Image

هذه الكائنات البحرية تمنح الأنواع الأخرى مكاناً لتنمو فيه

Bread assortment نباتات بحرية تغطي الصخور على الساحل
حقوق الصورة: بيكسابي

قد يكون مصير النظم البيئية المائية معلقاً بهذا الحيوان العاشب الصغير الذي يشبه الحلزون، والذي ربما لم تسمع به من قبل، إنه البطلينوس.

إن سلوك هذا البطلينوس الصغير، في الواقع، هو نموذج مثالي لما يراه العلماء استراتيجية دفاعية ضد الضغوط المفروضة على البيئة من خلال ارتفاع درجات الحرارة. ولأن حيوانات البطلينوس تأكل النباتات، فإنها تجعل النظم البيئية أقوى في مواجهة التغير المناخي، لأنها تخلق مساحات للمخلوقات الأخرى، مما يجعل النظم االبيئية أكثر تنوعاً.

تقول ريبيكا كورداس التي درست الطريقة التي تساعد بها المخلوقات الآكلة للنبات المجتمعات المائية في التعامل مع التغير المناخي في البيئة المدية الصخرية، وهي المنطقة من الشاطئ التي تقع بين المد والجزر: “في البداية قد يبدو وكأن النظام البيئي الذي لم تمسه المخلوقات المستهلكة (الحيوانات العاشبة والحيوانات المفترسة) سيكون في حالة أفضل. حسنٌ، سيكون الحال أفضل بالنسبة لأعداد النباتات إذا كان هذا هو كل ما نهتم به، ولكن ليس من الأفضل للنظام البيئي ككل. يلعب كل كائن حي دوراً هاماً في النظام البيئي. وللمخلوقات المستهلكة أهميتها لأنها تبقي أعداد الأنواع التي تأكلها تحت السيطرة، إنها تمنعها من الاستيلاء على جميع الموارد”.

وجدت دراسة كورداس التي نشرت في دورية “ساينس أدفانسز”، أنه وخلال فصل الصيف حيث يكون الجو في أقصى حرارته، فإن نجم البحر، وشقائق النعمان البحرية، وبلح البحر، والبرنقيل والأعشاب البحرية في البيئة المدّية الصخرية تكون في حالة جيدة، ولكن فقط إذا كانت حيوانات البطلينوس موجودة. يجب على الجميع التكيف مع التغيرات الكبيرة في درجة الحرارة كل يوم مع تقدم وانحسار المد. تقول كورداس: “عندما كانت حيوانات البطلينوس جزءاً من المجتمع، كانت آثار الاحترار أقل قسوة. وعندما لم تكن هذه الحيوانات العاشبة موجودة، كان النظام البيئي أسوأ بكثير”.

البطلينوس من الحيوانات العاشبة التي تعيش على الشواطئ الصخرية. ويظهر أحدها في الصورة وهو يبحث عن الطعام خلال فترة الجزر
حقوق الصورة: ريبيكا كورداس

والمصدر الرئيسي المهدد في البيئة الصخرية المدية هو المساحة. وتوفر حيوانات الطلينوس المزيد منها، لتسمح للنباتات والحيوانات الأخرى بالحركة والازدهار. وفي النظم البيئية الأخرى، فإن المصادر الرئيسية قد تكون هي الضوء، كما في الغابات المطيرة المدارية، أو المغذيات، كما في البرك والبحيرات. تقول كورداس: “المخلوقات المستهلكة مهمة في الحفاظ على التوازن في جميع النظم البيئية”.

وتضيف كورداس زميلة البحث في الكلية الإمبراطورية في لندن، والتي أجرت تجاربها أثناء تحضير رسالتها للدكتوراه في علم الحيوان في جامعة كولومبيا البريطانية: “في حديقة يلوستون الوطنية، على سبيل المثال، عندما تمت إعادة إدخال الذئاب إلى الحديقة، تغير النظام البيئي كله، بما في ذلك مسار الأنهار”. وقد ساعدت عودة الذئاب في تنظيم أعداد الأيائل. وقد كانت الأيائل تتغذى على النباتات قرب الأنهار، تاركة ضفاف الأنهار عرضة للتآكل. وفي مثال آخر، فإن وجود ثعلب البحر ساعد في السيطرة على قنفذ البحر الذي يتغذى على طحلب الكِلب. وتحمي غابات طحلب الكِلب الشريط الساحلي من العواصف، وتمتص الكربون، تماماً كما تفعل الغابات المطيرة المدارية.

تقول كورداس: “هناك فرق رئيسي بين مثالي ثعلب البحر والذئب مقارنة بالبطلينوس، وهو أنهما من المفترسات العليا التي تأكل الحيوانات العاشبة (الغزال أو قنفذ البحر)، والحيوانات العاشبة تأكل النباتات أو الطحالب. وعندما تتم إزالة أحد المفترسات العليا، فإن أعداد الحيوانات العاشبة تزداد بشكل كبير وتقضي على النباتات. بينما عندما يكون المفترس الأعلى موجوداً، فإنه يبقي الحيوانات العاشبة تحت السيطرة”.

