Image

الارتباط بالشريك قد يكون له نتائج طيبة غير متوقعة على الدماغ

قد يكون عناق القوارض المفتاح لفهم هذا السلوك

Bread assortment حب جارف بين فئران الحقل.
حقوق الصورة: Zack Johnson

ربما لا تتوقع هذا، ولكن لدى فأر الحقل الكثير ليعلمك إياه عن العلاقات. وقد نُشرت دراسة عن هذه القوارض في يونيو 2017 في مجلة الطبيعة، تساهم في كشف اللثام عما يفعله الحب بالدماغ.

وقد اكتشف الباحثون في جامعة إيموري أن الارتباط الثنائي (أو الميل إلى قضاء الوقت مع شريك معين) يرتبط بقوة الاتصال في ممرات خاصة في الدماغ، تدعى ممرات المكافأة. وقد أظهرت الدراسة التي أجريت على فأر الحقل، أن فئران الحقل التي تملك اتصالاً أقوى بين منطقتين خاصتين في الدماغ، كان احتمال ارتباطها بشريك واحد أكبر. وعندما قام العلماء بالتأثير على هذا الاتصال، كانوا قادرين على التأثير على احتمال الارتباط مع الشريك. ولا يشير الارتباط بشريك واحد هنا إلى العلاقة الجنسية. وتكون إناث فأر الحقل أكثر ميلاً للارتباط بشريك واحد، فهي تتزاوج من حين لآخر مع كل أنواع الذكور، ولكنها ترتبط اجتماعياً بشريك واحد. وعندما تقوم فئران الحقل بهذا الاتصال العاطفي الخاص، فإنها تختار قضاء وقت أطول مع شريكها، ومنحه المزيد من الاهتمام. وهذا بخلاف الحيوانات الأخرى التي تفقد غالباً الاهتمام بالعلاقة الفردية بعد أن تصبح مألوفة. وفي الحقيقة، فإن فئران الحقل تنتمي إلى نسبة الـ 5% من أنواع الثدييات (بما فيها البشر) التي تظهر سلوكاً اجتماعياً متعلقاً بالارتباط بشريك واحد. ولهذا فإن العلماء يحبون أن يدرسوا العلاقات الرومانسية لهذه القوارض.

تقول إليزابيث أمادي أحد أبرز المشاركين في الدراسة، والباحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراه في جامعة إيموري: “نحن نعلم من خلال دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي على البشر المرتبطين، أن الشريكين ينشطان نظام المكافأة في الدماغ. ومع ذلك، فمن الصعب تقليدياً قياس نشاط الدماغ عند الإنسان أثناء التفاعلات الاجتماعية الطبيعية التي تفضي إلى ارتباط ثنائي. وهذا ما يفسر تحولنا إلى دراسة هذا الموضوع على فئران الحقل”.

يقول زاك جونسون أحد المشاركين في الدراسة، والباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه في معهد جورجيا للتكنولوجيا، والذي شارك في البحث عند وجوده في جامعة إيموري بغرض الدراسات العليا: “لا يمكن أن يعزى سلوك فئران الحقل إلى تلك العاطفة البشرية المعقدة. ولكن الارتباط الثنائي يمثل العلاقة الاجتماعية القوية التي غالباً ما تخلق مشاعر يصفها البشر على أنها حب”.

وهذا الارتباط بين زوج من فئران الحقل هو ارتباط مدى الحياة، ولا يفرقه إلا الموت. وليس هذا وحسب، بل إن الفأر الذي يبقى على قيد الحياة بعد موت شريكه، يبقى عازباً على الأغلب. وفي حين أن هذا الأمر لا يتطابق مع حال البشر، فإنه -وبحسب روبرت ليو المشارك في الدراسة، والأستاذ المساعد في جامعة إيموري- يمكن مقارنته مع اختيار الإنسان لشريك واحد أو زوج واحد.

يقول جونسون: “يبدي البشر – مثل فئران الحقل- قدرة على تكوين علاقات اجتماعية قوية ودائمة مع شركاء التزاوج، بالرغم من أن البشر ربما لا يكتفون بشريك واحد تماماً”.

وتركز هذه الدراسة على الدائرة القشرية عند فأر الحقل، والتي تشمل الاتصال في الجزء الأمامي من الدماغ بين القشرة قبل الجبهية والنواة المتكئة. وتشارك المنطقة الأولى في السلوك الاجتماعي، والثانية في ممرات المكافأة. وهما تتوضعان في نفس الجزء من الدماغ الذي يساهم في ردود الفعل الأخرى للمكافأة، كالشعور بالارتياح عند تناول الطعام، أو حتى الإدمان على الكحول أو المخدرات.

وقد تمكن الباحثون من قياس ارتباط النشاط في القشرة قبل الجبهية والنواة المتكئة مع الإلكترودات أثناء حدوث الارتباط بين فئران الحقل. كيف يمكن أن نعرف أن اثنين من فئران الحقل في حالة ارتباط؟ تماماً كما يفعل البشر، فإنهما يتعانقان ويتهامسان لتدعيم الارتباط.

وتملك إناث فئران الحقل أنشطة أساسية مختلفة في دائرة الدماغ فيما يتعلق بمرحلة ما قبل الارتباط. وهذه المستويات المتفاوتة من الاتصال تتطابق مع النزوع إلى العناق. يقول ليو: “يبدو أن لدى الأفراد استعداداً للاندماج، وقد كان ذلك مفاجئاً إلى حد ما. ونحن لا نعرف إلى الآن ما الذي يعنيه هذا الأمر بالتحديد”.

