Image

لا يوجد مكان في العالم يخلو من تأثير الضجيج الذي يسببه الإنسان

Bread assortment حتى مناطق الطبيعة البِكر، كحديقة الأقواس الوطنية تعاني من التلوث السمعي الذي يسببه الإنسان. حقوق الصورة: National Park Service

“هل تعلم أن أذني الحوت مقدستان؟ نعم، لأن الأذنين هما بوابة الروح”، هذا ما قاله قائد فريق صيد الحيتان.

كان ذلك عام 1979، وكان قد سُمح لكريستوفر كلارك الباحث الشاب الذي يقوم بعمل ميداني في بارو بولاية ألاسكا في المناطق الشمالية من القارة القطبية بدخول خيمة قائد صيادي الحيتان. وكان القائد ما يزال يستخدم الطريقة التقليدية في صيد الحيتان من القارب الجلدي المفتوح المسمى أومياك والتي تتبعها قبيلة إينوبيات. وقد اصطاد بنفسه حوتاً ضخماً جداً.

يقول كلارك الذي أصبح اليوم عالماً متخصصاً في علم الأحياء العصبي والسلوكي في كلية الزراعة وعلوم الحياة بجامعة كورنيل: “كنت أريد أن أسأله إذا كنت أستطيع أن أنتزع أذني الحوت وأحفظهما لأعطيهما لزميل لي يدرس القدرات السمعية للثدييات البحرية”.

تتيح القدرات السمعية المدهشة للحوت مقوس الرأس الإبحار في الظلام التام، تحت جليد البحر الذي تزيد سماكته عن 120 سم، والذي يبلغ عمره عدة سنوات. ولكن عندما تفقد الحيتان الهدوء، يصبح من الصعب عليها أداء عملها. وقد نشرت دراسة جديدة في مجلة العلوم ، تشير إلى أن البشر يجعلون عالم الطبيعة أكثر صخباً.

تقول راشيل بوكستون المؤلفة الرئيسية للدراسة وأستاذة علم حفظ الأحياء في جامعة ولاية كولورادو في حديث لمجلة العلوم للعموم: “إن الضوضاء البشرية هي أصوات غير مرغوبة يتسبب بها الإنسان. والتلوث بالضوضاء البشرية له عواقب تتراوح بين العواقب الصحية والحرمان من النوم ، إلى أشياء أخرى كثيرة”.
وباستخدام نماذج صوتية على نطاق القارة، وجد الباحثون أن الضوضاء البشرية، كالسيارات والطائرات والزلاجات الآلية، قد ضاعفت مستويات الخلفيات الصوتية في ثلثي المحميات البرية في الولايات المتحدة، بما فيها الحدائق الوطنية، والمناطق المخصصة للحياة البرية.

ومن الصعب أن نفهم ما الذي يعنيه هذا من الناحية العملية، وذلك لأننا اعتدنا على التفكير بالصوت من خلال وحدة قياس شدة الصوت وهي الديسيبلات. نحن نقول إن 10 ديسيبل -وهي شدة صوت نفَس الإنسان- هو صوت هادئ، بينما صوت إطلاق النار ذو الشدة 145 ديسيبل هو صوت عالٍ. ولكن بدلاً من ذلك يستخدم الباحثون مقياساً يدعى تجاوز الضجيج، ويقصد به مقدار زيادة الصوت العالي عن الحد الطبيعي. إذا سبق لك أن جلست في غرفة هادئة جداً، وبدأ عمل مكيف الهواء بشكل مفاجئ، فستعرف ما الذي يعنيه تجاوز الضجيج. يبدو صوت المكيف عالياً بشكل مزعج، حتى وإن كان أهدأ من صوت الشخص المتكلم. وإذا كنت تحاول الحديث مع شخص ما، فسيكون عليك أن ترفع صوتك قليلاً. وإذا كنت تحاول أن تصغي إلى شخص ما، فسيكون عليك أن ترفع صوتك قليلاً. وبالرغم من كون المكيف هادئاً، فهو ما يزال عالياً بما يكفي ليجعلك تغير سلوكك.

يقول كلارك، والذي لم يكن ضمن فريق الدراسة الجديدة: “من الحقائق المؤكدة سواء كنتَ في المحيط أو على الأرض أو في الجو، أن أغلبية الحيوانات تعتمد على الطبيعة الهادئة في جميع الأنشطة الرئيسية التي تقوم بها، كالبحث عن الطعام، وإيجاد الشريك، والتنقل، وإصلاح الشبكات الاجتماعية. فالصوت مهم جداً، ويخبرنا العلم بأن الحيوانات واجهت الكثير من المصاعب من أجل البقاء بسبب الضجيج”.

تعد هذه الصورة التاريخية لحوّامة فوق منطقة الأخدود العظيم في أريزونا مثالاً عن إثارة الضجيج في المحميات الطبيعية.
حقوق الصورة: National Park Service

الطبيعية. فحجم الضجيج فيها يتجاوز حتى الحدود المسموح بها بشرياً. وللوصول إلى هذه النتائج، استخدمت بوكستون وزملاؤها قياسات صوتية من 492 موقعاً في الولايات المتحدة تضم أكثر من مليون ساعة من القيم الصوتية. تقول بوكستون: “لقد استخدمنا تلك القيم لإنشاء نموذج صوتي يضم مجموعة كاملة من الخصائص الجغرافية المكانية التي تؤثر في الصوت. وهي تعود إلى مصادر بشرية، كالسيارات والطيارات، وإلى مصادر طبيعية أيضاً كالبعد عن النهر”. وقد أتاح لهم النموذج الصوتي التنبؤ بسيناريوهات أخرى، بما في ذلك ما سيكون عليه الصوت إذا خفضت أو استبعدت كل المصادر البشرية. تقول بوكستون: “تستطيع من خلال النموذج الصوتي تخفيض كل المصادر الجغرافية المكانية البشرية إلى الحد الأدنى، بحيث يمكنك القول بعدم وجود أي سيارات أو طائرات. وهذا ما نسميه المستوى الطبيعي”.
والفرق بين النموذج الطبيعي وبين العالم الذي نعيش فيه، هو ما يمنحهما التجاوز الذي تحدثنا عنه. فهو يعطيك الإحساس بمقدار ارتفاع الضجيج الذي يسبه الإنسان عن المستويات الطبيعية.

