هذا الحقل تعلموا الكثير حول الأسئلة التي يجب طرحها، وذلك بعد أربعين سنة من البحث عن مصدر نبضات أشعة جاما السريعة (الجواب المختصر: النجوم النيوترونية أيضاً)، وإن الجمع ما بين التقنيات المتقدمة والمواهب العلمية كفيل بدفع هذا العمل إلى الأمام. وتقول: “قد نستغرق بضعة عقود إضافية بلا شك، ولكن وتيرة العمل وعدد العقول اللامعة المشاركة تجعلني أعتقد أننا سنحل هذا اللغز قريباً”.

error: Content is protected !!