Reading Time: 4 minutes

تبدو أزمة التنوع الحيوي على كوكبنا مختلفةً تماماً عند النظر إليها من ناحيةٍ أخرى. فعلى المستوى العالمي، نحن نفقد الأنواع بمعدلٍ لم يسبق له مثيل هذه الأيام؛ إذ تُشير التقديرات إلى أن الكائنات الحية تنقرض بمعدل أكبر ألف مرةٍ عن المعدل الذي ستنقرض فيه في حال عدم وجود أنشطةٍ بشرية. ووفقاً لتقارير الأمم المتحدة، فإن هناك نحو مليون نوعٍ مُهدَّدٍ بالانقراض حالياً.

وبالرغم من أنَّ خطر انقراض الأنواع مشكلةٌ عالمية، فإن بعض المناطق الإحيائية مثل البحار الاستوائية، والغابات المعتدلة، والتندرا، تواجه مشكلةً من نوعٍ مختلف. فبدلاً من تناقص أعداد الكائنات الحية الإجمالي فيها، نشهد حالياً تغيراً في الموائل المحلية، وذلك حسب دراسةٍ نشرت في دورية «ساينس ريبورتس»، ويقول «شين بلويز»، مُعدُّ الدراسة الرئيسي، وعالم البيئة في المركز الألماني لأبحاث التنوع البيولوجي التكاملي: «من المؤكد أننا نفقد العديد من الأنواع على مستوى العالم، إلا أننا لا نرى الخسارة نفسها في الأنواع على نطاقٍ أصغر في كلِّ مكان، وما نراه في الواقع هو أنَّ الأنواع الموجودة في موقعٍ معين تتغير وبسرعة».

وفي هذا الصدد يقول «روبرت كولويل»، عالم البيئة في جامعة كونيتيكت، وهو غير مشاركٍ في الدراسة: «تؤكد الدراسة على أن تغيير الأنواع لموائلها يحدث على مدى العقود الماضية، وفي الحقيقة أُثني على الجهد المبذول في هذا المشروع الطموح … لقد قاموا بعملٍ ممتازٍ بالرغم من قلة البيانات التي كانت متوفرة لديهم، والفوضوية التي اتسمت بها».

وتقول «سارة سوب»، وهي مشاركةٌ في الدراسة، وعالمة بيئية بجامعة دينيسون: «لقد ناقش العلماء الذين يقومون بدراسة مناطق مختلفة مسألة اكتساب الموائل في جميع أنحاء العالم للأنواع الحية أو فقدها، وكان صعباً عليهم الحصول على صورةٍ كاملةٍ لما يحصل في المشهد كله عموماً، لقد تعيَّن على علماء الأحياء البحث، وطلب البيانات المحفوظة لدى الحكومات والمؤسسات، وهي عمليةٌ يتخللها الكثير من الروتين، فضلاً عن أنها طويلةٌ جداً ومملة؛ ولذلك كان الحل بالنسبة إليهم إنشاء قاعدة بيانات مفتوحة المصدر أطلقوا عليها اسم «BioTime»؛ إذ جمعوا بياناتٍ من 239 دراسة مستقلة فيها، وتمكنوا من خلالها من تحديد كيفية تغير عدد الأنواع وتركيبها مع مرور الوقت، في أكثر من 50 ألف موقعٍ حول العالم»، وتضيف سوب: «إنه أمر رائعٌ حقاً، كيف أمكننا جعل القيام بمثل هذه الدراسة ممكناً؟ إنه مصدر بياناتٍ نأمل أن ينمو ويزداد حجمه».

فراشة, التنوع الحيوي, الاحتباس الحراري, بيئة

تقوم مثل هذه الفراشات بالانتقال من موطنها بحثاً عن موائل جديدة — حقوق الصورة: ماريا دوملز

وقد وجد علماء البيئة من خلال تحليل البيانات أن العدد الإجمالي للكائنات الحية الموجود في أي موقع -الذي يُشار إليه بمصطلح «ثراء الأنواع»- لا يتغيَّر كثيراً على المستوى العالمي. لقد شهدت بعض المواقع انخفاضاً في ثرائها، إلا أن بعض المواقع تشهد زيادةً فيه، وقد كان متوسط الثراء في الأنواع بين الاثنين صفراً تقريباً، وتقول سوب: «عند حساب المتوسط لها جميعاً، الانخفاض والزيادة، يبدو أن المعدلين يعملان على تعديل بعضهما بعضاً».