ومن الواضح أن الحيوانات (وكذلك النباتات) التي تعيش في هذه المناطق وتخضع على مدار الساعة لارتفاع كبير في مستويات الصوت تعاني أكثر من غيرها. ولكن البشر يعانون أيضاً. فنحن نذهب إلى الحدائق الوطنية والبراري لتخفيف ضغوط الحياة. وتشير الدراسات إلى أن الأماكن الصاخبة لا تؤثر في السمع وحسب، بل يمتد تأثيرها إلى الصحة العامة. فالأطفال الذين يعيشون في أحياء ذات مستويات ثابتة ومنخفضة من الضجيج، كالتي تأتي من القطار أو زحمة المرور، يكون لديهم مستويات أعلى من هرمونات التوتر من الأطفال الذين يعيشون في بيئات أكثر هدوءاً. وبالمثل، فقد أظهرت الدراسات أن عمال المكاتب الذي يتعرضون لأعلى مستويات الضجيج المكتبية (المحادثات والطباعة) لديهم أيضاً أعلى مستويات التوتر. ماذا يعني أن نعاني من التوتر حتى في الأماكن التي نلجأ إليها للراحة؟ تقول بوكستون: “يفخر الأمريكيون حقاً بالحدائق الوطنية والطبيعة الخلابة، ولكن بعضاً من هذا الجمال الخلاب يتمثل في أصواته الطبيعية”.

ولكن ما يزال هناك أمل. فالبرغم من الضجيج الذي تعاني منه المحميات البرية، فإنها أقل صخباً من المناطق التي يسيطر عليها الإنسان، وهناك تدابير يمكن أن نتخذها لجعل هذه المحميات أكثر هدوءاً. تقول بوكستون: “هناك ما يسمى تقنية الرصيف الهادئ، حيث تقوم بإعادة رصف الطريق بحجارة نفّاذة تمتص الضجيج الصادر عن محركات السيارات”. وبالمثل، إذا كانت الحدائق في نهاية طريق مزدحم، أو على مسار تحليق الطائرة، فيمكن تجريب هذه الطريقة، مع التأكد من أن الطائرة تحلق فوق أو قرب الطريق، بحيث يتركز الضجيج في منطقة واحدة، بينما تبقى المناطق المحيطة هادئة”.

ومهما فعلنا في هذا الشأن، فإن هناك أهمية متزايدة لفعل المزيد. وبينما تركز هذه الدراسة على الولايات المتحدة، فقد صرح بيرني كراوس المتخصص في علم الأصوات الحيوي لهيئة الإذاعة البريطانية عام 2014، بأنه لا يوجد مكان في العالم يخلو من تأثير الضجيج الذي يسببه الإنسان.

تزعج الأصوات البشرية الحيوانات مثل ضفدع الخشب
حقوق الصورة: National Park Service

تغيّر المشهد الصوتي

بعد وقت قصير من طلبه الحصول على أذني الحوت، عدّل كريستوفر كلارك تقنيته القديمة بمعايير حديثة، واستخدم جهازاً لتسجيل الأصوات في المحيط، ولكن هذا الجهاز كان يكلف في عام 1979 عدة آلاف من الدولارات، ويزن حوالي 16 كغ. وكان كلارك يستخدمه لعمل تسجيلات للحيتان، وكان يقوم بتشغيلها لقائد الصيادين. يقول كلارك: “تغضّن وجه القائد وأومأ برأسه، وبدأ بتحديد الأصوات واحداً تلو الآخر. لقد كان يعرف كل حيوان من صوته”.

اتجه كلارك نحو زلاجته، بينما اتجه قائد الصيادين إلى قاربه الجلدي. أمسك القائد بمجدافه، ووضع طرفه العريض في الماء، بينما وضع طرفه الآخر خلف فكه، ثم أشار إلى كلارك أن ينضم إليه. يقول كلارك: “أتيت وأمسكت بالمجداف، وفعلت مثلما فعل. وضعت الطرف العريض في الماء، ووضعت الطرف الآخر خلف فكي، وكنت أستمع إلى أصوات الحيوانات تغني في المحيط. لم يكن هناك بطاريات، ولا كابلات، ولا لواقط صوت مائية، لم يكن عليّ أن أحمل أياً من هذه الأشياء البائسة إلى أي مكان. لقد كانت تجربة بسيطة وساحرة”.

وما زال كلارك إلى اليوم يذهب إلى القارة القطبية. ومع أن طبقة الجليد السميكة لم تعد موجودة، فقد كانت ضحية للاحترار السريع بسبب التغير المناخي، فإن كلارك ما زال يسجّل، ولكن الأصوات التي كان يستمع إليها سابقاً لم تعد كما هي. يقول كلارك: “عندما أقوم الآن بتسجيل الأصوات في القارة القطبية، فإنني أستمع إلى أصوات السفن، وأصوات التنقيب عن النفظ والغاز في جرينلاند”.

error: Content is protected !!