Reading Time: 3 minutes

في 8 نوفمبر الماضي، أكدت البشرية وجود 3,837 كوكباً خارجياً، وهو إنجاز هام للغاية، حيث كان عددها قبل هذا العقد أقل من 500. ولكن من سوء الحظ أن معظمها يبعد عنا مئات أو آلاف السنوات الضوئية، ومن غير المرجح أن نتمكن من دراستها بشكل مباشر في المدى المنظور، ومع ذلك فهناك حفنة منها على مسافة قريبة منا، بما فيها أرض عملاقة متجمدة على بعد ست سنوات ضوئية فقط، تم اكتشافها مؤخراً بفضل تقنية جديدة في تتبُّع وكشف الكواكب الخارجية القريبة منا.

وقد قام فريق دولي من الفلكيين بنشر بحث جديد في مجلة نيتشر، وأوردوا فيه اكتشاف كوكب خارجي جديد يدور حول نجم بارنارد، وهو ثاني أقرب نظام نجمي إلى الأرض (بعد النظام النجمي الثلاثي ألفا سينتوري)، الذي كان يُعتقد منذ زمن أنه خالٍ تماماً من الكواكب.

وقد أطلق الباحثون على الكوكب اسم: نجم بارنارد بي (أو GJ 699 b)، وهو كوكب ثقيل يبلغ 3.2 ضعفاً من كتلة الأرض، ويدور حول النجم مرة كل 233 يوماً، وهو جحيم متجمد يدور على مسافة كبيرة من نجمه، بعيداً عن أية فرصة لالتقاط أي شعاع ذي تأثير. ويعتقد مؤلفو البحث أن متوسط الحرارة على سطحه يصل إلى قيمة تبعث على القشعريرة تعادل 150 درجة مئوية تحت الصفر، أي أقل بمقدار 94 درجة مئوية تقريباً من أخفض حرارة مسجلة على الأرض.

تقول جوهانا تيسكي (وهي باحثة في معهد كارنيغي للعلوم في واشنطن العاصمة، ومؤلفة مشاركة في البحث الجديد): “أعتقد أننا نبالغ بعض الشيء عندما نصف هذا الكوكب بأنه يحتمل أن يكون صالحاً للسكن؛ حيث يستحيل وجود ماء سائل على السطح مع كل هذه البرودة، وهو المعامل الأساسي لتعريف المنطقة الصالحة للسكن”، أي المنطقة المحيطة بالنجم، حيث تسمح درجات الحرارة بوجود الماء السائل على السطح. فالماء السائل عموماً يُعد أحد المكونات الأساسية لتطور الحياة، على الأقل كما نعرفها.

قد يبدو هذا مخيباً للآمال، ولكنه لا يقلل من أهمية اكتشاف الكوكب، الذي استغرق بضع سنوات، حيث تقول تيسكي: “لقد رأينا لمحة إشارة في بيانات تعود إلى ما قبل 2015، وعندها تم إطلاق حملات رصد أكثر كثافة لتأكيد وجود هذه الإشارة”. وقد تسارع حل لغز مصدر هذه الإشارات أخيراً باكتشاف بروكسيما بي، وهو أقرب كوكب خارجي إلى الأرض، وقد يكون صالحاً للسكن فعلياً، حتى لو تضاءل هذا الاحتمال في السنوات الأخيرة. تقول بيسكي: “بناء على نتائج بعثة كيبلر، نعتقد الآن أن الكثير من النجوم قد تحوي كواكب صغيرة في أنظمتها. ولهذا، لم لا ننظر إلى أقرب النجوم؟”.

ووفقاً لبول بتلر (وهو باحث آخر من معهد كارنيغي شارك في العمل)، فإن نجم بارنارد هو الهدف الأسمى في صيد الكواكب، ويقول: “على مدى السنوات المائة الماضية، كانت القياسات الفلكية هي الطريقة الوحيدة التي تسمح للفلكيين بالبحث عن الكواكب الخارجية”، حيث يقوم الباحثون برصد تغير خفيف في الموضع للنجم الأساسي في مستوى السماء بالنسبة للنجوم الأخرى في الخلفية. وقد تجاوزت الدراسة الجديدة حدود طرق القياسات الفلكية، وهي تقدم لمحة عن الطرق التي سيستخدمها صيادو الكواكب الخارجية في العثور على كواكب شبيهة بالأرض لاحقاً.