ريبيكا كورداس
حقوق الصورة: شون ماجواير

يتغذى البطلينوس على أبواغ الطحالب الصغيرة، مانعاً تلك الأبواغ من النمو إلى أعشاب بحرية كبيرة خشبية القوام. تقول كورداس: “من خلال منع الطحالب من استخدام كل حيز المكان، فإنه البطلينوس يسمح لأنواع أخرى مثل البرنقيل من الاستيطان والازدهار في النظام البيئي. والبرنقيل حيوان رائع للغاية ومهم جداً للأنطمة البيئية الصخرية المدّية، لأنه يوفر الكثير من الهياكل المفيدة للكائنات الأخرى”.

ومن أجل هذه الدراسة، قامت كورداس وزملاؤها بتشكيل أنظمة بيئية بحرية مصغرة على شاطئ حديقة روكل المحلية على جزيرة سالتسبرينج في كولومبيا البريطانية. وقد بني النظام البيئي المصغر على لوحات بلاستيكية صلبة سمحت للعلماء بالتحكم بدرجات حرارتها. وسمحت بعض اللوحات لحيوانات البطلينوس الجائعة بالقدوم إليها، وبعضها لم تسمح بذلك. تقول كورداس: “لقد رأينا تنوعاً اكبر بكثير في النظم البيئية التي تعيش فيها الحيوانات العاشبة. ونحن نريد هذا التنوع لأننا وجدنا أنه يساعد في حماية النظام البيئي عندما يكون هناك عامل إجهاد كالحرارة”.

وقد قاموا بتصميم النظم البيئية المصغرة الخاصة للتعويض عن الظروف الصعبة الأخرى في هذا المجال. تقول كورداس: “أنا أحب القيام بتجارب في الطبيعة، وليس في المختبر، على الرغم من أن القيام بذلك على الشواطئ الصخرية قد يكون صعباً جداً، لأن أي تجربة تقوم بتركيبها على الصخور قد تزيلها الأمواج، أو قد تؤدي المياه المالحة إلى تآكلها، أو قد تتحطم بسبب تسرب المياه إليها، أو تتحطم بسبب الجزر الحار جداً في الصيف، أو البارد جداً في الشتاء”.

اللوحات التجريبية التي تم زرعها على الشاطئ في حديقة روكل المحلية على جزيرة سالتسبرينج في كولومبيا البريطانية في كندا
حقوق الصورة: ريبيكا كورداس

كما أن العمل على الشواطئ الصخرية قد يكون صعباً، لأن العلماء لا يستطيعون الوصول إلى المنطقة إلا خلال الجزْر، والذي يستمر من أربع إلى ست ساعات، وأثناء الطقس الهادئ، حيث لا يوجد أمواج. ويحدث الجزر بالقرب من فانكوفر خلال النهار في الصيف، وهو جميل كما تقول كورداس، ولكنه يحدث ليلاً خلال فصل الشتاء، مما يجعل ظروف العمل صعبة للغاية. وقد عملت كورداس وزملاؤها، بمن فيهم كريستوفر هارلي، وهو أستاذ في علم الحيوان في جامعة كولومبيا البريطانية، وأحد أهم المشاركين في الدراسة، مع أحد المهندسين لتطوير لوحات التدفئة الخاصة. وترى كورداس أن حماية الأنواع المستهلكة أمر بالغ الأهمية للحفاظ على التنوع، وهو أمر ضروري للبقاء في ظل آثار تغير المناخ.

تقول كورداس: “إن الأمر لا يتعلق بحيوانات البطلينوس فى حد ذاتها، بل يتعداها ليشمل الحفاظ على النظم البيئية السليمة، وعلى وجه الخصوص الحفاظ على المخلوقات المستهلكة (الحيوانات العاشبة والحيوانات المفترسة) فى النظم البيئية. وستكون النظم البيئية السليمة مجهزة على أفضل وجه لمقاومة آثار الاحترار العالمي. فالنظم البيئية المتدهورة، التي أزيلت فيها الأنواع، على سبيل المثال، بسبب الحصاد أو الصيد، لن تكون بحالة جيدة أيضاً عندما تصبح مجهدة بسبب ارتفاع درجات الحرارة.

وتضيف: “من المهم للغاية أن تظل التفاعلات بين الأنواع الحية سليمة، لأنها قد تساعد في حماية النظام البيئي عندما يكون مضطرباً أو مجهداً. وإذا فقدنا المخلوقات المستهلكة المهمة من هذا القبيل، فمن المرجح أن يتضرر النظام البيئي من مناخ الاحترار”.

error: Content is protected !!