Reading Time: 3 minutes

أغلقت 334 محطة لتوليد الطاقة تعمل بالفحم في الولايات المتحدة بين عامي 2005 و 2016، مقابل زيادة الاعتماد على الغاز الطبيعي. ومع أن استخدام الغاز الطبيعي مصدراً للطاقة لا يخلو من مخاطر (لن يؤدي الاعتماد عليه إلى خفض الانبعاثات بما يكفي لمواجهة الاحتباس الحراري)، إلا أن الملوثات الصادرة عنه أقل من تلك الصادرة عن الفحم. تم قياس مدى تأثير كلا مصدري الطاقة في دراسة جديدة نشرت في دورية «نيتشر ساستانبيلتي»، وخلصت إلى أن آلاف الأرواح وكذلك ملايين الأطنان من المحاصيل الزراعية تم إنقاذها بفضل إغلاق محطات الفحم.

تساهم كل محطة طاقة تعمل بالفحم -أينما كانت- في زيادة تركيز غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، مما يؤدي إلى ارتفاع حرارة الكوكب. وإضافة إلى هذا الغاز، فإن المحطات التي تعمل بالوقود الأحفوري تطلق ملوثات تضر بالبيئة المحيطة بها. هذه الملوثات قد تكون جسيمات دقيقة، وتشكيلة من الجزيئات الصغيرة التي يقل قطرها عن 2.5 ميكرومتر، وغاز الأوزون. معروف حجم الضرر الذي يلحقه كلا الغازين بالجهاز التنفسي، لكن غاز الأوزون قد يؤدي أيضاً إلى الإضرار بالمحاصيل الزراعية عن طريق التسبب في تلف الأنسجة، وذلك بعد امتصاصه من قِبل الأوراق. تتبعت دراسات عديدة تأثير هذه الملوثات على صحة الإنسان والنبات على مدى عقود، لكن قلة منها فقط تمكنت من ربط هذه الملوثات مباشرة بمحطات توليد الطاقة.

هذا بالذات ما تمكنت منه «جينيفر بورني»، عالمة البيئة بجامعة كاليفورنيا سان دييغو، وتقول بهذا الصدد: «هناك الكثير من الدراسات التي ترصد تغيّرات تركيز الملوثات، لكنها غالباً ما تفشل في إقامة رابط بين هذه التغيرات، وبين السياسات أو التكنولوجيا التي كانت مسؤولة عنها، ولذلك يظل تأثير هذه الدراسات جد محدود». وتضيف: «إن القول بأن محطات الطاقة تسببت في الوفيات الناتجة عن التلوث يكون تأثيره أقوى من مجرد إلقاء اللوم على التلوث عموماً».

مكّن إغلاق محطات الطاقة المعتمدة على الفحم بورني من رصد آثار التلوث الصادر عنها، واعتمدت في دراستها على قياسات الأقمار الصناعية ودراسات أرضية للملوثات، أخذت بين عامي 2005 و 2016، إضافة إلى بيانات عن الوفيات وإنتاجية المحاصيل في المناطق المدروسة. ومن خلال إجراء تحليل إحصائي لمواقع محطات توليد الطاقة، استطاعت أن ترصد تأثيرها على جودة الهواء، وعلى الحياة والزراعة. يقول «جوناثان بيونوكور»، الباحث في الصحة البيئية بجامعة هارفارد: «الدراسة محكمة وتقدم تحليلاً رائعاً، اتبعت فيها بورني منهجاً إحصائياً بدلاً من نماذج المحاكاة التي اعتيد اللجوء إليها للقيام بمثل هذه الدراسات».

تحسنت الصحة والزراعة بشكلٍ كبير عندما أغلقت محطات الطاقة المعتمدة على الفحم. بناءً على التحليل الذي أجرته بورني، فإن إغلاق محطات الفحم في أنحاء البلاد بين عامي 2005 و 2016؛ أسهم في إنقاذ 26610 شخص. في المتوسط، أدى إغلاق منشأة واحدة تعمل بالفحم إلى انخفاض معدل الوفيات بنسبة 0.9%.

بالإضافة إلى الأرواح البشرية؛ فإن عمليات الإغلاق أنقذت نحو 570 مليون مكيال من الذرة والقمح وفول الصويا في الحقول القريبة من محطات الطاقة (أي ما يعادل ما تلقيه مليوني شاحنة نفايات). اقتصر تحليل بورني على المقاطعات التي بها محطات طاقة تعتمد على الفحم، إلا أنها قدرت أن إغلاقها قد أنقذ 38200 شخص، و 4.8 مليار مكيال من الغذاء، إذا افترضنا أن الملوثات تنتقل لمسافة تبعد عن المصنع بـ 200 كيلومتر. يقول بيونوكور: «النتائج التي توصلت إليها تتفق إلى حد كبير مع نتائج نماذج المحاكاة»، وهذا من شأنه أن يؤكد الأخطار الناتجة عن استخدام الفحم. ويضيف: «إذا اتبعت طريقتين مختلفتين للإجابة على تساؤل ما، وحصلت على إجابات متشابهة إلى حد كبير، فهذا يدل على أن الإجابة سليمة».

فوائد وقف استخدام الفحم مشجعة، لكن هذا جانب من القصة فقط، فقد حل الغاز الطبيعي محل الفحم (على الرغم من أن محطات الغاز الجديدة لا تقع في الأماكن عينها). وجدت دراسة بورني أن استحداث محطات تعتمد على الغاز الطبيعي في مواقع لم يكن بها محطات لتوليد الطاقة من قبل؛ أدى إلى زيادة نسبة الأوزون والجسيمات الدقيقة في الجو. تنتج محطات الغاز قرابة نصف الجسيمات الدقيقة التي تنتجها محطات الفحم، وكمية الأوزون نفسها تقريباً. وما الغاز الطبيعي إلا وقود أحفوري، يطلق ثاني أكسيد الكربون عند حرقه.

رصدت بورني أيضاً تأثير محطات الفحم التي ما تزال تعمل على مستوى البلاد، ووجدت أن المحطات التي ظلت مشتغلة بين عامي 2005 و 2016 أدت إلى وفاة 32917 شخص، وضياع  10.2 مليار مكيال من المحاصيل الزراعية. تتجلى أهم نتيجة في نظرها في تأكيد هذه الأرقام الخسائر التي يمكن تجنبها عقب إغلاق كل محطة. تختم بورني بقولها: «توليد الطاقة يصاحبه تأثيرات سلبية نتشاركها جميعاً، لكننا لا نعمل تفكيرنا في هذه التأثيرات. رؤية توزيع محطات توليد الطاقة جعلني أتوصل إلى نتيجة مفادها؛ أن إغلاق هذه المحطات له تأثيرات ملموسة. ذلك أن إغلاقها أو الإبقاء عليها هو الفارق بين حياة أو موت أفراد دون غيرهم».