وقد وجد الفريق أن الموائل تشهد تغيراً سريعاً في الأنواع المحلية؛ فتحلُّ محلَّها أنواعٌ أخرى. ففي ظل التغيرات البيئية التي تحدث، تنتقل الأنواع الجديدة -أو الكائنات التي كانت تشغل موائل مجاورة- إلى مناطق جديدة. وفي جميع المواقع التي بلغ عددها 50 ألفاً في المتوسط؛ توصّل العلماء إلى حقيقةٍ مُفادها أن ما يقرب من ثلث الأنواع ينتقل، ويُستبدل بأنواعٍ أخرى كل عقدٍ من الزمن. يحدث معدل انتقال الأنواع بمعدلاتٍ أسرع في بيئاتٍ معينة؛ مثل المحيطات، خصوصاً في البحار الاستوائية، وغرب المحيط الأطلسي، وشمال غرب أستراليا. وفي الواقع بلغت أعلى معدلات الانتقال في البيئة البحرية ضِعْف مثيلتها على اليابسة.

وبالرغم من أن هذه الأرقام مثيرةٌ للدهشة وصادمة، فإنه من غير المعلوم بعد ما يجب فعله لمواجهة هذه التغيرات، ويقول بلويز: «نجد صعوبةً في تحديد أكان هذا الأمر جيداً أم سيئاً في هذه المرحلة. نحن نقوم بتوثيق هذه التغييرات، ونحتاج إلى المزيد من الجهد لفهمها».

يقول «بنيامين هالبيرن»، عالم البيئة البحرية بجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا: «تترك الدراسة سؤالاً يجب أن تجيب عنه حقاً، وهو ما سبب بقاء «ثراء الأنواع» على حاله دون تغيرٍ يُذكر في الموقع نفسه بينما تتغير هوية الأنواع فيه كثيراً؟ وقد نُلقي اللوم على واحدٍ من أمرين رئيسيين؛ وهما: توسُّع مدى الأنواع بسبب التغير المناخي، وإدخال أنواع جديدة إلى أماكن جديدة تغزوها لتصبح هي السائدة؛ ما يدفع الأنواع الأخرى للانتقال بحثاً عن موئلٍ جديد. إن تحديد أيٍّ من هذين الأمرين – أو كليهما معاً – بوصفه المسبب لحدوث هذه الأنماط من التغير – قد يكون المفتاح نحو وضع استراتيجياتٍ مختلفة بشكلٍ كبير للحفاظ على الأنواع».

لقد بيَّنتْ العديد من الدراسات المُوثَّقة أن التغير المناخي سيدفع الأنواع المختلفة نحو مناطق جديدة، غالباً ما تكون باتجاه العروض العليا من الكوكب، أو إلى ارتفاعاتٍ أعلى، ويقول «كولويل»: «إن الأنشطة البشرية الأخرى -مثل تغير طبيعة الأرض بتغيير استعمالها، وإدخال نباتاتٍ وحيواناتٍ جديدة إلى منطقةٍ ما- ربما تكون هي المسؤولة عن التغيرات الحاصلة في تركيبة الأنواع في تلك المنطقة، وقد يكون التغير في المحيطات أسرع؛ لأن الحواجز أمام انتقال الأنواع البحرية أقل مقارنةً بظروف الانتقال على اليابسة. فمثلاً إن استشعرت الأسماك تَغيُّر درجة حرارة المياه، فمن السهل عليها الانتقال سباحةً نحو مياهٍ جديدة أقل حرارةً، وهناك العديد من الحواجز في اليابسة -مثل الجبال، والأنهار، والطرق، وغيرها الكثير- التي تعيق انتقال الأنواع البرية، وقد يفسر ذلك سبب تغير المحيطات بشكلٍ أسرع من الأرض، لكنَّ علماء البيئة لم يحددوا سبباً بعينه حتى الآن.

يدرس العلماء حالياً بعض المناطق التي تشهد تغيراً سريعاً، ويعطونها اهتماماً خاصاً، وقد تكون بعض النظم البيئية التي تشهد تغيراً بحاجةٍ ماسَّة إلى ترميمها والحفاظ عليها لحماية الأنواع المحلية فيها، ومن المفيد أيضاً مراقبة الأنظمة البيئية التي تشهد تغيراً بطيئاً لحماية الموائل الموجودة فيها.

ويمكن للعلماء جمع المزيد من هذه البيانات في المستقبل ودراستها والربط فيما بينها؛ لمعرفة سبب حدوث هذه التغيرات، وهناك عدة عوامل يُحتمل أن تكون المُسبِّب في ذلك؛ مثل الاحتباس الحراري، أو إزالة الغابات، أو الصيد الجائر، أو مزيجاً من تلك الأسباب مجتمعة، وغيرها، ويقول بلويز: «يمكننا من خلال رسم خرائط لأنماط «ثراء الأنواع» وتَغيّر تركيبتها أن نحصل على صورةٍ أوضح لعدة مناطق مختلفة من العالم، ويمكن أن نستهدفها من خلال خُططٍ تهدف إلى الحفاظ على الأنواع فيها».