وعندما كانت الفئران تقضي وقتاً أطول مع بعضها (خاصة أثناء التزاوج)، لاحظ الباحثون وجود دليل على الاتصال المتزايد بين القشرة قبل الجبهية والنواة المتكئة عند الإناث الخاضعة للبحث. ويقول ليو: “في الحقيقة، فإن التغيرات في هذه الدائرة كانت تنبئ بمدى سرعة الحيوانات في العناق”.

ولتعزيز الاتصال بين دائرة الدماغ وسلوك الترابط، قام الباحثون بإجراء تجربة أخرى تستخدم علم البصريات الوراثي، وهو تقنية جديدة تجعل الأجهزة الحيوية تستجيب للضوء.  يقول جونسون: “أعتقد أن النتيجة الأكثر إثارة، هي أنه يمكننا استخدام بروتين حساس للضوء من الطحالب، وحقنه في دائرة الدماغ، ومن ثم استخدام ضوء متحكم فيه عن بعد للتأثير على السلوك الاجتماعي”.

وبينما كان العلماء يقومون بتوليف الليزر على أدمغة الفئران، سُمح للفئران “بالمواعدة”. ولكن لحظة، هذا لا يعني أنها كانت تخرج لتناول العشاء والاتصال الجنسي. في الحقيقة، فإن الفئران لم يكن يسمح لها صراحة بالتواصل الجسدي، لأن التواصل الجسدي يسرّع عملية الارتباط من خلال زيادة النشاط في الدائرة القشرية.

وبدلاً من ذلك، فقد تم وضع كل ذكر تحت كوب (أو سجن بحسب تعبير ليو) بحيث يسمح للأنثى برؤيته، وشمه، وسماعه، ولكن دون التواصل الجسدي معه. وكان الوقت الذي قضياه معاً محدوداً، بحيث لا يكفي تفاعلهما في الظروف العادية للارتباط الفعلي. ومع ذلك، فعندما تم تنشيط دائرة الدماغ بالليزر، بدأت الفئران بإبداء تفضيلها لشريكها المختار بسرعة أكبر من المتوقع، نظراً لافتقاد الوقت الكافي وغياب التزاوج.

ونظراُ لأن هذه المناطق الدماغية موجودة عند الثدييات الأخرى، بما فيها البشر، فإن جونسون يعتقد أنه من الممكن أن تمتد هذه الآليات لتشمل الأنواع الأخرى. ويضيف جونسون: “ولكننا لا نستطيع التأكد من ذلك بدون إجراء التجارب”. وقد كان ليو متفائلاً بالقدر نفسه، مشيراً إلى أن دائرة الدماغ التي درسوها قد تشارك أيضاً في السلوك الاجتماعي عند البشر. يقول ليو: “نحن نعرف من تجارب التصوير عند البشر، أنهم عندما يستعرضون صور شركائهم، فإن جزءاً مشابهاً من الجسم المخطط في الدماغ يمكن تنشيطه. ونحن نعرف أن منطقة المكافأة هذه تتنشط بالإشارات الاجتماعية. وما قمنا بعمله في دراستنا هو فهم كيفية حدوث ذلك”.

ويتصور الباحثون إمكانية ترجمة هذه الدراسة إلى علاج للاضطرابات المصحوبة بسلوك اجتماعي مضطرب كالتوحد. يقول ليو: “ما نحاول القيام به هنا هو فهم الآليات الطبيعية التي تقوم بها الإشارات الاجتماعية بمكافأة الأفراد”.

ولا يستجيب الكثير من الأشخاص المصابين بالتوحد إلى الإشارات الاجتماعية نفسها، ولذلك فإن فهم آليات الاستجابة قد يفيد في تطوير العلاج.

ويتطلع الباحثون نحو خطوتهم التالية: وهي سبر المشهد الكيميائي العصبي لهذه المنطقة من الدماغ. فالناقلان العصبيان الأوكسيتوسين والدوبامين واللذان يطلق عليهما اسم “عقاقير السعادة”، قد يكونان نقطة انطلاق جيدة. وقد أظهرت دراسات سابقة أنهما قد يزيدان النشاط في هذه الدائرة ويعززان الارتباط. يقول ليو: “من وجهة نظر مثالية، سيكون هناك وسيلة لتحفيز هذه الدائرة مباشرة في السياق العلاجي”. وقد لاحظ أن علم البصريات الوراثي قد يكون جرعة طويلة الأمد. وعلى الرغم من أن التقنيات الضوئية قد اكتشفت لاستخدامها في علاج الشبكية (علاج العمى)، فإنها وسيلة علاجية عدوانية لا تناسب التعامل مع قضايا تتعلق بالسلوك الاجتماعي المضطرب. ولكن ليو يعتقد أن تقنيةً كالتحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة – والتي تولد حقلاً مغناطيسياً قرب رأس المريض لتحفيز التيارات الكهربائية في الدماغ – قد تكون طريقة واعدة أكثر في المستقبل، إذا تم تحسينها.

يقول ليو: “التكنولوجيا تتقدم باستمرار، ومن الممكن في وقت ما من المستقبل، أن تصبح قابلية تحفيز دوائر معينة في الدماغ متاحة، وأن يكون لها نوع من الاستخدامات العلاجية”.

error: Content is protected !!