Reading Time: 3 minutes

مقال من «ذا كونفيرسيشين»


تقدمت العلوم الصحية كثيراً في العقد الأخير، وأصبحنا نتمتع بصحة أفضل من أسلافنا ونعيش أطول منهم، ومع ذلك، نتذكر دائماً الوفيات الناجمة عن الحروب والإرهاب والكوارث الطبيعية، رغم أن هذه الوفيات -رغم فظاعة أسبابها- لا تشكل سوى أقل من 1% من 56 مليون حالة وفاة عام 2017.

آخر ما أعلن عنه في هذا الصدد كان في بريطانيا، حيث اتجهت السلطات الصحية إلى التركيز الكبير على نمط الحياة الذي يتبعه المواطنون كوسيلةٍ لتحسين صحتهم، وتقليل التباين في الصحة بين البشر. في الواقع، يؤثر على صحتنا بشكلٍ أساسي كل من غذاؤنا ومقدار ما نمارسه من الرياضة، والعادات الأخرى مثل التدخين أو شرب الكحول وغير ذلك. ولكن تأثير الظروف التي يتقدم فيها الإنسان في العمر مثل الظروف المعيشية والبيئية، والعمل هي أهم بكثير. هذا ما ندعوها بـ «المحددات الاجتماعية للصحة».

من المعلوم منذ زمنٍ طويل أن البيئة تشكّل حياة الناس وصحتهم. فمثلاً، أظهر تقرير «إدوين تشادويك» عام 1842 حول الحالة الصحية للسكان العاملين في بريطانيا العظمى، أن اعتلال صحة الفقراء لم يكن نتيجة إهمالهم، ولكن بسبب ظروفهم المعيشية الرهيبة.

كتب «روبرت تريسيل» روايته «المحسنون ذوو السراويل الخشنة» ونُشرت منذ أكثر من قرن، والتي كانت قريبة من نمط رواية السيرة الذاتية، حيث يشرح فيها سوء الحالة الصحية لبطل روايته «فرانك أوين» -الرسام الفقير ومصمم الديكور- التي لا يمكن حلها بالطب وحده. كان ما يحتاجه هو دواء اجتماعي كما يقول في الرواية: «إن الأدوية التي وصفوها لفرانك أوين، والتي كان عليه شراؤها لم تنفعه مطلقاً، لأن مرضه (مثل حال الآلاف) لا تعالج بالأدوية. كان بحاجةٍ إلى ظروف مناسبة من الحياة والغذاء».

كما دعا السير «ويليام بيفريدج» منذ أكثر من 70 عاماً، وهو اقتصاديّ بريطاني ومن دعاة الإصلاح الإجتماعي ومهندس دولة الرفاهية البريطانية، دعا إلى اتخاذ إجراءات لمعالجة الأسباب الجذرية لسوء الصحة المتمثلة بالفقر، وانخفاض مستوى التعليم والبطالة والسكن السيء وغيرها من المشاكل المتعلقة بالصحة العامة، مثل سوء التغذية، وتدني مستوى الرعاية الصحية.

لا ينكر أحد أنه قد حدث تقدم كبير في هذا الصدد في بريطانيا منذ أن نوه وعمل عليه «تشادويك» و«تريسيل» و«بيفيرج»، حيث يعاني عدد أقل بكثير من السكان من الفقر المدقع والازدحام، وتدني مستوى النظافة.

لكن تبقى هناك حقيقة قائمة حتى اليوم تتمثل في أن هناك تفاوتاً كبيراً من الناحية الصحية بين الأغنياء والفقراء، الأمر الذي سُلط عليه الضوء في القرن الماضي -خصوصاً ما جاء في التقرير الأسود الذي نُشر قبل 40 عاماً. فمثلاً، في عام 2020، يمكن لطفلٍ مولودٍ في منطقة كنسينغتون الثرّية أن يتوقع العيش لعشر سنواتٍ على الأقل، وما يقرب من 20 عاماً بصحةٍ جيدة، مقارنة بطفل مولودٍ في مدينة ليفربول المحرومة نسبياً.

