Reading Time: 3 minutes

لعقود من الزمن، لم يكتشف الباحثون أي نوع جديد من المضادات الحيوية، لكن بحثنا الجديد؛ الذي نُشر في 12 يناير/ كانون الثاني في دورية «نيتشر مايكروبيولوجي» يتضمّن طريقة تمنح أملاً جديداً للمضادات الحيوية التي نملكها، كونها تَستغل بعض أنواع الفيروسات التي تقتل البكتيريا.

المشكلة

المشافي مخيفة، وكلما أمضيت فيها وقتاً أطول، زاد الخطر الذي تتعرّض له. العدوات التي يمكن أن تصيبك من المشافي هي من أكبر تلك المخاطر؛ مثلاً، في أستراليا، وبمعدل سنوي، يعاني 180 ألف مريض من التهابات تطيل مدة بقائهم في المستشفى، وتزيد تكلفتها، ومع الأسف، تزيد أيضاً من خطر الوفاة.

يبدو الأمر سخيفاً، يُفترض أن تكون المشافي أكثر الأماكن نظافة، لكن البكتيريا موجودة في كل الأماكن، وتستطيع أن تتكيّف مع أقسى البيئات، وفي المشافي، تؤدي زيادة استخدام المطهّرات والمضادات الحيوية إلى دفع البكتيريا للتطوّر بهدف البقاء. هذه الأنواع المتكيّفة من البكتيريا تُدعى «البكتيريا الفائقة»، وهي تمتلك ترسانة من الأدوات التي تساعدها في مقاومة المضادات الحيويّة. تستهدف البكتيريا الفائقة أضعف المرضى؛ مثل هؤلاء الذي يكونون موجودين في وحدات العناية المركزة.

«الرّاكدات البومانيّة» هي نوع من البكتيريا الفائقة، مسؤولة عمّا يصل إلى 20% من العدوات في وحدات العناية المركزة. تتعلّق هذه البكتيريا بالأدوات الطبيّة؛ مثل أنابيب المنافس والقثاطير (القساطير) البوليّة والوريديّة، وتتسبّب في عدوات مضرّة للغاية في الرئتين والجهاز البولي، والجروح ومجرى الدم.

علاج هذه العدوات صعب لأنّ هذه البكتيريا تنتج أنزيمات تدمّر عائلات كاملة من المضادات الحيويّة. الأنواع الأخرى من المضادات الحيويّة لا تستطيع حتى تجاوز الطبقات الخارجية للبكتيريا؛ والتي تُدعى الكبسولة. الطبقة الخارجية سميكة ودبقة وتتركّب من السكّر، وتحمي البكتيريا من الجهاز المناعي الخاص بالجسم المضيف. في بعض الحالات، تعجز حتّى أقوى أنواع المضادات الحيوية وأكثرها سميّة عن قتل الرّاكدات البومانيّة، وكنتيجة لذلك، تعتَبِر منظّمة الصحة العالمية أن اكتشاف علاجات لها هو أولوية قصوى.

حل جديد (نوعاً ما)

يقال أن عدوّ عدوّك هو صديقك. هل للبكتيريا أعداء؟

العاثِيات هي مفترسات طبيعيّة للبكتيريا، ويمكننا العثور عليها في كل الأماكن التي توجد فيها البكتيريا.

العاثيات هي فيروسات، لكن لا تخف، فعلى عكس الفيروسات المشهورة؛ مثل فيروس نقص المناعة البشرية، الجدري، أو فيروس كورونا، العاثيات لا تضر بالبشر؛ إذ أنّها تصيب وتقتل البكتيريا فقط. في الواقع، العاثيات انتقائيّة بالفعل؛ إذ أن كل عاثيّة تصيب عادةً نوعاً واحداً فقط من البكتيريا.

فيروسات, بكتيريا

العاثيات تتّصل بالطبقة الخارجية للبكتيريا، مما يستَهل عملية القتل. الدكتور جراهام بيردز/ ويكيميديا كومنز

منذ أن اكتُشفت العاثيات في بداية القرن العشرين، فكّر الأطبّاء باستعمال بديهي لها: علاج العدوات البكتيريّة، لكن هذه الممارسة؛ والتي تعرف باسم «العلاج بالعاثيات»، استُبعدت على نحو واسع بعد اكتشاف المضادات الحيوية في أربعينيّات القرن نفسه.

