Reading Time: 4 minutes

جمال، صبيٌّ يبلغ من العمر 16 عاماً أُصيب بارتجاجٍ دماغي في حادثِ تزلّجٍ في يوليو/تموز من العام المنصرم، وشُخصت حالته في قسم الطوارئ في المُستشفى. عانى جمال في البداية من صداع وغثيان وحساسية للضوء والضوضاء، لكنه بدا أنه تعافى من هذه الأعراض بعد أسبوعين من الحادث.

عندما عاد جمال إلى المدرسة في أواخر أغسطس/آب، واجه صعوبةً في الاستيقاظ صباحاً وفي التركيز في المدرسة وفي إتمام واجباته المنزلية، وعاد ليعاني من الصداع مجدداً.

لم يقدّر جمال أو والداه أن حالته قد يكون سببها حادث الارتجاج الدماغي الذي أصابه سابقاً، ولذلك لم يخبر أحدٌ منهم المدرسة به. وقد قال عنه معلميه – حيث لم يكونوا يعرفون أن جمال قد تعرّض لحادثٍ في السابق- أنه مزاجي ويفتقد الحماسة للتعلم. أنهى جمال الربع الأول من المدرسة بعلامات منخفضة، وقد عزا ذلك والداه إلى صعوبة المناهج الدراسية.

كان من الممكن أن تختلف النتائج لو أن الأهل أخبروا القائمين على المدرسة بالحادث مع توفر الدراية الكافية للتعامل مع الأشخاص المصابين بارتجاجاتٍ الدماغ. في الحقيقة ساعدت العديد من السياسات والمبادرات في المدارس على تشجيع النشاط الرياضي لدى الأطفال، لكن الأطفال الذين تصيبهم حالات ارتجاج لسبب ما قد لا يلاحظها أحد أو لا ينالون القدر الكفي من الانتباه والعناية والمتابعة.

تقول سوزان ديفيز كاتبة المقال، وهي باحثةٌ في علم النفس المدرسي، أنها تدرس كيفية مساعدة الطلاب على تحسين مستواهم الدراسي، وهي مهتمةٌ خصوصاً بالأطفال المصابين بالارتجاج الدماغي والرعاية التي يتلقونها، وقد وجدت أن أساليب الرعاية المُتبعة غير منسجمةٍ سواءً بين الكادر التعليمي أو الكادر الطبي. فرغم أن بعض الطلاب يتلقون العلاج في عيادات رياضية ويخضعون لإشراف مدرّبٍ رياضي، إلا أن العديد لا يتلقّون المعرفة الكافية والإرشادات التي تساعدهم على العودة إلى نشاطهم الاعتيادي بأمان. وقد يؤدي هذا النقص الحاصل في الارشادات أحياناً إلى أن يقوم الوالدان بتقييد نشاط طفلهما وحتى المبالغة فيه، مما يؤدي بالنتيجة لإطالة فترة الشفاء.

التعاون مع المدرسة

تعد حوادث السقوط المسبب الرئيسي لما يقرب من نصف الحالات في المستشفيات المتعلقة بإصابات الدماغ بين الأطفال دون سن 18 عاماً، ويعدُّ الأطفال دون سن المدرسة الأكثر زيارة نسبياً لقسم الطوارئ في تلك المستشفيات. كما أن نسبة المراهقين الذين يُدخلون المستشفى لتلقي العلاج من الإصابات الدماغية مرتفعٌ نسبياً، ويعود ذلك بشكلٍ أساسي لحوادث السيارات.

تؤدي الإصابة بارتجاج الدماغ إلى مجموعة أعراض مختلفة بدرجات متفاوتة الشدة. قد تكون أعراضاً جسدية أو معرفية أو اجتماعية أو عاطفية وقد تكون مرتبطةً بالنوم، وربما تكون مزيجاً من بعض تلك الأعراض. ورغم أن بعض الأعراض تختفي في ظرف أسابيع قليلة، إلا أن بعضها قد يستمر لعدة أشهر وحتى لفترةٍ أطول. ومن أعراض الارتجاج الشائعة: الصداع وصعوبة التركيز والتشوش وفقدان الذاكرة.

ورغم أن الأطباء يوصون بامتناع الأطفال الذين يعانون من ارتجاجٍ دماغي عن ممارسة الألعاب الرياضية حتى اختفاء الأعراض تماماً وقيام طبيبٍ أخصائي بمعالجتهم، يمكنهم العودة للمدرسة وحضور الدروس طالما يمتلك كادر المدرسة الدراية الكافية حول التعامل مع الأعراض التي قد تظهر. وذلك لا يختلف مطلقاً عن عودة الطفل بيدٍ مكسورةٍ إلى المدرسة، فلن يطلب المعلم منه حضور دروس الرياضة أو يطلب منه كتابة مقالٍ طويلٍ، ولكنه لا يزال بإمكانه حضور الدروس والمشاركة بالدرجة التي تسمح بها إصابته في النهاية.