الفقر المدقع

لا تزال هناك نسبة من الأطفال اليوم تعيش في فقر مدقع حتى اليوم، حيث يفتقرون إلى حاجتهم من الغذاء الصحي، وتعتمد أسرهم على المساعدات الخيرية. كما لا يتوفّر لهم منازل مستقرة ولائقة، وهم معرضون للرطوبة ولظروف البرد الشديدة، ومستويات خطيرة من أول أكسيد الكربون أيضاً. ومن ناحيةٍ أخرى، تزداد نسبة المشردين، ومن ينامون في العراء.

اقترح بيفيرج توظيف الناس للقضاء على الفقر، مع ذلك، يقترب عدد الفقراء رغم عملهم من 4 ملايين شخص، كما أن العديد من العمال يعملون مؤقتاً أو بدوامٍ جزئي إضافي، أو بأجرٍ منخفض.

ما هو الحل إذاً؟

الحل لسوء الصحة هو الحيلولة دون حدوثه والوقاية منه في المقام الأول. ولكن بدل اتباع نهجٍ صحي وقائي، وتعزيز الحياة الصحية من خلال تحسين البيئات والظروف التي يعيش فيها الناس، تم تبني بعض الخدمات الصحية الوطنية، مثل «خدمة الصحة الوطنية» في بريطانيا، التي تعمل على علاج أعراض سوء الحالة الصحية.

إن امتلاك بريطانيا لخدمة صحية وطنية لمعالجة الأمراض فكرة رائعة بلا شك، ولكن التركيز الرئيسي يجب أن يكون على معالجة الظروف التي تسمح بظهور الأمراض المزمنة المكلفة لدى الناس في المقام الأول. للأسف، فإن التكلفة الكبيرة المتمثلة في تمويل مِنح الصحة العامة للمجالس المحلية في البلاد في السنوات الأخيرة، هي دليل على استمرار تركيز الحكومة على العلاج وليس سبب المرض.

تشجع حملات التثقيف الصحي العامة الحالية على التحرك أكثر، وتناول طعام صحي، والحد من استهلاك الكحول، لكنها تتجاهل العوامل الاقتصادية المهمة للناس، وتتجاهل حقيقة أن العديد لا يتمتعون ببساطة بنفس الفرص أو الموارد ليكونوا أصحاء مثل الآخرين.

علينا إدراك إن الأساس الاقتصادي لسوء الصحة مهم للغاية اليوم، نظراً لعودة ارتفاع الأمراض الناجمة عن الفقر، وظهور أوبئة جديدة فتاكة مثل كوفيد-19.

الحقيقة هي أن الخيارات الصحية للناس تتأثر بشدة بالظروف التي يعيشون فيها. هل لديهم وظيفة مستقرة ومأمّنة وذات أجر لائق وتمنحهم التحكم والمرونة والاستقلالية أم لا؟ وهل لديهم القدرة على شراء منزل تتوفر فيه الشروط الصحية أم لا؟ وهل يمتلكون المال والوقت والموارد لشراء وطهي الطعام الصحي والقدرة على اتباع أسلوب حياةٍ نشط، وغير ذلك من الظروف المساعدة؟

صحيح أن نمط الحياة مهم للصحة، لكّن محددات نمط الحياة لها الأثر الأكبر أيضاً. هذه المحددات الأوسع للصحة هي التي تؤثر على صحتنا أكثر من غيرها.

حتى اليوم، لا تزال نسبة الوفيات من الأطفال في المناطق الفقيرة نتيجة حوادث السير تبلغ عشرة أضعاف نسبتها في المناطق الأقل حرماناً. إن ذلك خير مثال على أن كيف يمكن لبيئتنا أن تقتلنا.