Image

يجب أن نعلم أين سيحصل فيضان وأين سيحدث جفاف

Bread assortment بحيرة جافة في حوض تورفان أقصى غرب الصين. هذه البحيرة جفت بالكامل خلال العقد الأخير من الزمن مع ارتفاع درجة حرارة الأرض وتحول الهطولات المطرية عن هذه المنطقة.
حقوق الصورة: آرون إي بوتنام

جاء في كتاب “يوميات ريتشارد المسكين” لبنيامين فرانكلين: “عندما تجف الآبار، ندرك قيمة الماء”. ومع أن قصده كان مجازياً، فإن فترة قرنين من الإدارة المريبة للمياه، ابتداء من موجة “قصعة الغبار” في الثلاثينات، وانتهاء بالجفاف الأخير في كاليفورنيا، ستحوّل ذلك المجاز إلى حقيقة. فالماء هو الحياة قبل كل شيء. ووفقاً لدراسة نشرت في مجلة ساينس أدفانسز، فإن التغير المناخي يهدد مخزون المياه بتغيير الأماكن التي ستتساقط فيها الأمطار.

يقول مؤلف الدراسة آرون بوتنام الأستاذ المساعد في مدرسة علوم الأرض والمناخ التابعة لجامعة ماين، ومعهد التغير المناخي: “نحن مهتمون في الكيفية التي ستتغير بها الموارد المائية للأرض في المستقبل في ظل ارتفاع درجة حرارة الكوكب”.

وقد وجد بوتنام في بحثه أن التغير المناخي سوف يغير خط الاستواء الحراري للأرض (وهو المنطقة التي تتشكل حولها أحزمة الأمطار والمناطق الجافة). حيث ستصبح المناطق الرطبة خلال فترة الصيف في النصف الشمالي من الأرض أكثر رطوبة، بينما سيزداد جفاف المناطق الجافة، أما في الشتاء فستتوسع أحزمة الأمطار والأراضي الجافة باتجاه الشمال.

“ممنوع السباحة” هكذا تقول هذه اللافتة، ولكن هذه البحيرة في حوض تورفان غرب الصين قد جفت بالكامل خلال العقد الأخير من الزمن.
حقوق الصورة: آرون إي بوتنام

وهذا يعني من الناحية العملية أن المناطق المدارية ستصبح أكثر رطوبة، وستصبح المناطق شبه الاستوائية وخطوط العرض الوسطى أكثر جفافاً، وخاصة في يونيو ويوليو وأغسطس. وستصبح الرياح الموسمية في نصف الكرة الشمالي أقوى، بينما ستضعف الرياح الموسمية في نصف الكرة الجنوبي. وتأتي فكرة الموسم الأقوى للرياح الموسمية في الشمال نظراً لأن بعض الأجزاء من آسيا تعاني أصلاً من الفيضان السنوي. فقد أدت الانهيارات الأرضية والانهيارات الطينية والفيضانات في سيريلانكا إلى مقتل 90 شخصاً أواخر مايو 2017.

وسوف تصبح الأراضي الجافة في غرب الولايات المتحدة، وآسيا الداخلية (مثل منغوليا)، والشرق الأوسط أكثر جفافاً، في حين أن غابات الأمازون المطيرة سوف تتجه شمالاً، مما يجعل فنزويلا أكثر رطوبة. وستصبح مناطق شرق البرازيل ومنطقة ألتيبلانو البوليفية، وهي المنطقة التي تشمل أجزاء من الغابات المطيرة في الأمازون، أكثر جفافاً. وعلى مدى العقد الماضي، أدى مزيج من إزالة الغابات وتغير المناخ إلى زوال الغابات المطيرة الرطبة عادة. وقد توصل الباحثون إلى هذا الاستنتاج، من خلال تحليل بيانات المناخ القديم من جميع أنحاء العالم، لمعرفة كيفية استجابة هطول الأمطار في الماضي للتحولات السابقة في المناخ.

يقول بوتنام: “يمكن التفكير في بيانات المناخ القديم كسجل جيولوجي تم حفظه بطرق عديدة على سطح الأرض وتاريخها الجيوكيميائي. وأعتقد أن أكثر الأمثلة بصرية وأكثرها قوة، خاصة فيما يتعلق بتتبع أنماط الهطولات المطرية حول العالم، هو تلك الأحواض المغلقة للبحيرات التي تمتلئ بالمياه ثم تتبخر. إنها تخبرنا عن الهطولات المطرية في الماضي”.