الآن، ومع الظهور المقلق للبكتيريا المقاوِمة للمضادات الحيوية، وشح الأنواع الجديدة لهذه الأخيرة، يعود الباحثون إلى التفكير بالعلاج بالعاثيات. في أستراليا على سبيل المثال، أبلغ فريق من الباحثين من مشفى «ويستميد» في مدينة سيدني؛ يقوده الأستاذ «جون إريديل»، في فبراير/ شباط 2020 نجاح استخدام العلاج بالعاثيات عند 13 مريضاً يعانون من عدوات ناجمة عن نوع آخر من البكتيريا اسمه «المكوّرات العنقودية الذهبيّة».

بدأنا دراستنا بالبحث عن أنواع من العاثيات تقتل الرّاكدات البومانيّة. عزلنا بنجاح مجموعة من العاثيات القادرة على قتل هذه البكتيريا من عيّنات من مياه الصرف الصحّي؛ التي حصلنا عليها من جميع أنحاء أستراليا، وهذا كان الجزء السهل من المهمّة.

التخلّص من مقاومة المضادات الحيويّة

عندما خالطنا العاثيات التي حصلنا عليها مع بكتيريا الرّاكدات البومانيّة في المخبر، كانت الأولى قادرة على قتل مزرعة البكتيريا بأكملها تقريباً، لكن «تقريباً» لم يكن جيدّاً بما يكفي. خلال بضع ساعات، أظهرت البكتيريا الفائقة كم هي ذكيّة بِشرّ؛ إذا أنّها وجدت طريقة لتصبح منيعة ضد العاثيات، وعادت للتكاثر بوجودها.

قررنا أن نأخذ نظرة أعمق على هذه البكتيريا المقاومة للعاثيات. إن فَهم طريقة تكيّفها مع العاثيات قد يساعدنا في اختيار مناورتنا التالية.

اكتشفنا أن الرّاكدات البومانية المقاومة للعاثيات قد فقدت طبقتها الخارجية، والجينات المسؤولة عن تركيب الكبسولة قد طَفَرَت. تحت المجهر، تبدو هذه البكتيريا الفائقة عاريةً، ولا أثر لطبقتها الخارجية السميكة الدّبقة.

حتّى تتمكن العاثيات من قتل البكتيريا، فهي يجب أن تتصل بها أولاً، وهي تفعل ذلك عن طريق التعرّف على مستقبل يوجد على الطبقة الخارجية للبكتيريا. فكّر بالأمر بأنّه كآلية القفل والمفتاح؛ كل عاثيةٍ لها مفتاح فريد يفتح القفل المحدد الموجود على الطبقة الخارجية لنوع محدد من البكتيريا.

العاثيات التي استخدمناها تحتاج إلى كبسولة الرّاكدات البومانيّة حتّى تتصل بها. تُمثّل الكبسولة محطّة الدخول الأساسيّة إلى البكتيريا الفائقة. عندما هاجمت العاثيات التي وجدناها البكتيريا، هربت الرّاكدات البومانيّة من الإبادة عن طريق التخلّي عن كبسولاتها، وكما هو متوقّع، ساعدنا هذا في اختيار مناورتنا التالية: المضادّات الحيوية.

اختبرنا تأثير 9 أنواع مختلفة من المضادّات الحيوية على بكتيريا الرّاكدات البومانية المقاومة للعاثيات. دون الكبسولات الواقية، فقدت هذه البكتيريا الفائقة مقاومتها لـ 3 أنواع من المضادات الحيوية؛ مما قلل الجرعة اللازمة لقتلها. العاثيات قد تسببت بهلاك البكتيريا الفائقة بالفعل.

لقد وجدنا طريقة لعكس مقاومة المضادات الحيوية في واحدة من أخطر أنواع البكتيريا الفائقة.

التطلّع للمستقبل

العلاج بالعاثيات استُخدم سلفاً لعلاج المرضى الذين عانوا من عدوات مهددة للحياة ببكتيريا الرّاكدات البومانيّة، وأسفر عن نتائج إيجابيّة. دراستنا تُبيّن إمكانيّة استخدام العاثيات لإنقاذ المضادات الحيوية واستخدام تلك الأولى إلى جانبها أيضاً.