Image

لم يعد "الإنسان المعدّل جينياً" ضرباً من الخيال العلمي

Bread assortment صورة توضيحية لكافة أجزاء السيارة.

انظر إلى الصورة أعلاه والتي تُظهر كافة أجزاء السيارة، ثم حاول الإجابة عن السؤال التالي: هل يمكنك معرفة وظيفة كل قطعة وآلية عملها مع بعضها البعض؟

إذا لم يكن لديك معرفة بآلية عمل السيارات، فإن إحدى الطرق لاستكشاف ذلك هو تفكيك هذه القطع من إحدى السيارات قطعةً قطعة وملاحظة ما سيحدث. فإذا قمت بقطع سلك ما وتوقفت الإضاءة عن العمل، فيمكنك استنتاج أن هذا السلك له علاقة بنظام الإضاءة. وإذا قمت بإزالة بعض الأقراص وتوقفت الفرامل عن العمل، فيمكنك افتراض وجود ارتباط بين هذه الأقراص وعملية إبطاء السيارة.

يمكن تشبيه أجزاء السيارة بـ “الجينات” عند الإنسان، والتي تحدّد قائمة بالأجزاء التي تكوّن الخلية، ولكنها لا تعطي فكرة عن كيفية أداء هذه الأجزاء لوظيفتها من أجل أن تقوم الخلية بعملها. ولاستكشاف هذه الوظائف، يقوم العلماء بإجراء نفس السيناريو الذي افترضناه في السيارة ولكن على الجينات. حيث يقومون بإزالة الجينات من الخلية بشكل منهجي لأخذ فكرة عن آلية عملها مع بعضها البعض من أجل أن يقوم الكائن الحي بوظائفه. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للعلماء أيضاً إضافة أجزاء أخرى للجينات أو تعديلها، وفي كل الحالات يحدث هناك تغيير في الحمض النووي، وهو ما يسمى بالتعديل الجيني أو الهندسة الوراثية، والذي يتم إجراؤه باستخدام الأنزيمات.

وتعود فكرة التعديل الجيني إلى خمسينيات القرن الماضي على الأقل، والتي بدأت تظهر بهدف علاج الأمراض أو تغيير الصفات. ثم أخذت بالتطور منذ السبعينيات إلى أن تم اكتشاف تقنية كريسبر الأحدث في هذا المجال في عام 2012 من قبل الباحثتين جنيفر دودنا وإيمانويل شاربنتير وزملائهما من خلال بحث كان يهدف بالأصل إلى دراسة كيفية مواجهة البكتيريا للعدوى الفيروسية. وتعمل هذه التقنية بدقة عالية تمكّن الباحثين من إزالة وإدخال الحمض النووي في المواقع المرغوب بها.

صورة توضيحية لقطع جزء من الحمض النووي من أجل التعديل الجيني.

مجالات الاستخدام المحتملة

ويمكن استخدام التعديل الجيني في مجال الأبحاث بهدف معرفة بيولوجيا الحمض النووي والكائنات الحية وآلية عملها، أو بهدف علاج الأمراض كتعديل خلايا الدم لعلاج سرطان الدم وفيروس الإيدز، أو في مجال التكنولوجيا الحيوية في الزراعة لتحسين المحاصيل ومقاومة النباتات للأمراض وكذلك لتعديل المواشي.

وقد تم بالفعل استخدام تقنية كريسبر في مجموعة متنوعة من التطبيقات. فعلى سبيل المثال، تم تطبيقها على الأجنة المبكرة لإنتاج كائنات معدلة وراثياً، وتم استخدامها في مجرى الدم عند حيوانات المختبر لتحقيق التعديل الجيني في مجموعة من الأنسجة. كما استخدمت تقنية كريسبر لتعديل جينات النباتات والحيوانات، بما فيها الفئران والجرذان والقرود. وقد مكّنت هذه التقنية من إزالة فيروس الإيدز من الخلايا المصابة وتصحيح الشذوذات الجينية وبالتالي الشفاء من الأمراض عند حيوانات التجارب. كما قد تستخدم تقنية كريسبر لتعزيز الصفات عند الإنسان، مثل الحصول على عظام أقوى، أو خفض قابلية الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، بل حتى تغيير لون العيون أو زيادة طول الجسم.

جدل عالمي حول مدى “أخلاقيته” 

وقد أدت هذه الاكتشافات الكبيرة في مجال التعديل الجيني إلى إثارة الجدل حول القضايا الأخلاقية والاجتماعية لإجراء ذلك عند الإنسان. إذ تمّ طرح العديد من التساؤلات حول الحالات التي يجب فيها استخدام التعديل الجيني، إن كان لعلاج الأمراض أو لتغيير بعض الصفات البشرية مثل الجمال والذكاء. حيث دعا مجموعة من العلماء في عام 2015 إلى حظر تطبيق تقنية كريسبر على البشر، إلى أن يتم أخذ الآثار السلبية والآداب الأخلاقية لتعديل الجينات البشرية بعين الاعتبار. بينما نصح باحثون آخرون بالمضي قدماً في تطبيقها، قائلين بأن هذه التقنية الجديدة تمثّل أساساً للتخفيف من معاناة الإنسان، وبأن منع ذلك هو أمر غير أخلاقي. وفي الوقت نفسه، أشارت تقارير من الصين إلى أنه قد تم إجراء تجارب التعديل الجيني على الأجنة البشرية.

وتقول جنيفر دودنا – الباحثة المشاركة في اكتشاف تقنية كريسبر – في حديثها ضمن سلسلة مؤتمرات تيد في عام 2015: “أعتقد بأننا سوف نشهد التطبيق السريري لهذه التقنية في غضون السنوات الـ 10 المقبلة، وخصوصاً عند البالغين. وأعتقد بأنه من المرجح أن نشهد حتى إجراء العلاجات المعتمدة في ذلك الوقت، وهو أمر مثير جداً للاهتمام”.

وعلى الرغم من عدم وجود أي إنسان معدّل الجينات يعيش بيننا في الوقت الحالي، إلا أن هذا لم يعد ضرباً من الخيال العلمي ويمكن أن يحدث قريباً. فالحيوانات والنباتات المعدّلة وراثياً أصبحت حقيقة، وهذا يضعنا جميعاً أمام مسؤولية كبيرة، وذلك للتفكير بحذر في كافة النتائج المقصودة وغير المقصودة لهذا الاكتشاف العلمي الهائل.

error: Content is protected !!