أما دراسة الكوكب “نجم بارنارد بي” فقد تعرضت إلى عدة صعوبات، وتحديداً طول الفترة المدارية للكوكب، التي تجعل من الصعب دراسته بناء على العبور النجمي، إضافة إلى صغر مطال إشارة الجسم. وقد كان الفريق في حاجة إلى كمية كبيرة من البيانات حتى يتمكن من عزل الإشارة ودراستها، وانتهى به المطاف بدراسة ما يعادل 20 سنة من البيانات تم جمعها باستخدام سبع أدوات مختلفة. وتعتبر هذه البيانات مجتمعة أضخم مجموعة بيانات استُخدمت للعثور على كوكب خارجي، وهو أحد الأسباب التي تجعل الفريق متأكداً من النتيجة بنسبة تتجاوز 99%. تقول تيسكي: “إن الجزء المثير للإعجاب في هذه الدراسة هو كمية البيانات وجودتها”.

وقد اكتشف الفريق كوكب “نجم بارنارد بي” باستخدام تقنية السرعة الشعاعية، التي تعتمد على تحديد تغيرات الموضع الناتجة عن القوى الثقالية المتبادلة ما بين النجم والكوكب أثناء رقصتهما المدارية، ومن ثم تحليلها. وعلى الرغم من استخدام هذه التقنية من قبل لاكتشاف مئات الكواكب الخارجية الأخرى، فهذه هي أول مرة تُستخدم فيها لاكتشاف كوكب خارجي بهذا الحجم والبعد عن نجمه.

ولكن ماذا عن الكوكب نفسه؟ لسوء الحظ لا نعرف عنه الكثير، باستثناء وجوده بطبيعة الحال، حيث تقول تيسكي: “لا نعرف ما إذا كان كوكب نجم بارنارد بي يتمتع بغلاف جوي، أو حتى تركيبه التقريبي”، ومن المرجح أن بعده عن نجمه يجعل وجود الحياة على سطحه أمراً مستحيلاً، على الأقل كما نعرفها.

غير أن الغموض يجعل من جميع الاحتمالات متقاربة، وقد يكون سبباً في التمسك ببعض الأمل في وجود حياة فضائية عليه، كما تقول تيسكي: “من المحتمل أن السطح أكثر دفئاً، وقد يحتوي على بعض الأشكال السائلة من بعض الجزيئات (مثل الميثان)، كما أننا نعرف أن الأقمار في نظامنا الشمسي مغطاة بطبقة جليدية سميكة، ولكنها تخبئ تحتها محيطات سائلة”، مثل أوروبا وإينسيلادوس. وإن نجم بارنارد نفسه يُصنف ضمن الأقزام الحمراء، وهو ليس نشطاً إلى هذه الدرجة، مما يعني أنه لا سبب يدعونا للاعتقاد بأنه يغمر أية كواكب قريبة بالإشعاع النجمي. وعلى الرغم من أن الكوكب يصنف على أنه أرض عملاقة، إلا أن كتلته ما زالت ضمن المجال الذي نعتقد أنه يدعم وجود الحياة. وعلى الرغم من أن كل ما سبق ليس سوى تخمينات، فإن احتمالات وجود الحياة على كوكب “نجم بارنارد بي” ليست معدومة تماماً.

سيستمر هؤلاء الباحثون وغيرهم بدراسة كوكب “نجم بارنارد بي”، وهم مهتمون على وجه الخصوص باستخدام هذا الكوكب الخارجي الجديد لتجربة الجيل المقبل من الأدوات، مثل التلسكوب الفضائي جيمس ويب التابع لناسا، الذي قد يساعد في عملية دراسة وجود الغلاف الجوي، كما تقول تيسكي: “سنحتاج بعض الوقت حتى نتمكن من إجراء عمليات الرصد هذه، ولكنني شخصياً (في بداياتي الفلكية)، ولا مانع لدي من الانتظار”.