إذا ذهبت إلى مكان كالحوض الكبير في الجنوب الغربي الأميركي، وإذا كنت في الطائرة المتجهة من نيويورك إلى سان فرانسيسكو، ونظرت عبر النافذة إلى الأسفل، فسوف ترى أن تلك الأحواض الجافة بين الجبال في نيفادا محفورة عند حوافها على شكل شواطئ قديمة. وهذا يعني أنها كانت ممتلئة، وأنها كانت مناطق بحيرات في مرحلة ما من الماضي”.

ويشمل سجل المناخ القديم كل شيء، من البيانات المتعلقة بأحواض البحيرات المغلقة، والصواعد، ورواسب البحيرات، والعينات الجليدية اللبية، بالإضافة إلى تقنيات التأريح بالكربون والتأريخ باليورانيوم-ثوريوم، والتي تشكل مع بعضها صورة متكاملة. وبالرجوع بالزمن إلى الوراء، نستطيع التوصل إلى فهم أفضل لكيفية استجابة الأرض للتغير المناخي الذي يصنعه البشر.

يقول بوتنام: “هذه هي المعرفة التي توصلنا إليها  من خلال الثورة النووية وفهم الفيزياء النووية. هذه المقاييس دقيقة جداً. وكثير من فهمنا ليس فقط للجيولوجيا والمناخ القديم، ولكن أيضاً للعالم والتكنولوجيا، مبني على نفس الابتكارات التي تطورت إلى أدوات التسلسل الزمني الجيولوجية هذه”.

شاطئ بحيرة مونو في كاليفورنيا عام 2013. تشير الشواطئ القديمة المحفورة في الجهة الشرقية من سييرا نيفادا إلى أن مستوى المياه في هذه البحيرة كان أعلى عندما كان المناخ أكثر برودة. وعندما زادت حرارة المناخ، تبدّل النظام المائي العالمي وأدى إلى انحسار هذه البحيرة. ونحن نشهد اليوم ظاهرة مشابهة. فعندما يزيد ثاني أوكسيد الكربون الأحفوري الحرارة في نصف الكرة الشمالي بشكل أسرع من نصف الكرة الجنوبي، فإن الرطوبة التي تغذي سييرا نيفادا تأخذ مسارها نحو الشمال. ونتيجة لذلك فقد انحسرت بحيرة مونو.
حقوق الصورة:  آرون إي بوتنام

القضية ليست مجرد أن بحيرة في نيفادا تخبرنا بقصة جيولوجية، ولكن الحقيقة هي أن القصة نفسها تتمثل في البيانات التي اكتشفها الباحثون من الصواعد في الصين والعينات اللبية الجليدية المأخوذة من القارة القطبية. إنها لا تعتمد على أداة معينة، فالكثير من الأدوات والطرق الداعمة تمنح الباحثين درجة معقولة من الثقة في نتائجهم.

هل يعني هذا عدم وجود شكوك؟ بالتأكيد لا. فالمزيد من البحوث -بما في ذلك جمع البيانات الجيولوجية بالطرق التقليدية- ضروري جداً للوصول إلى صورة أوضح. ويقول بوتنام إنه من ناحية استقراء الآثار المستقبلية، فإن البيانات هي الأكثر منطقية من حيث الأنماط الإقليمية على نطاق عقد من الزمن. ويمكن القول، على سبيل المثال، إنه وخلال فترة عشر سنوات، فإن الغرب الأميركي سيصبح أكثر جفافاً، ولكن بالتأكيد فإنه وفي أي سنة معينة خلال تلك الفترة، يمكن أن يكون رطباً بشكل غير اعتيادي، خاصة في المناطق الأصغر.

هذه الدراسة هي مجرد خطوة إلى الأمام، وليست نهاية الطريق في التنبؤ بالموارد المائية، ومن المهم عمل المزيد لتأكيد هذه التنبؤات.

يقول بوتنام: “نحتاج أن نكون قادرين على التنبؤ بكيفية إعادة توزع المياه حول العالم، لأننا نعيش اليوم في عالم مكون من سبعة مليارات إنسان، وسيتضاعف هذا الرقم في زمن غير بعيد. ولذلك فنحن نعتمد بشكل كبير على الموارد المائية في أمننا الغذائي وأمننا الوطني”.

وقد ربط الباحثون الصراع في سوريا جزئياً بالجفاف الذي ازداد سوءاً بسبب التغير المناخي. بينما نشرت وزارة الدفاع الأميركية عام 2015 تقريراً يشير إلى أن “التغير المناخي العالمي سيؤدي إلى تفاقم مشاكل كالفقر، والتوترات الاجتماعية، والتدهور البيئي، والقيادة غير الفعالة، وضعف المؤسسات السياسية، والتي تهدد الاستقرار في عدد من الدول”.

error: Content is protected !!