Reading Time: 2 minutes

يستغل ثورستن لومبش، أمين متحف “فيلد ميوزيام”، الوقت الذي يقضيه في مترو الأنفاق لقراءة  الأوراق العلمية، ويقول: “أحب أن أقرأ عن موضوعات لا علاقة لها بأبحاثي”. في أحد الأيام، وبينما هو منهمك في عادته تلك، وجد نفسه منغمساً في قراءة ورقة بحثية عن الكويكب الذي اصطدم بالأرض قبل 66 مليون عام، مسبباً هلاك الديناصورات والطيور والحشرات وبعض أنواع الحياة الأخرى.

لفهم الأثر الذي خلفه هذا الاصطدام الكارثي على الأشنات -كائنات حية مكونة من الفطريات والطحالب، أو من الفطريات والبكتيريا الزرقاء- درس لومبش وزملاؤه الحمض النووي للأشنات الحديثة، لتتبع مسار تطورها. وأظهرت النتائج، التي نشرت في دورية “ساينتفك ريبورتس”، انتشار ثلاث فصائل من الأشنات، وتنوعها بسرعة بعد حدوث الاصطدام على عكس ما توقعه العلماء في بداية أبحاثهم.

تعد الفطريات -وهي كائنات حية تختلف عن النباتات والحيوانات، وتضم الفطر والخمائر والعفن -أهم المتعضيات المسببة لانحلال الكائنات الحية في الطبيعة. بعض هذه الفطريات طفيلي، مثل متلازمة الأنف الأبيض التي تصيب خفافيش أمريكا الشمالية، أو فطريات شايتريد التي أصابت نحو 500 نوعاً من البرمائيات. بعضها الآخر تكافلي، مثل الفطريات التي تعيش بجانب الأشجار، أو الأشنات.

صرح جين بن هوانغ، أحد باحثي الدراسة، في بيان صحفي: “الأشنات حولنا ونراها باستمرار، حتى لو لم ندرك ذلك. البقع الرمادية على الصخور والجدران والأشجار، تلك إحدى أنواع الأشنات القشرية. بينما تتجول في المدينة، تصادفها على الأرض وتبدو شبيهة بالعلكة. أما إذا ذهبت إلى الغابة، فيمكنك أن تجدها هناك بألوانٍ زاهية مثل البنفسجي والبرتقالي والأصفر”.

قبل الشروع في البحث عن إجابات، كان لومبش وهوانغ يشككون في إمكانية ازدهار الأشنات بعد اصطدام الكويكب بالأرض، إذ غطت غيوم من الرماد السماء، مانعة بذلك تسرب أشعة الشمس، ومسببة انخفاض درجات الحرارة، وهو ما صعب بقاء النباتات على قيد الحياة؛ لاعتمادها على عملية البناء الضوئي. بما أن الأشنات تتكون من النباتات والفطريات معاً، فقد بدا أن هذه الظروف ستعيق بقائها.

يقول لومبش: “اعتقدت في البداية أن الفطريات ازدهرت على نحو كبير، نظراً لأن عدد الكائنات التي قضى عليها الاصطدام كان كبيراً، أما الأشنات فقد ظننت أنها واجهت وقتاً عصيباً في ظل تلك الظروف. المشكلة التي تواجهنا عند دراسة الأشنات هي قلة عدد الأحافير، لذلك لا نعرف على وجه التحديد الكائنات التي انقرضت جراء هذه الأحداث”.

من خلال مقارنة تسلسل الحمض النووي لأنواعٍ مختلفة من الأشنات الحديثة، تمكن فريق لومبش من استنتاج متى كان لديها سلف مشترك، ورسم خريطة لشجرة العائلة الخاصة بها، وتحديد متى تشكلت أصناف الأشنات التي نراها حولنا اليوم، وفحصوا أيضاً أحافير الأشنات النادرة المتاحة لهم التي يبلغ عمرها مئات الملايين من السنين.

إجمالاً، أشارت النتائج التي توصلوا إليها إلى حدوث طفرة في أحد أصناف الأشنات بعد اصطدام الكويكب بالأرض، ويقول لومبش إن النتيجة في الواقع منطقية، إذ إن الاصطدام طوى صفحة الكائنات السابقة، وكان فاتحة  لظهور أشكال حياة جديدة.

يوضح لومبش: “حلت أنواع جديدة من الكائنات الحية محل الأنواع السابقة. ويتفق هذا مع التصور الجديد الذي يقول أن الكويكب الذي ضرب الأرض قبل 66 مليون عام أحدث انقلاباً شاملاً على مستوى النباتات والحيوانات، إذ إن ما نلاحظه  حالياً في الغطاء النباتي من حولنا، على سبيل المثال، هو نتاج تطور بدأ بعد هذا الحدث الفارق”.

يرى لومبش أن الدراسة تسلط الضوء على الكيفية التي يؤثر بها حدث كارثي ما على البيئة لملايين السنين، وهو ما يشير إلى أن التأثير البيئي للانقراض الجماعي الذي نواجهه اليوم، والذي سببته النشاطات البشرية، ستبقى آثاره لفترة غير محدودة من الوقت. يختم لومبش بقوله: “ستعاني بعض الأصناف في حين ستنجو أخرى، وهذا يخبرنا أن التغير المناخي سيؤثر لا محالة على تطور الكائنات الحية”.