قامت بعض المدارس بتبني نموذجٍ يعمل كفريق– بما في ذلك المعلمين والممرضات والمدرسة وعلماء النفس المدرسيين ومدربي الرياضة والأهل- لمساعدة الطلاب على العودة إلى الفصل بأمان بعد تعرضهم لارتجاج دماغي. وعادةً ما يعين هذا الفريق شخص كقائد للفريق يعمل كمنسقٍ بين أفراد الفريق يسهّل التواصل فيما بينهم لمتابعة حالة الطفل المصاب. يمكن أن يساهم مثل هذا النموذج في ضمان مراقبة جميع الطلاب دون استثناء إبان عودتهم إلى المدرسة.

لكن هذا النوع من التنسيق أو الرعاية ليس مُتبعاً على المستوى العالمي. فالكثير من المعلمين لا يتلقون التدريب الكافي على كيفية التعامل مع المصابين بالإصابات الدماغية أو ربما يكون معدوماً لديهم، لذلك لا يلاحظ المعلمون غالباً الأعراض على الطلاب المصابين. كما أن بعض الطلاب لا تظهر عليه أعراض واضحة إلى أن يواجه الطالب الواجبات المترتبة عليه في المدرسة. تصبح العودة للمدرسة صعبةٌ خصوصاً بالنسبة للأطفال الذين تعرضوا لحوادث ارتجاج في الصيف وما زالوا يعانون منها خلال العام الدراسي.

وعموماً، يجب على الآباء أن يكونوا على دراية كافية بأعراض الارتجاج، بما في ذلك أن الأعراض قد تظهر مجدداً مع تغير النشاط الذي يمارسه الطفل. يمكنهم أيضاً تسهيل عودة أطفالهم إلى المدرسة بإعلام كادر المدرسة بحالة الطفل مُسبقاً كي تتمكن المدرسة من التواصل مباشرةً مع مقدمي الرعاية الطبية مباشرةً للحالات الخاصة مثل الارتجاج. من المفيد أيضاً تعيين أحد الأشخاص في المدرسة ليعمل كمنسّق رعاية لضمان إعلام الفريق المتابع بتطور حالة الطفل وأعراضها ومناقشة سبل واستراتيجية معالجتها وشفائها.

علاج الإصابة غير المرئية

نظراً لأن الارتجاج إصابةٌ غير مرئية، قد يكون من الصعوبة على المعلمين وأولياء الأمور وحتى الطلاب أنفسهم أن يتذكروا أن القيام ببعض التعديلات على بعض الظروف في البيئة المحيطة بالطالب (والأكاديمية منها أيضاً) ضروريٌ أثناء عملية الشفاء. إلا أن عملية الشفاء وسرعتها ونوع التعديلات اللازمة تختلف من طفلٍ لآخر حسب مجموعة مختلفة من العوامل، مثل شدة الاصابة وعمر الطفل والمشاكل التي تعرّض لها الطفل سابقاً.

من المهم كذلك العودة التدريجية ومراقبة نشاط الطفل. وهذا يعني أن الأطفال الذين يتعافون من الارتجاج يمكنهم العودة إلى المدرسة وممارسة بعض الأنشطة الاجتماعية، ولكن يجب عليهم تجنب الأنشطة البدنية أو العقلية التي قد تؤدي إلى تفاقم الأعراض. على سبيل المثال، يمكن أن يؤدي استخدام التكنولوجيا- بما في ذلك أجهزة الكمبيوتر والهواتف النقّالة وألعاب الفيديو والتلفزيون وسماعات الرأس (للاستماع إلى الموسيقى) إلى تفاقم الأعراض ويجب تقليلها إلى الحد الأدنى قدر الإمكان.

يجب القيام بالتعديلات البيئية والأكاديمية حسب حالة وأعراض الطفل ولكن يجب ألا تطول دون ضرورة. على سبيل المثال، يمكن للطفل الذي يعاني من التعب بسرعة أن يأخذ قسطاً من الراحة في مكتب الممرض، كما أن الطفل الذي يتعافى من الحساسية للضوء لا يحتاج لارتداء النظارات الشمسية في المدرسة مثلاً. عموماً، يمكن زيادة نشاط الطفل طالما أنها لا تؤدي لظهور الأعراض مجدداً.

وبالإضافة إلى عمل الوالدين مع فريق المدرسة من معلمين وأطباء لتسهيل معالجة الطفل، من المهم أن يحتفظوا بوثائق الاصابة الطبية. يجب ذكر إصابة الطفل بالارتجاج الدماغي في كافة البيانات الطبية للطفل في المستقبل، نظراً لأن الإصابة بارتجاجٍ سابق؛ عامل مهمٌ في أيّ إصابة قد تحدث في المستقبل، ويجب على الطفل ادراك ذلك تماماً وذكر إصابته السابقة في أي استبيانٍ عن تاريخه الطبي.

تم نشر المقال في موقع ذا كونفيرسيشن