Image

التدفقات الأخيرة من الحمم البركانية شديدة السخونة تظهر لنا مدى ديناميكية الأرض

ما تزال الأرض قادرة على إنتاج الحمم البركانية بنفس درجة الحرارة التي كانت عليها في العصر الأركي

Bread assortment رسم توضيحي يظهر تدفق حمم الكوماتيتات الأركية.
حقوق الصورة: البروفيسور كلود هيرتزبيرغ من جامعة روتغرز

قبل مليونين ونصف إلى أربعة مليارات سنة، كان باطن الأرض أكثر سخونة مما هو عليه اليوم. أما سطح الأرض فلم يكن أفضل حالاً بكثير. كانت الحياة قد بدأت بالتطور لتوها، ولذلك كانت اليابسة المتشكلة حديثاً خالية من النباتات والحيوانات، والمحيطات الوليدة كانت تُستعمر تدريجياً بالبكتيريا. وكان الغلاف الجوي يحتوي كميات محدودة من الأوكسجين، وكانت تتدفق بعض الحمم البركانية الحارة جداً لدرجة أنها كانت تتوهج باللون الأبيض بدل الأحمر.

مرحباً بك في العصر الأركي، العصر الذي كانت فيه الأرض ما تزال تبرد نفسها من عملية تشكّل محمومة. كانت الحرارة العالية الناتجة عن الكتل الصخرية والأتربة والغازات التي تضرب بعضها بعضاً لتشكل كوكب الأرض ما تزال في مرحلة الانحسار. ويضاف إلى ذلك الحرارة الشديدة الناتجة عن تحلل العناصر المشعة.

و يُعتقد أن اندفاعات الحمم البركانية كانت أكثر شيوعاً في ذلك الوقت. وما يزال الجيولوجيون يكتشفون وفرة من تدفق هذه الحمم التي بردت منذ مدة طويلة المسماة الكوماتيتات، والتي تعود إلى 2.5 مليار سنة. ويبدو أن بعض الأماكن على كوكب الأرض قد حافظت على توقد تلك النيران شديدة الحرارة، منتجة حمماً من الكوماتيتات ظهرت في الماضي القريب جداً.

وفي دراسة نشرت في مايو 2017 في مجلة العلوم الجيولوجية Geoscience، وجد علماء الجيولوجيا دليلاً على وجود كوماتيتات بعمر 89 مليون سنة في كوستاريكا. يقول إستيبان غازيل مؤلف الدراسة: “هذه الحمم حديثة جداً جداً، فما كان يحدث قبل 89 مليون سنة يشبه من الناحية الجيولوجية ما حدث قبل ثانية واحدة”.

انخفضت حرارة الأرض بشكل كبير منذ العصر الأركي، بسبب الفراغ البارد في الفضاء. وفي معظم الأماكن، يبلغ الآن متوسط درجة حرارة الوشاح (وهو الطبقة التي تقع تحت قشرة الأرض مباشرة) 1350 درجة مئوية. وهي درجة حرارة منخفضة، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الكوماتيتات يمكن أن تشكل حمماً تبلغ حرارتها 1650 درجة مئوية.

تشكلت الصخور في كوستاريكا من نقاط غالاباغوس الساخنة. والنقطة الساخنة هي منطقة تأخذ فيها كمية غير معتادة من الحرارة طريقها من باطن الأرض إلى سطحها. وهناك نقاط ساخنة أخرى في هاواي وييلوستون. ويعتقد أن هذه النقاط تمثل الأماكن التي تنتقل فيها الحرارة من المناطق الأكثر عمقاً في طبقة الوشاح (قرب اللب) باتجاه الأعلى، مشكلة ما يسميه الجيولوجيون ريشة الوشاح.

وعندما تقترب من السطح، تستطيع ريشة الوشاح أن تصهر أجزاء من قشرة الأرض إلى صخور منصهرة، وهي التي نسميها الصهارة عندما تكون تحت الأرض، ونسميها الحمم عند اندفاعها خارج الأرض.

وتفتح البراكين في هاواي نافذة على الظروف الداخلية للأرض. ولكن الصخور في كوستاريكا (والتي تدعى حمم تورتوغال) تمنحنا فرصة لنأخذ نظرة أكثر عمقاً داخل الأرض. واستناداً على التراكيب المجهرية لمعادن الصخور، يعتقد غازيل وزملاؤه أن الصخور بدأت بالتبلور والتحول إلى معادن عند درجة حرارة 1600 مئوية، وهي أعلى بكثير من درجة الحرارة الوسطية الموجودة في طبقة الوشاح الخارجي اليوم. كما يعتقدون أن هذه الصخور نتجت عن تبريد الصخور المنصهرة الأكثر حرارة أيضاً.

وهم يرون أن مصدر هذه الحرارة قد يكون منطقة ما في عمق الأرض، قرب الحد الفاصل بين طبقتي الوشاح واللب، حيث ما تزال درجات الحرارة التي كانت شائعة في العصر الأركي موجودة، بعيداً عن سطح الأرض شديد البرودة.
يقول غازيل: “ما يثير الدهشة حقاً في هذه الدراسة، هو أننا أظهرنا أن الأرض ما تزال قادرة على إنتاج الحمم البركانية بنفس درجة الحرارة التي كانت عليها في العصر الأركي. واعتماداً على النتائج المأخوذة من حمم تورتوغال، نعتقد أن ريشة الوشاح تتصل بمنطقة حارة من الوشاح لم تبرد كثيراً منذ العصر الأركي. كما نعتقد أن هذه المنطقة تستمد الحرارة من اللب المتبلور للأرض”.

ويخطط غازيل وزملاؤه لدراسة حمم الكوماتيتات الأحدث، ويأملون أن يتعلموا المزيد عن منشئها. ولا يوجد سبب يدعو للاعتقاد أن تدفقات الحمم الحارة والهائلة التي سببت الانقراض في الماضي على وشك الحدوث مجدداً. ويبدو أن هناك بعض الآليات التي تؤدي إلى هذه الاندفاعات، مثل حرارة الحمم البركانية الموجودة اليوم. وقد تساعد معرفة كيفية حدوث هذه الاندفاعات في أخذ الحيطة منها قبل حدوثها في المستقبل.

error: Content is protected !!